اختر صفحة

مكافحة الإرهاب .. القوة البحرية المحتملة، لمواجهة القرصنة الإيرانية في مياه الخليج ؟

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

جاسم محمد  ـ باحث في قضايا الإرهاب والإستخبارات ـ بون

الجدل مازال قائم حول إيجاد قوة بحرية في مياه الخليج، لحماية السفن  وناقلات النفط في مضيق هرمز، وسط إنقسام أوروبي أميركي حول “مشروع” القوة البحرية، وتكهنات حول ماهية هذه القوة، وان كانت لاغراض دفاعية ام هجومية، وهل ستكون هناك قوة بحرية واحدة مشتركة تحت قيادة اميركية، على غرار التحالف الدولي ؟ ام ستكون هناك قوة أميركية واخرى أوروبية؟ ومهما كانت هذه القوة، فأن ايران قرأت جيدا التردد الاوروبي، والفجوة مابين ضفتي الاطلسي، لتدخل بشكل إستباقي من بوابة قصر الاليزيه، باريس.

وفي هذا السياق، استضافت مملكة البحرين، يوم 31 يوليو 2019، اجتماعا عسكريا دوليا لبحث لمواحهة التهديدات الإيرانية، التي تهدد الملاحة البحرية في الخليج  ومضيق هرمز، محاولة من الولايات المتحدة ربما بإيجاد تحالف دولي جديد ضد ايران.

الموقف الفرنسي

أعلنت الخارجية الفرنسية، يوم 23 يوليو الجاري 2019، أن فرنسا تعمل مع بريطانيا وألمانيا على تشكيل “مهمة لمتابعة ومراقبة الأمن البحري في الخليج”، وذلك غداة دعوة بريطانية لتشكيل “مهمة الحماية البحرية”. وتزامنا مع تصريحات لودريان، قالت مصادر دبلوماسية إن ألمانيا وإسبانيا والسويد والنرويج أبدت اهتماما باحتمال المشاركة في القوة البحرية التي اقترحتها بريطانيا. وقال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، إن بلاده تعمل مع بريطانيا وألمانيا لتشكيل فريق عمل لمراقبة الوضع في الخليج العربي .وأكد لودريان في كلمة أمام أعضاء البرلمان “نحن نعمل على تأسيس مبادرة أوروبية، مع بريطانيا وألمانيا، لضمان وجود مهمة لمراقبة الأمن البحري في منطقة الخليج العربي”. ومنذ سنوات عديدة، تبقي فرنسا على فرقاطة بصورة دائمة في الخليج والمحيط الهندي، كما أنّ لديها حوالي 650 عسكرياً هناك.

وأفادت مصادر فرنسية بأن ما تسعى إليه باريس هو تجنب أي عمل عرضي أو مقصود من شأنه زيادة التوتر في المنطقة وفتح الباب أمام المواجهة العسكرية رغم أن كل الأطراف تؤكد أنها لا تريد الحرب ولا تسعى للمواجهة. وقالت وزيرة الجيوش الفرنسية فلورنس بارلي في مقابلة إن باريس وبرلين ولندن تعتزم تنسيق إمكانياتها وتقاسم المعلومات بينها، لكن دون نشر تعزيزات عسكرية إضافية. بل تتعلق المبادرة بزيادة تبادل معلومات المخابرات وعمليات الاستطلاع والوجود الدولي لدرء أي هجمات على الناقلات في الممر البحري على غرار ما حدث في الشهور القليلة المنصرمة. واستبعدت فرنسا نشر وسائل عسكرية إضافية في اخر تطور يوم 31 يوليو 2019 .

الموقف الالماني

أعلنت ألمانيا توافقها مع مساعي بريطانيا يوم 26 يوليو 2019 تشكيل قوة لحماية الملاحة بمضيق هرمز، نقلت وسائل إعلام عن لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان الالماني أن برلين مستعدة للمشاركة في مهمة بحرية بمضيق هرمز دون تحديد شكل المشاركة ومن المقرر ان  يجري البرلمان الالماني “البندستاغ” تصويتا، من اجل تفويض الانضمام الى المهمة. الخطوة جائت في اعقاب تهديدات ايران الى الملاحة البحرية خلال شهر يوليو الجاري 2019، واحتجازناقلة نفط ترفع العلم البريطاني.

وقالت وزيرة الدفاع الألمانية، “أنيجريت كرامب كارنباور”، أمام البرلمان قالت فيها “يجب علينا النظر بعناية في أي مناشدات للحصول على الدعم من شركائنا. لا يجب أن نتسرع في المشاركة في أي اتفاق، لكن في نفس الوقت لا ينبغي لنا أن نرفض مثل هذه الطلبات”. المشكلة الرئيسية في أي مشاركة عسكرية لألمانيا تكمن في الحزب الديمقراطي الاشتراكي، شريك حزب المستشارة الألمانية ميركل في الحكم. حيث قال المتحدث باسم الحزب للشؤون الخارجية، “نيلز شيمدت”، لصحيفة الفاينانشال تايمز إن “ألمانيا لن ترسل سفنا حربية لمنطقة الخليج، خطر الانجرار إلى مواجهة عسكرية كبير للغاية”

أما الحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم في ألمانيا ليس رافضا بشكل قطعي المشاركة لكنه يصر على الحاجة إلى مزيد من التحليل للمخاطر العسكرية والأسس القانونية لعملية إرسال قوات بحرية أوروبية لمنطقة الخليج”، كما أن أي قرار بهذا الشأن لا بد أن يوافق عليه البرلمان الذي من المقرر أن يجتمع في سبتمبر القادم 2019 .

أعلنت متحدثة باسم الحكومة الألمانية، يوم 31 يوليو 2019 أن برلين “تتحفظ” عن طلب الولايات المتحدة إلى الانضمام لقوة بحرية للمساعدة في ضمان أمن مضيق هرمز، مشيرة إلى أن هذه الخطوة ستعرقل الجهود الأوروبية لتسوية دبلوماسية مع إيران.

وزارة الخارجية اعتبرت في وثيقتها الصادرة يوم 04 سبتمبر 2019 أن أي تدخل بحري ممكناً فقط في تلازم مع جهود دبلوماسية. والأسس من أجل ذلك سبق وأن وضعها الاتحاد الأوروبي، يذهب الباحثون في الوثيقة إلى أن أسطولاً أوروبياً لا يجب أن يكون جزءاً من مهمة أمريكية، كما طالبت بذلك مؤخراً الحكومة الأمريكية.

وفي الوثيقة المشتركة المذكورة اعلاه  يتبنى خبراء السياسة، كارلو ماسالا وكريستيان مولينغ وتوربن شوتس، وجهة النظر هذه: “تهدد إيران حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز. وألمانيا على غرار دول الاتحاد الأوروبي الأخرى لديها مصلحة بالمحافظة على حرية الملاحة

الموقف البريطاني

تعمل بريطانيا على ان تكون القوة بيقيادة بريطانية فرنسية، لأسباب تعود، بالدرجة الأولى، إلى تمييزها عن التحالف الدولي الذي تسعى واشنطن لقيامه على غرار التحالف الدولي الذي حارب داعش في العراق وسوريا، وفي المرتبة الثانية للحضور العسكري والبحري للدولتين الموجود سلفاً في منطقة الخليج ولكون البلدين عضوين دائمين في مجلس الأمن إضافةً إلى كونهما قوتين نوويتين

الموقف الاميركي

ناقش الجيش الأميركي مع مسؤولين من دول حليفة وشريكة خطة مقترحة لتأمين الممرات البحرية بمنطقة الخليج العربي، وقال المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية للجزيرة إن القيادة استضافت يوم 24 يوليو الجاري 2019 في قاعدة ماكديل الجوية العسكرية بولاية فلوريدا اجتماعا، لمناقشة المبادرة الأميركية المسماة عملية “الحارس” التي تهدف إلى تأمين ممرات الملاحة الدولية في منطقة الخليج والشرق الأوسط.

وفي  هذا الاطار، قال قائد عسكري أمريكي كبيرا إن الولايات المتحدة تعتقد أن المبادرة الأوروبية المقترحة لتعزيز الأمن البحري في الخليج ستكمل الجهود الأمريكية الحالية هناك وليس عملية “قائمة بذاتها”. واقترحت واشنطن في يونيو حزيران نوعا من الجهود متعددة الجنسيات تكون مفتوحة أمام مشاركة جميع الحلفاء والشركاء لتعزيز الأمن البحري في الخليج، بعد اتهامها لإيران بمهاجمة ناقلات نفط في مضيق هرمز، وهو ممر بحري حيوي مزدحم بين إيران وسلطنة عمان.

وبموجب خطة أعلنت تفاصيلها المبدئية في التاسع من يوليو الجاري، ستتولى الولايات المتحدة جهود تنسيق السفن وتقود عمليات المراقبة بينما يقوم المشاركون في التحالف بدوريات في المياه القريبة ويتولون مهمة مرافقة السفن التجارية التي ترفع أعلام دولهم. ولن ترافق الولايات المتحدة السفن التجارية التابعة للدول الأخرى.

النتائج

مايجري الان في مياه الخليج، هو وجود مشروعين وليس مشروعا واحدا، المشروع الاميركي والمشروع الاوروبي، ويبد ان دول أوروبا تميل لتكون قوة أوروبية لا تخضع للقيادة الاميركية في مياه الخليج، ويعود السبب الى خلفية الموقف الأوروبي من ايران، والخلافات مابين ضفتي الاطلسي. فالدول الاوروبية التي مازالت مستمرة في الأتفاق النووي الايراني، تخشى ان تجر الولايات المتحدة دول اوروبا، الى اي تصعيد محتمل في مياه الخليج ومضيق هرمز، وتعود اسباب الخشية الاوروبية الى مايلي :

ـ اندفاع ترامب الى ايجاد مزيد من الضغوطات العسكرية على ايران من اجل الجلوس معها حول طاولة المفاوضات.

ـ لاتريد دول أوروبا التورط بمواجهة عسكرية مع ايران، بسبب مخاوفها من حرب طويلة من شانها تخلط الأوراق في المنطقة، وتضرب بتداعياتها على اوروبا القريبة جغرافيا، عكس الولايات المتحدة، وهذه المخاوف منها اسعار الطاقة، وتداعيات الحرب في المنطقة التي ممكن ان تأتي بمزيد من موجات الهجرة غير الشرعية وتهديات  الامن.

لذا فأن ماتسعى له فرنسا  والمانيا تحديدا في الوقت الحاضر هو “التهدئة” وعدم التصعيد، ويعود السبب الرئيسي الى المصالح الفرنسية مع ايران الى جانب المانيا ، وهذا يعني ان القوة البحرية الأوروبية وان تشكلت، ستكون في الغالب “دفاعية” لتأمين مرور السفن والنقلات الاوروبية، اكثر من المبادرة باي مواجهة عسكرية.

ـ  مهمة أمنية : تصريحات كبار المسؤوليين الاوروبيين، كشفت، ايضا بأن مهام القون البحرية المحتملة، هي تامين السفن القائمة على تبادل المعلومات والتعاون الامني هناك اكثر من ان يكون هناك فعل عسكري متقدم  في مياه الخليج.

ـ المشاركة الالمانية المحتملة  : مشاركة المانيا في هذه القوة، وارد، رغم تحفظ الحزب الاشتراكي الالماني، ورغم تمسك المانيا بقانونها الاساسي، الدستور، لكن المادة 87 أ الفقرة 1 و 2، تسمح في مشاركة الجيش الالماني خارج حدوده، طالما ان الامر يتعلق بتقديم الدعم العسكري والحماية الى طرف أوروبي. النصوص الاوروبية، تلزم الاعضاء بضرورة تقديم الدعم العسكري والامني عند تعرض احد اعضائها الى التهديد، وهذا مافعلته مع فرنسا عام 2015 عندما ارسلت قواتها الى افريقيا، الساحل الافريقي لمساندة القوات الفرنسية، ومهما كانت المشاركة الالمانية ،فانها ستكون في الغالب دعم لوجستي: السيطرة والمراقبة والاستطلاع  وتوفير الوقود وغيرها من الخدمات اللوجستية.

التحديات : الغموض في الموقف الأوروبي، تحديدا فرنسا والمانيا حول مشاركتها في القوة البحرية المحتملة في الخليج، هو الوضع الحالي الذي تعيشه الحكومة البريطانية، في اعقاب فوز بوريس جونسون بمنصب رئيس الحكومة البريطانية، الاخير يوصف بتقاربه مع ترامب اكثر من دول الاتحاد الاوروبي، ورهانه على الخروج من الاتحاد الاوروبي، من شأنه ان يلقي بظلاله على الموقف الاوروبي، تحديدا فرنسا والمانيا، البعيد جدا عن المشروع الاميركي بإيجاد قوة دولية لحماية السفن في مياه الخليج ومضيق هرمز. ويبقى الخلاف مابين ضفتي الاطلسي هو التحدي القائم.

بات متوقعا، ان تعمل إيران على تصعيد عملياتها في الخليج، من اجل زيادة التوتر هناك، وتدويل الازمة.

رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=53725

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات