اختر صفحة

اليمين المتطرف في فرنسا ـ واقع الخطاب المتطرف ـ بقلم هيبة غربي

يونيو 2, 2021 | اليمين المتطرف, غير مصنف

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

إعداد هيبة غربي ـ باحثة في القضايا الدولية الراهنة

ماستر في العلوم السياسة قسم العلاقات الدولية/اختصاص الدراسات الأمنية والإستراتيجية ـ  جامعة قسنطينة 3 ـ الجزائر

رُبما يُستغرب البعض الحديث عن الاتحاد الأوروبي حول ظاهرة العنصرية التي تفجرت بالولايات المتحدة إثر مقتل المواطن الأمريكي من أصل إفريقي “جورج فلويد” على يد بعض عناصر الشرطة، خاصة أنّ الاتحاد ليس له أساس يذكر في الأزمة حتى توجه إليه أصابع الاتهام ولكن للعنصرية بأوروبا مسيرة حافلة في مجاهل القرون الوسطى. ولنكن أكثر إنصافًا في حديثنا فإنّ  أوروبا أفضل بكثير من الولايات ‏المتحدة في قضايا العرق، فهي تملك بالفعل أفضل أنظمة اندماج اجتماعي في العالم، وأفضل برامج حماية ورعاية صحية ‏شاملة، عدا عن قوانينها التي تُحارب بواسطتها كل مظاهر العنصرية وكره الأجانب. إذ تشمل تشريعات الاتحاد الأوروبي آليات واضحة لمواجهة كل الجرائم ذات الصلة بمكافحة العنصرية مثل كره الأجانب والجرائم التي ترتكب بدافع التحيز، بما يضمن حظر التمييز على أساس الأصل العرقي أو الإثني في مجالات الحياة المختلفة وخاصة العمل، ولكن الإرادة البيضاء التي تريد القفز نحو المساواة الحقيقية ومنع انتشار التعصب والكراهية، لا زالت غائبة والنظام القانوني للاتحاد الأوروبي يُنتهك باستمرار.

وعلى الرغم من أنّ العبودية في شكلها القديم قد انتهت، إلاّ أنّ المجتمع الأوروبي ما زال يحمل داخله الفكر الاستعماري، حتى وإن لم يشأ أن يعترف بذلك؛ إذ يُشير الكاتب البريطاني، “جوني بيتس”، في كتابه ملاحظات من أوروبا السوداء” إلى أنّ حركة تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي قد لعبت دورًا كبيرًا في تكوين الصورة التي ينظر بها الغرب إلى “العرق”، خاصةً على المستوى اللاواعي؛ فما زالت الشعوب الغربية، بحسبه، تؤمن بالتسلسل الهرمي للأعراق، وفقًا لرؤية القرون الاستعمارية. وهو الأمر الذي لم يبذل المجتمع الدولي فيه مجهودًا كبيرًا لتغيره منذ مطلع القرن العشرين وحتى الآن. إذ يُشير بيتس إلى أنّ نشر الوعي لدى الأجيال الجديدة، وتناول قضايا العرق في التعليم لم يصل بعد إلى المستوى اللائق للقضاء على “التمييز العنصري” من الجذور..

نشر الخطاب اليمين المتطرف 

يُمكن القول أنّ منهج “العلمانية اللينة” المتسامحة مع جميع المرجعيات، بما فيها المرجعيات الدينية التي تتبعها بريطانيا، كان سبب تسجيل مواقف قوية في مكافحة التمييز منذ سنة  2006-2007، حيث كانت أهم دولة أوروبية وأكثرهم جدية في فرض عقوبات أكثر ردعًا لوأد تكاثر الظاهرة. هذه الإجراءات البريطانية، تزامنت مع صعود مماثل للعنصرية والتمييز بجميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إلاّ أنّ 12 دولة على رأسهم ألمانيا وسلوفاكيا فضلوا تجاهل القضية تمامًا، ولم يطبقوا أي عقوبة جامعة متفق عليها، رغم سلطوية الاتحاد الأوروبي، وقدرته عبر لوائحه الداخلية على فرض قوانينه على الجميع، بغض النظر عن الاختلافات المحلية في قوانين البلدان الأوروبية. وفي ضوء هذا التجاهل، ارتفع عدد الهجمات المرتكبة بدافع العنصرية وكراهية الأجانب في ألمانيا بزيادة 20% في حوالي 6 سنوات فقط حتى سنة 2006، كما تضاعفت الأرقام ثلاث أضعاف في سلوفاكيا بسبب رفض البلدين مقاضاة التمييز جنائيًا، وتعنتهما في فرض أي عقوبة أو غرامة لهذا السبب باستمرار.

ويعيش في أوروبا ما يزيد عن 30 مليون شخص، وفي سبتمبر من سنة 2019، كشف استطلاع للرأي أجرته وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية على أكثر من 10 آلاف مسلم في 15 دولة أوروبيه أنّ نحو 92 % من المسلمين قيد البحث عانوا من التمييز العنصري بأشكاله المختلفة. كما أوضحت النتائج أنّ 53%  من المسلمين في أوروبا واجهوا التفرقة العنصرية عند محاولات العثور على منزل بسبب أسمائهم، بينما عانى 39 % من التمييز العنصري بسبب مظهرهم الخارجي عند سعيهم للحصول على عمل، وشكلت النساء أغلب تلك النسبة. كما لفتت الدراسة التي أجريت بين أكتوبر  2015 وجويلية 2016، إلى تعرض نحو 94%  من النساء المحجبات المشاركات في الاستطلاع، لاعتداءات ومضايقات تراوحت بين الجسدية واللفظية

مساعي المفوضية الاوروبية لمحاربة التطرف

قدمت المفوضية الأوروبية ضمن مساعي مناهضة أشكال التمييز العنصري، خطة عمل جديدة لمكافحة العنصرية، تشمل وضع سلسلة من التدابير للسنوات الخمس المقبلة، بما في ذلك إنشاء منصب جديد، حيث سيكون هناك منسق لمكافحة العنصرية على مستوى الاتحاد الأوروبي. وقد صرحت  نائبة رئيس المفوضية الأوروبية المكلفة بالدفاع عن القيم والشفافية، “فيرا غوروفا”  بعنوان الاتحاد الاوروبي يستحدث منصب “منسق لمكافحة العنصرية” الصادر بـ 20/09/2020: “لقد رأينا احتجاجات جابت أرجاء العالم، بما في ذلك أوروبا، تناهض العنصرية. وبكل تأكيد، لن تكون الاحتجاجات الأخيرة، لذلك فنحن نأمل أن نتمكن هذه المرة من تحفيز المزيد من الجهود من أجل محاربة العنصرية وامتداداتها المختلفة في أوروبا.

في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين كانت المفاوضات بين تركيا والاتحاد الاوروبي لانضمام انقرة الى التكتل تشهد شروطا اوروبية قاسية. حينها خرج مسؤول تركي وقالها صريحة “لا يريدوننا في الاتحاد الاوروبي لأننا دولة مسلمة”. كانت حقيقة تبلورت مع السنين لتصل الى واقع يقوم على قاعدة ثابتة هي شيطنة المسلمين ونشر الاسلاموفوبيا.

تتملكنا الدهشة الشديدة حول التضييق على حريات المواطنين الفرنسيين المسلمين هذه الأيام وبصورة تصاعدية… فرنسا التي عانت في القرن الثامن عشر من ولادة “ثوراتية” متعسرة وضحت بمئات الألوف من مواطنيها العاشقين للحريات لكي تشم نسائم العدل وليتمتع المواطن الفرنسي بحقوق الإنسان البديهية، أمست الحريات الفردية تنتكس فيها في القرن الواحد والعشرين، وهو ما سنتطرق اليه من خلال النقاط التالية:

ـ  تصعيد خطاب الكراهية

عبّر الآلاف من المسلمين المقيمين في فرنسا عن غضبهم العارم، في 11 افريل 2021، بسبب استهدافهم بعبارات عنصرية جديدة مسيئة للدين الإسلامي وللرسول الكريم، وذلك بعد تعمد مجهولين كتابة عبارة مسيئة على جدران المركز الثقافي الإسلامي، بمدينة رين، شمال البلاد، في سلوك عنصري جديد يستهدف المسلمين بفرنسا. وحسب المجلس الإقليمي للمسلمين بالمدينة، فقد اكتشف المصلون هذه العبارات العنصرية في وقت مبكر من صباح نفس اليوم، وكانت عبارات تُهاجم الدين الإسلامي وتُسيء للرسول الكريم. وقد كُتبت عبارات من قبيل “الكاثوليكية هي دين الدولة” و”لا للأسلمة”، إضافة إلى إشارات مسيئة للنبي الكريم.

“ماكرون يستهدف المسلمين” بهذه الكلمات وصف عدد من المثقفين وممثلي المنظمات غير الحكومية في فرنسا مشروع قانون للرئيس “إيمانويل ماكرون”، يجري إعداده حالياً، بشأن ما سمّاه بـ”محاربة الأفكار الانفصالية والانعزالية”، واستهدافه للإسلام من خلال وصفه للمسلمين بـ”الانعزاليين”.وأثار الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” الجدل  مصرحاً في خطاب له وفقاً لتقرير عربي بوست بعنوان توسيع حظر الحجاب ومنع الاطفال من الطعام الحلال ….لماذا يتناقض قانون ماكرون ضد المسلمين مع العلمانية؟ الصادر بــــ 08/10/2020: “إّن الإسلام يعيش اليوم أزمة في كل مكان بالعالم، وعلى باريس التصدي لما وصفها بـ”الانعزالية الإسلامية الساعية إلى إقامة نظام مواز وإنكار الجمهورية الفرنسية”. وجاء ذلك بالتزامن مع استعداد ماكرون لطرح مشروع قانون ضد ما يسميه بــــ “الانفصال الشعوري”، بدعوى مكافحة من يوظفون الدين للتشكيك في قيم الجمهورية.

ـ خطابات يمينية متطرفة

صرحت الزعيمة اليمينية المتطرفة “مارين لوبان” بعنوان حزب مارين لوبان يقترح قانوناً لتوسيع حظر الحجاب بفرنسا ويتحدث عن حرب مع “الفكر المتطرف” الصادر بــــ 29/01/2021: “أنّ لديها خطة للقضاء على ما وصفتها بالأيديولوجيات المتطرفة”، مشبهة ما وصفته “بالهجوم الإسلامي المتطرف” بحرب شاملة وعالمية هي الأولى في القرن 21، على حد تعبيرها. كما اعتبرت أن ما أسمته بـــ “الفكر الإسلامي المتطرف” يتطور داخل الإدارات وفي الشركات بفرنسا. ويهدف حزب هذه الاخيرة إلى حظر “اللباس الإسلامي” وعلى رأسه الحجاب في الفضاء العام. وفي هذا السياق اعتبر الرجل الثاني في حزب التجمع الوطني اليميني “جوردان بارديلا” أنّ “الحجاب لباس متشدد يسعى للانفصال” عن الجمهورية، على حد زعمه. ما يُمنع حاليا في فرنسا ارتداء الحجاب وكل الرموز الدينية الظاهرة في المدارس، ويجب على موظفي الدولة التزام مبدأ “الحياد” إزاء الأديان.

إنّ تولي يمينية عنصرية مثل مارين لوبان رئاسة فرنسا، يعني بداية القضاء على أوروبا وعودتها للعصور الوسطى. اذ تحاول هذه الاخيرة هدم المصالحة التاريخية بين ألمانيا وفرنسا، التي هي أساس أوروبا الآن، ولهذا يتخوف مناهضون لصعود اليمين المتطرف من فوز لوبان خاصة وان  القضية هنا ليست متعلقة فقط بالعنصرية وكراهية الأجانب والإسلاموفوبيا، بل ستتخطى نيران التطرف اليميني لتلتهم كل شيء، بما في ذلك أسس الأنظمة السياسية التي تضمن استمرار التحالف مع البلدان الآخرى. بالمزيد من كسر النظام السياسي الفرنسي والتزاماته الدولية في ضوء شعارها “فرنسا أولاً”. وهي شعارات في مجملها تعيد إحياء نبتة التطرف، وتودع العولمة إلى مثواها الآخير، وتضرب التعاون الغربي والعالمي في مقتل، بفعل الانعزال والتقوقع حول الذات من جديد.

وعليه انعدام مبدأ “احترام حقوق الإنسان والحريات العامة“، التي تعتبر احد المقومات التي يقوم عليها الأمن الإقليمي. ومنه فان أوروبا تتجه نحو التطرف والابتعاد عن الديمقراطية شيئًا فشئيًا، وباتت سيادة أوروبا للعالم بديمقراطيتها مشكوك فيها وكل هذا كان في ظل تقدم مطرد لصالح الأحزاب اليمينية الأوروبية المتطرفة التي تكتسب بُعدًا تعبويًّا شعبيًّا غير متوقع، تمثل في فوزها في الانتخابات الأخيرة التي شهدتها الدول الأوروبية، وإذا ما استمرت الأوضاع الحالية التي تعيشها أوروبا والتي ساعدت على نمو تلك الأحزاب المتطرفة؛ فإنَّها ستحكم أوروبا خلال العشر سنوات القادمة. الأمر الذي سيؤدي لإعادة القارة الأوروبية إلى عصور الظلام وافتقادها للديمقراطية التي طالما تغنت بها.

كرة الثلج اليمينية العنصرية في الغرب تتدحرج وتكبر، وستكتسح كل الديانات والمذاهب الأخرى، ما لم يضع عقلاء الغرب عصا في دولابها.

 

رابط مختصر https://www.europarabct.com/?p=75664

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...