اختر صفحة

ألمانيا … كيف تعاملت مع “قضية” مقتل قاسم سليماني ؟ بقلم الدكتورة إيمان عبد الحليم

يناير 16, 2020 | تقارير, دراسات

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

ألمانيا… كيف تعاملت مع “قضية” مقتل قاسم سليماني ؟

إعداد : الدكتورة إيمان أحمد عبد الحليم، باحثة بالمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات 

اتسم رد الفعل الأولي لألمانيا بعد مقتل قائد “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الألماني،  قاسم سليماني ، على اثر غارة أمريكية استهدفته في مطار بغداد فجر 3 يناير 2020، بالدعوة للتهدئة وعدم التصعيد؛ حيث كرت الصحف الألمانية أن وزير الخارجية”هايكو ماس” يسعي لإجراء محادثات مباشرة مع إيران في محاولة لمنع تصعيد التوتر بعد مقتل سليماني. و ذكرت وصرح “ماس” في 5 يناير2020 لصحيفة “فيلت أمزونتاج”: “سنبذل كل ما في وسعنا خلال الأيام المقبلة لمنع حدوث تصعيد آخر في الموقف في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وفي حوار مع شركائنا بالمنطقة بما في ذلك إجراء محادثات مع إيران”.

وحذر “هايو فونكه” الخبير الألماني بشئون الشرق الأوسط، من تصاعد خطر الحرب في المنطقة بصورة كبيرة. وبحسب ما نشر موقع “دويتشه فيلله” في 3 يناير 2020، بأن بلاده مطالبة بالعمل على وقف التصعيد بين إيران والحكومة الأمريكية. وأضاف فونكه أن “الأمر مرهون بالأشهر المقبلة، والحكومة الألمانية مطالبة على نحو مختلف تماماً عن كل المطالبات التي وُجِّهَتْ إليها حتى الآن ولا ينبغي عليها أن تصمت”، محذراً من أن “خطر الحرب ارتفع على نحو لا نهاية له”. وحيث كانت القيادة العليا في إيران توعدت الولايات المتحدة بالانتقام بعد مقتل سليماني، ورأى فونكه أن كل شيء محتمل في هذا الرد.

مقتل سليماني.. ومسببات التوتر في العلاقات مع إيران

كا ن لقضية مقتل قاسم سليماني تأثيرها المحتمل في توتر العلاقات بين ألمانيا وإيران، بانعكاسها على ملفات متعددة على الرغم من الدعوات الألمانية للتهدئة في أعقاب التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران ، وأبرزها ما يلي:

أولا: تحميل إيران المسؤولية عن التصعيد

وصفت المتحدثة باسم الحكومة الألمانية الضربة الأمريكية في العراق التي قتل فيها القائد الإيراني بأنها كانت رد فعل على الاستفزازات العسكرية الإيرانية. وقالت المتحدثة “أولريك ديمر”: “كان التحرك الأمريكي رد فعل على سلسلة من الاستفزازات العسكرية التي تتحمل مسؤوليتها إيران”، وأضافت: “نتابع أيضاً بقلق بالغ أنشطة إيران في المنطقة، حيث نقف أمام تصعيد خطير”، وفقا لـ “روسيا اليوم” في 3 يناير 2020. وذكّرت ديمر بالهجمات على ناقلات النفط في مضيق هرمز ومنشآت النفط السعودية، وتابعت بالقول إن “الصراعات الإقليمية لا يمكن حلها إلا عبر الطرق الدبلوماسية فقط، ونحن نتبادل الرأي في هذا الشأن مع حلفائنا”. مقتل قائد فيلق القدس

وأكدت وزيرة الدفاع الألمانية “آنجريت كرامب كارنباور” أن إيران مسؤولة عن معظم التصعيد في التوترات التي حدثت في الشرق الأوسط. وتابعت خلال اجتماع للمحافظين في بافاريا “أقول بوضوح إن إيران مسؤولة عن التصعيد في المنطقة، ولذلك تتحمل طهران مسؤولية المساهمة في خفض التصعيد”، وذلك بحسب ما نشرت قناة “العربية”، في 7 يناير 2020.

جاء رد الفعل الإيراني في المقابل،  بأن استدعت وزارة الخارجية الإيرانية القائم بالأعمال في السفارة الألمانية بطهران، على إثر ما قالت إنها ملاحظات “غير مقبولة” لـ”بعض المسؤولين الألمان” حول مقتل سليماني. وبحسب ما نشرت وكالة “رويترز” للأنباء في 5 يناير 2020، فقد أوضحت الخارجية الإيرانية، إن طهران أعربت للدبلوماسي الألماني عن “احتجاجها الشديد” على ما صرح به مسؤولون ألمان.

Iranian Nuclear Power

Iranian Nuclear Power

ثانيا : رفض مواصلة إيران أنشطتها النووية

أعلنت طهران في 5 يناير 2020، وبعد يومين فقط على مقتل قاسم سليماني ، تخليها عن جميع القيود المفروضة على أنشطتها النووية بموجب الاتفاق النووي المبرم بين إيران والسداسية الدولية في عام 2015. وورد في بيان للحكومة الإيرانية: “إن الخطوة الخامسة والنهائية تنص على التخلي عن جميع القيود المفروضة على أنشطتنا النووية بموجب الاتفاق النووي بما في ذلك مستوى تخصيب اليورانيوم وكمية اليورانيوم المخصب وعدد أجهزة الطرد المركزي”، وشددت على أنه من اليوم فصاعداً لن يكون أمام برنامج إيران النووي أي قيود على مستوى تخصيب اليورانيوم وسيكون النشاط النووي وفقاً لحاجة البلاد الفنية، وإن أكدت استمرار التعاون كما في السابق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وأشارت في بيانها أيضاً إلى أن السلطات الإيرانية مستعدة للعودة إلى تطبيق جميع التزاماتها بالاتفاق النووي في حال رفع العقوبات الأمريكية، وأنه تم إبلاغ منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بتنفيذ الخطوة الخامسة بالتنسيق مع رئيس البلاد، وذلك وفقا لـ”سي ان ان” في 5 يناير2020.

واعتبر وزير الخارجية الألماني “هايكو ماس” فى رفض هذه الخطوة إن إعلان إيران تخليها عن القيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم يمكن أن يكون الخطوة الأولى لإنهاء الاتفاق النووي، موضحاً أن إعلان إيران بخصوص تخصيب اليورانيوم لا ينهي الاتفاق النووي بشكل تلقائي. وقال: “بالتأكيد سنتحدث مرة أخرى مع إيران، غير أن ما أعلن لا يتسق مع الاتفاق”. وتابع أن “الوضع لم يصبح أسهل، وقد تكون هذه الخطوة الأولى لإنهاء هذا الاتفاق، وهو ما سيشكل خسارة كبرى لذلك سنبحث هذا الأمر بمسؤولية شديدة الآن”، وذلك بحسب ما نشرت قناة “فرانس 24” في 6 يناير2020.

التأثير على الوجود العسكري في العراق

التأثير على الوجود العسكري في العراق

ثالثا : التأثير على الوجود العسكري في العراق

قررت ألمانيا نتيجة للتصعيد القائم في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة،  تعليق مهمات التدريب في العراق. وذكر الجيش الألماني أن الولايات المتحدة وحلفاءها أوقفوا تدريب القوات العراقية، حيث تقوم وحدات من الجيش الألماني بتدريب القوات العراقية وقوات البيشمركة في اقليم كردستان، وفي سياق مشاركتها في التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، وفقا لـ “دويتشه فيلله” في في 4 يناير 2020. وأبلغت قيادة العمليات في الجيش الألماني لجنة الدفاع بالبرلمان فى 3 يناير 2020، أن ألمانيا قررت تعليق مهمات التدريب في العراق في أعقاب الضربة الأمريكية التي استهدفت قاسم سليماني، مبينة أن المقر الرئيسي للتحالف الدولي ضد  لـ”داعش” هو الذي أصدر القرار، وأوضحت أن القرار إجراء احترازي لحماية الجنود الألمان. الجيش الألمانى

وجاء على خلفية ذلك، إعلان متحدث باسم وزارة الدفاع الألمانية إن الجيش الألماني سحب بعض قواته المتمركزة في العراق من البلاد، موضحاً أنه تم نقل حوالي (35) جندياً من بغداد والتاجي إلى الكويت والأردن المجاورتين بشكل مؤقت، مشيراً إلى أن القوات الألمانية الأخرى المتمركزة في العراق لاتزال موجودة، على سبيل المثال في أربيل، وذلك بحسب ما نشرته قناة “الحرة” الأمريكية في 7 يناير 2020. وجاء ذلك بعد يومين من قرار التحالف الدولي تعليق عمليات تدريب القوات العراقية والقتال ضد تنظيم “داعش” بسبب “الالتزام بحماية القواعد العراقية التي تستضيف قوات التحالف” وفقا لـ “صحيفة الشرق الأوسط”.

وراجعت أجهزة الأمن الألمانية مستويات التهديد دولياً ومحلياً في أعقاب مقتل سليماني، وأكدت وزارة الداخلية فى تقريرإعلامي بشأن مراجعة إرشادات تم توزيعها على الشرطة في ولايات ألمانيا الـ(16)، بحيث يمكنها اتخاذ “إجراءات أمنية مناسبة” لحماية منشآت عدة، منها الأمريكية، ولم تقدم الوزارة تفاصيل بشأن الإرشادات التي قام بتوزيعها مكتب الشرطة الفيدرالية. وأوردت صحيفة “فيلت ام زونتاج” الأسبوعية أن عدداً من الولايات الألمانية رفعت مستوى التأهب بالفعل، بحسب ما نشرت قناة “العربية” في 4 يناير 2020.

استمرار التمسك بالاتفاق النووي.. مع الدعوة لعدم التصعيد

أكدت ألمانيا على الرغم من المواقف الإيرانية، و مسببات الخلاف المشار إليها،  إنها لاتزال ترغب بـ”إنقاذ” الاتفاق النووي المبرم مع إيران، رافضة دعوات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للأوروبيين للتخلي عنه. وبحسب ما تشير إذاعة “مونت كارلو” الدولية في 10 يناير2020، قال المتحدث باسم الخارجية الألمانية”راينر برويل” إن “هدفنا لايزال إنقاذ الاتفاق، لأننا مازلنا مقتنعين بأنه الأداة الأمثل لمنع إيران من أي تسلّح نووي محتمل”.. وقال برويل “نريد استخدام جميع الاحتمالات، التي يوفرها (الاتفاق) للتحرّك باتّجاه حل دبلوماسي”، وحضّ طهران على “العودة إلى التزاماتها” الواردة في اتفاق 2015، الذي أبرم مع الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وروسيا والصين.  التسلح النووي الإيراني .. وإنعكاساته على أوروبا

أصدر كل من الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، بياناً مشتركاً يدعو جميع الأطراف إلى “ممارسة أقصى درجات ضبط النفس” وفقا لـ “سي ان ان” في 6 يناير 2020، ، وقالوا إن هناك “حاجة ملحة لتخفيف التصعيد في الشرق الأوسط”. وأضاف البيان المشترك “ندعو إيران على وجه التحديد إلى الامتناع عن القيام بمزيد من أعمال العنف أو الانتشار، ونحث إيران على عكس جميع التدابير التي لا تتفق مع الاتفاق النووي”. وكذلك فقد عبر البيان عن قلق الدول الثلاث فيما يتعلق بـ”الدور السلبي الذي لعبته إيران في المنطقة، من خلال الحرس الثوري الإيراني وقوة القدس تحت قيادة الجنرال قاسم سليماني “، ومع ذلك أكد البيان أنه “هناك الآن حاجة ملحة لإلغاء التصعيد.

الخلاصة 

في ضوء مسببات الخلاف المتعددة بين ألمانيا وإيران، والتي ظهرت فيما بعد مقتل قاسم سليماني ، وحرص ألمانيا في الوقت ذاته على الحفاظ على التهدئة في منطقة الشرق الأوسط، وعدم التصعيد بين طهران وواشنطن، والتشديد على أهمية الحفاظ على الملف النووي، فإنه يظهر من خلال تلك التفاعلات عدم الرضا الألماني عن سياسات طهران الإقليمية، وهو ما تجلى في تحميلها مسؤولية تطورات الأوضاع بالمنطقة، الأمر الذي كان له أثره بالفعل على علاقاتها بإيران التي قامت باستدعاء القائم بالأعمال الألماني، وهو ما قد يكون له تداعيات سلبية على مستقبل العلاقات بين الطرفين، وخصوصاً في حال ما أصرت طهران على مواصلة عدم التقيد بالتزامتها النووية.

و يظل هناك حرص ألماني على انجاح الاتفاق النووي مع إيران، وعدم اللجوء إلى فرض عقوبات عليها في حال ما تم تفعيل آلية فض المنازعات في الاتفاق، ليس فقط لما يعنيه ذلك من تنامي الخطر النووي، ولكن أيضاً للتداعيات الاقتصادية السلبية على ألمانيا ذاتها، والتي ظهرت في تراجع صادرات ألمانيا إلى إيران النصف تقريباً فى عام 2019، مقارنة مع الفترة ذاتها من العام 2018 بسبب العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران.

 فضلاً عن أن التصعيد في الشرق الأوسط بعد مقتل سليماني كان له أثره بالفعل على ارتفاع أسعار النفط. وبات من المتوقع  أن تستأنف طهران هجماتها على البنية التحتية النفطية الإقليمية من خلال وكلائها الإقليميين. ومثل هذه الأعمال أو انتشار الصراع على حقول النفط في جنوب العراق سيدفع على الأغلب لمزيد من ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية.

يمكن القول أن مستقبل العلاقات بين الطرفين يظل رهناً بمدى التزام إيران بالاتفاق النووي، ونجاح ألمانيا في المقابل -مع باقي الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق- في الحفاظ عليه، ومن خلال محاولاتها منح إيران الفوائد الاقتصادية الموعودة في الاتفاقية النووية في مواجهة الضغط الأمريكي عليها، وهو ما يتطلب معه أن تواصل برلين جهودها لأجل العمل على وقف التصعيد بين إيران والحكومة الأمريكية، وللمساعدة في حفظ الأمن في الشرق الأوسط، وبما يحفظ المصالح الألمانية ذاتها.

الرابط المختصر:  https://www.europarabct.com/?p=57229

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك