الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

أمن دولي ـ الضمانات الأوروبية ومفاوضات أوكرانيا، الانقسامات والسيناريوهات المحتملة

eu-ukraine
سبتمبر 02, 2025

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا  ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”

أمن دولي ـ  الضمانات الأوروبية ومفاوضات أوكرانيا، الانقسامات والسيناريوهات المحتملة

تجد أوروبا نفسها اليوم أمام معادلة معقدة في إدارة الحرب الأوكرانية. فمن جهة، تعتبرها واشنطن خط الدفاع الأول في مواجهة روسيا، وتطالبها بمزيد من الالتزامات الأمنية والعسكرية. ومن جهة أخرى، تتهمها موسكو بأنها “المعطل” لأي تسوية سلمية. وبين هذين الضغطين، يظل الموقف الأوروبي محكومًا بهاجس واحد: كيف يمكن تحقيق سلام لا يكرّس مكاسب روسيا ولا يفتح الباب أمام عدوان جديد؟ البنتاغون ينظر إلى أوروبا باعتبارها خط الدفاع الأول ضد موسكو، ما يعني أن عليها تحمل مسؤوليات أكبر من مجرد الدعم السياسي. هذه المسؤوليات تتجسد في نشر قوات إضافية على حدود الناتو الشرقية، وضمان تمويل وتسليح دوري لأوكرانيا، إضافة إلى تدريب القوات الأوكرانية، وتمويل مشاريع إعادة إعمار ذات طابع عسكري، والدخول في شراكات أمنية مباشرة مع كييف، خصوصًا من جانب فرنسا وألمانيا وبولندا وبريطانيا. كما يجري الحديث عن توسيع نطاق منظومات الدفاع الجوي الأوروبي لحماية جزء من الأجواء الأوكرانية.

شروط بوتين للمفاوضات أو وقف إطلاق النار في أوكرانيا:

ـ الاعتراف بالسيادة الروسية على الأراضي المحتلة: بوتين يصر على أن روسيا يجب أن تحتفظ بالسيطرة على المناطق التي احتلتها في شرق وجنوب أوكرانيا، مثل دونباس، ولوغانسك، والقرم (التي ضمها عام 2014). يرفض بشكل قاطع أي محاولة أوكرانية لاستعادة هذه الأراضي.

ـ إنهاء طموحات أوكرانيا للانضمام إلى الناتو: من أهم شروط بوتين أن تتعهد أوكرانيا رسميًا بعدم الانضمام لحلف شمال الأطلسي، الذي يعتبره تهديدًا أمنيًا وجوديًا لروسيا. أي اتفاق يجب أن يضمن بقاء أوكرانيا خارج التحالف العسكري الغربي.

ـ تعزيز الحياد الأمني لأوكرانيا: بوتين يريد أن تصبح أوكرانيا دولة “محايدة” أمنياً، بمعنى ألا تستضيف قواعد عسكرية أو أسلحة تابعة للغرب على أراضيها.

ـ إلغاء العقوبات الغربية تدريجياً: ضمن شروطه غير الرسمية، يريد بوتين أن يتم رفع العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة على روسيا تدريجياً، كمقابل لوقف العمليات العسكرية.

ـ ضمانات أمنية دولية: يطالب بوتين بوجود ضمانات أمنية دولية لروسيا، سواء من خلال اتفاقيات دولية أو مشاركة أطراف ثالثة كضامنين لوقف إطلاق النار.

التفاوض على وضع خاص للمناطق الانفصالية في دونباس: يشدد على ضرورة منح مناطق دونباس حكمًا ذاتيًا أو وضعًا خاصًا داخل أوكرانيا، بما يضمن استمرار سيطرة روسيا أو حلفائها في هذه المناطق.

لا يرغب بوتن في مجرد وقف إطلاق نار مؤقت، بل يطالب بتسوية سياسية تعترف بالإنجازات العسكرية الروسية على الأرض وتضمن دورًا جيوسياسيًا قويًا لموسكو في المنطقة، مع الحد من النفوذ الغربي في أوكرانيا بشكل جذري.

شروط أوكرانيا ومطالبها الثابتة في المفاوضات:

ـ استعادة كامل سيادة الأراضي الأوكرانية: أوكرانيا تطالب باستعادة جميع أراضيها التي تحتلها روسيا، بما في ذلك شبه جزيرة القرم، ومنطقتي دونباس (دونيتسك ولوغانسك)، وجميع المناطق التي دخلتها القوات الروسية خلال الحرب.

رفض الاعتراف بالضم الروسي للأراضي: أوكرانيا ترفض بشكل قاطع أي اعتراف دولي بالضم الروسي لأراضيها، وتعتبر ذلك انتهاكًا للقانون الدولي ولا يمكن التفاوض عليه.

ـ الاحتفاظ بطموحات الانضمام إلى الناتو والاتحاد الأوروبي: كييف تؤكد على حقها في اختيار تحالفاتها الأمنية والسياسية، وتصر على استمرار مساعيها للانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي كمصدر لأمنها واستقرارها.

ـ انسحاب القوات الروسية من الأراضي الأوكرانية: من المطالب الأساسية هو الانسحاب الكامل وغير المشروط للقوات الروسية من جميع الأراضي الأوكرانية المحتلة.

ـ الاحتفاظ بالسيادة على الحدود الدولية: أوكرانيا تطالب بالسيطرة الكاملة على حدودها الدولية، بما في ذلك الحدود البرية والبحرية، مع رفض أي وجود روسي أو أي طرف ثالث غير أوكراني على هذه الحدود.

تعويضات عن الأضرار والخسائر: أوكرانيا تسعى للحصول على تعويضات مالية كبيرة عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والاقتصاد بسبب الحرب.

ـ محاكمة المسؤولين الروس عن الحرب والجرائم: مطالبة بمساءلة ومحاسبة قادة روسيا والمسؤولين العسكريين عن الأفعال التي وصفتها كييف بأنها جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ـ ضمانات أمنية دولية أوكرانيا تريد ضمانات أمنية من دول غربية كبرى (مثل الولايات المتحدة، وبريطانيا، ودول الناتو) لحمايتها من أي عدوان مستقبلي.

تتمحورمطالب أوكرانيا حول استعادة سيادتها الكاملة والرفض القاطع لأي تنازل عن الأراضي، إلى جانب تأكيد حقها في الانضمام إلى التحالفات الغربية، مع ضمانات أمنية قوية ضد التهديد الروسي المستقبلي.

شروط الاتحاد الأوروبي للمفاوضات مع روسيا

عدم الاعتراف بالضم الروسي للأراضي الأوكرانية: يؤكد الاتحاد الأوروبي رفضه القاطع لأي اعتراف بالضم الروسي للأراضي الأوكرانية المحتلة، بما في ذلك شبه جزيرة القرم ومناطق دونباس. ويشدد على أن أي تسوية يجب أن تحترم سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها.

مشاركة أوكرانيا في أي مفاوضات: يصر الاتحاد الأوروبي على ضرورة أن تكون أوكرانيا طرفًا أساسيًا في أي مفاوضات مع روسيا.  ويعتبر أن أي اتفاق بين واشنطن وموسكو يجب أن يشمل أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، باعتبار ذلك مسألة تتعلق بأمن أوكرانيا وأوروبا بأكملها.

رفض تغيير الحدود بالقوة: يؤكد الاتحاد الأوروبي على أن الحدود الدولية لا يجوز تغييرها بالقوة، وأن أي تسوية تفاوضية لا ينبغي أن تمهد الطريق لمزيد من العدوان ضد أوكرانيا أو التحالف عبر الأطلسي أو أوروبا.

ضمانات أمنية لأوكرانيا: يشدد الاتحاد الأوروبي على ضرورة توفير ضمانات أمنية قوية وموثوقة لأوكرانيا، بما في ذلك استمرار تسليم الأسلحة ونشر قوات حفظ سلام أوروبية على أراضيها.

رفض مقترحات ترامب: يرفض الاتحاد الأوروبي مقترحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب التي قد تؤدي إلى تسوية على حساب مصالح أوكرانيا، ويؤكد على أن أي تسوية يجب أن تحترم سيادة أوكرانيا وحقوقها. الأمن الدولي ـ هل تنتقل معركة الدعم الأوروبي إلى داخل الأراضي الأوكرانية؟

هل أوروبا تعطل مساعي السلام؟

أحد أبرز الملفات المطروحة اليوم هو احتمالية نشر قوات أوروبية داخل أوكرانيا “ما بعد النزاع”

أوروبا لا ترفض مبدأ السلام، لكنها تضع شروطًا صارمة تجعل وقف إطلاق النار الفوري شبه مستحيل. أما الكرملين فهو يروّج لخطاب مفاده أن “الحزب الأوروبي للحرب” هو من يعرقل التسوية، لكن القراءة المتأنية للمواقف الأوروبية تكشف أنها ترفض ببساطة أي وقف لإطلاق النار وفق الشروط الروسية، لأنه يعني ترسيخ السيطرة على الأراضي المحتلة ومنح موسكو جائزة سياسية وعسكرية. من وجهة نظر بروكسل وبرلين ووارسو، أي “سلام هش” الآن سيمنح روسيا فرصة لإعادة ترتيب صفوفها ثم استئناف الحرب لاحقًا. أما دول أوروبا الشرقية مثل بولندا ودول البلطيق، فهي أكثر تشددًا، وترفض أي تسوية من دون ضمانات صارمة تمنع تكرار العدوان الروسي، خشية أن تكون هي الهدف القادم. إلى جانب ذلك، يظل العامل الأمريكي حاضرًا. فالأوروبيون يخشون أن تنخرط إدارة ترامب في “سلام أميركي روسي” قد يضع مصالحهم الأمنية في المرتبة الثانية. لذلك يفضلون الإبقاء على موقف متشدد، حتى لو وُصف بأنه يعرقل التسوية.

جدل نشر القوات الأوروبية

أحد أبرز الملفات المطروحة اليوم هو احتمالية نشر قوات أوروبية داخل أوكرانيا “ما بعد النزاع”. رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تحدثت في مقابلة مع فاينانشال تايمز  31 أغسطس 2025 عن “خطط دقيقة جدًا” لانتشار قوات متعددة الجنسيات بدعم أمريكي في القيادة والاستخبارات، بل وربطت ذلك بصندوق دفاع أوروبي ضخم لدعم الصناعات الدفاعية الأوكرانية. في المقابل، المستشار الألماني فريدريش ميرتس كان أكثر حذرًا، مؤكدًا في مقابلة مع قناة ZDF أن “الحديث عن إرسال قوات برية الآن غير مطروح”، وأن الأولوية القصوى هي تعزيز قدرة الجيش الأوكراني على الدفاع عن نفسه. ميرتس شدّد كذلك على أن أي مشاركة ألمانية تحتاج إلى موافقة البرلمان، ما يعكس حساسية هذا الملف داخل السياسة الألمانية. هذا التناقض في المواقف يعكس الفجوة بين طموحات المفوضية الأوروبية من جهة، وحسابات العواصم الكبرى وعلى رأسها برلين من جهة أخرى.

يرى الخبير العسكري إيفان ستوباك أن روسيا تسعى لتحقيق مكاسب ميدانية من خلال عمليات الصيف المخطط لها، مما يجعل من السذاجة توقع عدولها عن هذه الخطط بسرعة استجابة لرغبات ترامب.  يشير المحللون إلى أن روسيا وضعت أوكرانيا أمام خيارات تعجيزية، حيث تضمنت مذكرات التفاهم الروسية شروطًا مسبقة لوقف إطلاق النار، مما يجعل التوصل إلى تسوية سلمية أمرًا بالغ الصعوبة. الدفاع ـ دوافع أوروبا لرسم “خارطة طريق” متعددة الجنسيات في أوكرانيا

سيناريوهات محتملة

بعثة مراقبة غير قتالية:  قوة صغيرة من 3 إلى 7 آلاف جندي لمراقبة وقف إطلاق النار وتدريب الجيش الأوكراني، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا والأقل استفزازًا لموسكو.

انتشار أمني موسع:  قوة تتراوح بين 15 و25 ألف جندي لتأمين الحدود والمنشآت الاستراتيجية ودعم الدفاع الجوي، وهو سيناريو متوسط الاحتمال يعتمد على نجاح وقف إطلاق النار.

قوة حفظ سلام كبرى:  قوة ضخمة من 40 إلى 60 ألف جندي على غرار قوات الناتو في كوسوفو، لكنها تحتاج إلى تسوية شاملة وقرار دولي، وهو ما يبدو غير مرجح في المدى القريب بسبب الفيتو الروسي.

المواقف الأوروبية من المفاوضات: بين التشدد والحذر

منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، لم يكن الموقف الأوروبي موحدًا إزاء فكرة التفاوض مع روسيا. ورغم اتفاق الجميع على ضرورة دعم كييف ومنع موسكو من فرض شروطها بالقوة، إلا أن الخلافات داخل أوروبا سرعان ما ظهرت عند الحديث عن مسارات التسوية أو وقف إطلاق النار.

أوروبا الشرقية: خط المواجهة الصلب

دول أوروبا الشرقية، وفي مقدمتها بولندا ودول البلطيق، تبنت منذ البداية موقفًا متشددًا للغاية. فهي ترى أن أي وقف لإطلاق النار بشروط روسية سيكون بمثابة خيانة لأوكرانيا وفتح الباب لعدوان جديد، بل وربما استهدافها هي ذاتها في المستقبل. بالنسبة لهذه الدول، المفاوضات لا تُقبل إلا إذا تضمنت ضمانات صارمة تمنع روسيا من إعادة ترتيب قواتها. ولهذا السبب، تدفع هذه العواصم نحو استمرار الدعم العسكري وعدم التسرع في الحديث عن تسوية.

ألمانيا: الحذر والتدرج

برلين بدورها تتبنى موقفًا أكثر حذرًا. فالمستشار فريدريش ميرتس أكد مرارًا أن السلام هو هدف الجميع، لكنه شدد على أن “الحديث عن إرسال قوات برية أو وقف إطلاق نار سريع ليس مطروحًا الآن”. ألمانيا تخشى من أن يُنظر إليها داخليًا على أنها تنجر إلى حرب مفتوحة، خصوصًا وأن أي خطوة عسكرية تحتاج إلى تفويض من البرلمان. لذلك، تركز سياستها على تقديم دعم طويل الأمد للجيش الأوكراني دون المغامرة في خطوات عسكرية مباشرة داخل أوكرانيا. انتقد بيستريوس  ييوم الأول من سبتمبر 2025 تصريحات فون دير لاين بشأن وجود “خطط دقيقة” لنشر قوات متعددة الجنسيات في أوكرانيا، معتبراً الحديث العلني عن مثل هذه القضايا “خاطئ تمامًا”، خصوصًا قبل انطلاق أي مفاوضات محتملة بين كييف وموسكو.

فرنسا: بين الوساطة والدعم العسكري

باريس حاولت في أكثر من مناسبة لعب دور الوسيط، لكنها اصطدمت بواقع الحرب وتصلب المواقف. الرئيس الفرنسي ماكرون تحدث في البداية عن ضرورة “ترك باب التفاوض مفتوحًا”، لكنه عاد لاحقًا ليؤكد أن روسيا لا تريد سوى فرض الأمر الواقع بالقوة. ومع ذلك، تبقى فرنسا من أكثر الدول انخراطًا في فكرة الضمانات الأمنية الثنائية مع كييف، وتطرح نفسها كقائد محتمل لأي بعثة أوروبية مستقبلية داخل أوكرانيا. في قمة باريس، صرح ماكرون  خلال شهر مارس 2025 بأن قوة أوروبية مسلحة مقترحة قد يتم نشرها في أوكرانيا بالتزامن مع اتفاق سلام محتمل، يمكنها “الرد” إذا شنت موسكو هجوماً جديداً.

بريطانيا: التشدد خارج الاتحاد

رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي، فإن بريطانيا تظل طرفًا أساسيًا في المعادلة. لندن تقف في المعسكر المتشدد الأقرب إلى بولندا ودول البلطيق، إذ تدفع باتجاه استمرار تسليح أوكرانيا بكثافة، وتعارض أي تسوية قد تمنح روسيا “نصرًا سياسيًا”. الموقف البريطاني ينسجم مع استراتيجيتها الأمنية التقليدية: منع روسيا من تحقيق هيمنة على القارة الأوروبية. دعا ستار خلال شهر فبراير 2025مر قادة أوروبيين إلى قمة طارئة في لندن “للمضي قدماً” في العمل بشأن أوكرانيا والأمن الأوروبي، مؤكداً التزام بريطانيا بتعجيل الدعم العسكري لأوكرانيا وجعل روسيا تدفع ثمن الهجوم عليها.

المفوضية الأوروبية: رؤية استراتيجية طموحة

أما المفوضية الأوروبية، ممثلة برئيستها أورسولا فون دير لاين، فتتحدث عن مستقبل “ما بعد النزاع”. تصريحاتها الأخيرة حول إعداد “خطط دقيقة” لنشر قوات متعددة الجنسيات تعكس توجهًا استراتيجيًا نحو جعل الاتحاد الأوروبي لاعبًا عسكريًا مباشرًا، لا مجرد مموّل أو داعم. لكن هذا الطرح يثير جدلًا واسعًا، خصوصًا في ألمانيا، حيث تُعتبر خطوة إرسال قوات مسألة حساسة سياسيًا ودستوريًا.

الخلاف الجوهري بين الدول الأوروبية يتمحور حول سؤال واحد: هل الهدف وقف الحرب بسرعة أم ضمان ألا تتكرر لاحقًا؟: أوروبا الشرقية وبريطانيا: تؤكد أن أي وقف سريع للنار دون ضمانات صارمة سيؤدي إلى حرب جديدة. ألمانيا: تركز على تدرج واقعي يوازن بين الدعم العسكري واعتبارات السياسة الداخلية. فرنسا والمفوضية: تميلان إلى الجمع بين استمرار الدعم العسكري والتفكير في ترتيبات ما بعد النزاع، بما في ذلك الضمانات الأمنية أو نشر قوات مستقبلية.

خلال زيارتها إلى ليتوانيا يوم الأول من سبتمبر 2025 ، أكدت فون دير لاين ضرورة تعزيز القدرات الدفاعية للاتحاد الأوروبي بسرعة، مشيرة إلى أن المجلس الأوروبي يعتزم تقديم “خارطة طريق” لهذا المسار للسنوات الخمس المقبلة، تتناول الفجوات في الاستثمار والقدرات الدفاعية وكيفية سده

من يقود القوات في أوكرانيا ما بعد النزاع؟ دور الاتحاد الأوروبي بين الطموح والقيود

في حال التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في أوكرانيا، ستبرز إشكالية أساسية: من يملك حق القيادة والسيطرة على أي قوات قد تُنشر على الأراضي الأوكرانية، سواء كانت أوروبية أو أممية أو متعددة الجنسيات؟

سيناريو القوات الأوروبية الخالصة: إذا كانت القوة المنتشرة ذات طابع أوروبي بحت، فالمسؤولية ستكون موزعة على مستويين: المستوى الوطني: كل دولة مشاركة ستظل مسؤولة أمام برلمانها وحكومتها عن مشاركة قواتها، كما هو الحال في بعثات الناتو أو عمليات الاتحاد الأوروبي السابقة. المستوى الأوروبي: المرجّح أن تُدار القوات من خلال آلية السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي (CSDP)، وهي الذراع العسكرية–الأمنية للاتحاد.

بعثة الاتحاد الأوروبي في البوسنة والهرسك عام 2004 ـ  التي خلفت مهمة الناتو هناك، وأُديرت تحت قيادة أوروبية لكن مع مساهمات وطنية منفصلة. الاتحاد وفر الإطار السياسي، بينما بقيت السيطرة الفعلية على القوات بيد الدول المشاركة.

سيناريو القوات الأممية: في حال تشكيل قوة أممية بقرار من مجلس الأمن الدولي، فإن الاتحاد الأوروبي لن يقود البعثة، بل سيشارك فيها ككتلة أو عبر مساهمات وطنية. القيادة ستصبح تحت راية الأمم المتحدة، لكن مساهمة أوروبا ستكون جوهرية من حيث العدد والتمويل والخبرة. في لبنان، تشارك عدة دول أوروبية (مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا) في قوة اليونيفيل (UNIFIL) التابعة للأمم المتحدة، لكن الاتحاد الأوروبي بحد ذاته لا يقود المهمة، بل ينسق فقط بين مساهمات دوله الأعضاء.

سيناريو القوة المتعددة الجنسيات أوروبية– أمريكية : هناك احتمال ثالث أكثر واقعية، وهو قوة متعددة الجنسيات تقودها أوروبا بالتنسيق مع الولايات المتحدة، على غرار بعثة الناتو في كوسوفو (KFOR). في هذا السيناريو، الاتحاد الأوروبي قد يلعب دورًا محوريًا عبر: توفير الغطاء السياسي والمالي، التنسيق بين المساهمات الوطنية، ربط الانتشار بمشروع الضمانات الأمنية طويلة الأمد لأوكرانيا.

بعثة الناتو في كوسوفو عام 1999 ـ  حيث تولت الولايات المتحدة وأوروبا القيادة الميدانية المشتركة، بينما لعب الاتحاد الأوروبي دورًا سياسيًا واقتصاديًا في إعادة الإعمار ودعم الاستقرار. الواقع أن الاتحاد الأوروبي ليس “جيشًا موحدًا” حتى الآن، وبالتالي لا يملك وصاية كاملة على القوات. ما يملكه هو إطار سياسي– قانوني يتيح التنسيق بين الدول الأعضاء، عبر “السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة”. أما القرار الفعلي بالانتشار فيبقى وطنيًا، حيث يجب أن يصادق كل برلمان على مشاركة قواته.

أوروبا بين رهان استنزاف روسيا وبناء قدرات عسكرية مستقلة

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، بدا واضحًا أن أوروبا لا تتعامل مع الأزمة بوصفها نزاعًا إقليميًا فقط، بل كاختبار استراتيجي طويل الأمد لمستقبل ميزان القوى مع روسيا. وفي هذا السياق، يذهب كثير من المراقبين إلى أن أوروبا تراهن – ضمنيًا – على إطالة أمد الصراع بما يكفي لإشغال موسكو في أوكرانيا، بما يمنحها الوقت اللازم لإعادة بناء صناعاتها العسكرية وتطوير قدراتها الدفاعية، وهي عملية يُتوقع أن تمتد لخمس سنوات على الأقل. وفقًا للخبير الروسي بوبوفيتش، كانت المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا بمثابة “نجاح دبلوماسي كبير لموسكو”، وخطوة مهمة إلى الأمام في حل النزاع، بالنظر إلى أن القيادة الأوكرانية -بدعم من الدول الغربية- أصرت حتى وقت قريب على استحالة أي حوار دون وقف إطلاق النار الأولي.

سباق التسلح الأوروبي

الواقع أن الحرب أعادت إحياء الصناعات العسكرية الأوروبية بوتيرة غير مسبوقة منذ الحرب الباردة. فبرلين أطلقت “صندوق الدفاع الخاص” بقيمة 100 مليار يورو لإعادة تسليح الجيش الألماني، وباريس ضاعفت ميزانيتها الدفاعية، بينما وضعت دول البلطيق وبولندا استراتيجيات لتعزيز ترسانتها الدفاعية على نحو يسبق المتوسط الأوروبي. هذه الطفرة لم تكن لتحدث لولا إدراك الأوروبيين أن روسيا لن تتوقف عند حدود أوكرانيا إذا خرجت من الحرب منتصرة أو حتى محتفظة بمكاسبها الميدانية. لكن السؤال المركزي يظل قائمًا: هل ستكون أوروبا قادرة على مواجهة روسيا من دون الولايات المتحدة؟ حتى الآن، الجواب الأقرب هو “لا”. فالاتحاد الأوروبي، رغم تقدمه في ملف إعادة التسلح، ما زال يفتقد إلى:

ـ  مظلة ردع نووية مشتركة:  وهو عامل لا غنى عنه في موازنة القدرات الروسية.

ـ بنية قيادة عسكرية موحدة : إذ تظل الجيوش الأوروبية تابعة لقرارات وطنية، والاتحاد لا يمتلك بعد “جيشًا أوروبيًا”.

ـ تكامل صناعي كامل : رغم الزيادة في الإنتاج، إلا أن أوروبا ما زالت متأخرة في مجالات مثل الدفاع الجوي والصواريخ الباليستية مقارنة بروسيا أو الولايات المتحدة.

لذلك، يمكن القول إن أوروبا تحتاج إلى الولايات المتحدة في المدى القصير والمتوسط، لكنها تراهن على أن فترة الخمس سنوات المقبلة ستسمح لها بالاقتراب من مستوى “القدرة المستقلة” نسبيًا، بحيث تقلل من اعتمادها على واشنطن من دون أن تستغني عنه كليًا.

مأزق المفاوضات وحدود التماس

تُدرك العواصم الأوروبية أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار في المدى القريب سيؤدي حتمًا إلى ترسيخ “حدود الأمر الواقع” أو “خطوط التماس” بين روسيا وأوكرانيا. وهذا السيناريو يُعتبر خطرًا من وجهة نظر أوروبا، لأنه يمنح روسيا فرصة لترسيخ مكاسبها الميدانية وإعادة بناء قوتها لاحقًا. ومن هنا، نجد بعض الأصوات الأوروبية التي ترى أن الإبقاء على روسيا منشغلة في أوكرانيا ، حتى وإن كان الثمن اقتصاديًا وعسكريًا باهظًا – أفضل من القبول باتفاق يكرّس هزيمة أوكرانيا أو تجميد النزاع على حساب الأمن الأوروبي. الاتحاد الأوروبي ـ هل تكفي الضغوط الأوروبية وحدها لردع الكرملين؟

النتائج

على المدى القصير، من المرجح أن يقتصر الدور الأوروبي على استمرار تسليح أوكرانيا وتدريب قواتها خارج أراضيها. وفي حال صمود أي وقف لإطلاق النار، قد نشهد انتشارًا محدودًا وغير قتالي داخل أوكرانيا بإشراف أوروبي–أمريكي مشترك. أما فكرة نشر قوة حفظ سلام كبرى، فتبقى بعيدة المنال، ولا يمكن أن تتحقق إلا إذا تغيّرت موازين الحرب بشكل جذري وجرى التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

أوروبا لا تعطل السلام بقدر ما تحاول صياغته وفق شروطها الأمنية. بالنسبة لبروكسل وبرلين ووارسو، أي تسوية لا تتضمن ضمانات قوية تعني ببساطة تأجيل الحرب إلى جولة قادمة. وبينما تتهمها موسكو بأنها تعرقل التسوية، ترى أوروبا نفسها في موقع من يحمي أمنه القومي ويؤسس لسلام مستدام، لا يكرّس هيمنة روسيا ولا يهدد أمن القارة على المدى الطويل.

الخلافات الأوروبية لا تدور حول مبدأ دعم أوكرانيا، فهذا محل إجماع، بل حول كيفية إدارة ملف المفاوضات. البعض يرى أن التفاوض المبكر مع موسكو يعني مكافأتها، فيما يعتقد آخرون أن الحرب الطويلة ستنهك الجميع. وبينما تسعى واشنطن لفرض إيقاعها على التسوية، تحاول أوروبا جاهدة أن توازن بين حماية أمنها القومي، ودعم كييف، وعدم الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع روسيا.

إذا كانت القوة أوروبية خالصة: الاتحاد الأوروبي سيكون مظلة تنسيقية وسياسية، بينما تبقى المسؤولية وطنية، كما في البوسنة والهرسك. إذا كانت القوة أممية: الأمم المتحدة ستكون صاحبة القيادة، والاتحاد الأوروبي مجرد مساهم أساسي، كما في اليونيفيل.

إذا كانت القوة متعددة الجنسيات بقيادة أوروبية أمريكية : الاتحاد الأوروبي سيحظى بدور سياسي وتمويلي كبير، لكن القيادة الميدانية ستتولاها دول محددة بالتنسيق مع واشنطن، كما في كوسوفو. بمعنى آخر، الاتحاد الأوروبي لا يملك وصاية مطلقة على القوات، لكنه يظل اللاعب الذي يحدد الإطار السياسي ويؤمّن الشرعية والتنسيق. وهذا الدور – وإن بدا محدودًا عسكريًا – يمثل خطوة إضافية نحو بناء سياسة دفاع أوروبية أكثر استقلالية في المستقبل.

يمكن القول إن أوروبا تمارس سياسة مزدوجة: من جهة، رهان استنزاف روسيا عبر استمرار الحرب بما يمنحها الوقت لإعادة بناء ترسانتها الدفاعية وصناعاتها العسكرية. ومن جهة أخرى، التحضير لمرحلة ما بعد الحرب، حيث تطمح لأن تكون قادرة على لعب دور أمني مستقل نسبيًا عن الولايات المتحدة، وإن كان هذا الاستقلال سيظل نسبيًا على المدى المنظور. بهذا المعنى، تبدو أوروبا وكأنها تستغل الحرب كـ”نافذة زمنية” لإعادة ترتيب بيتها الدفاعي، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن أي اتفاق سريع لوقف إطلاق النار قد يقيدها ضمن معادلة حدودية تُكرّس النفوذ الروسي على حساب أوكرانيا وأمن القارة.

رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=108614

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...