داعش والجهاديوندراسات

تجربة ادارة “دولة الخلافة” التي اعلنها تنظيم “داعش” في 29 يونيو 2014

اقرأ في هذا المقال

  • "الخلافة" لدى السلفية الجهادية تتمحور حول نقطتين متلازمتين الاولى هي تكفير الأنظمة والمجتمعات الإسلامية، والثانية هي: العمل على إسقاطها وإقامة الخلافة المزعومة بديلا لها، وعندما تقدمت “السلفية الجهادية” بمشروعها لإدارة حاجيات الناس وحفظ الأمن والقضاء بين الناس وتأمين الحدود، وهو ما يفسر كلمة “دولة” والتي كانت هدفا للقاعدة من قبل، اختلف الظواهري والبغدادي على كونها دولة علمانية أم وطنية. من هنا فان الحديث عن الخلافة الإسلاميَّة، أو (الإمامة العظمى) يطول، وقد كَتَب فيه كثيرون قديمًا وحديثًا، ولا تفِي بحقِّه مقالةٌ أو بحثٌ وجيز؛ لذلك سيكون الكلام هنا مركزا" على تجربة ادارة دولة الخلافة التي اعلنها تنظيم (داعش)

اعداد اللواء الركن المتقاعد الدكتور عماد علوّ

مستشار المركز الاوربي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

المقدمة

“الخلافة” لدى السلفية الجهادية تتمحور حول نقطتين متلازمتين الاولى هي تكفير الأنظمة والمجتمعات الإسلامية، والثانية هي: العمل على إسقاطها وإقامة الخلافة المزعومة بديلا لها، وعندما تقدمت “السلفية الجهادية” بمشروعها لإدارة حاجيات الناس وحفظ الأمن والقضاء بين الناس وتأمين الحدود، وهو ما يفسر كلمة “دولة” والتي كانت هدفا للقاعدة من قبل، اختلف الظواهري والبغدادي على كونها دولة علمانية أم وطنية. من هنا فان الحديث عن الخلافة الإسلاميَّة، أو (الإمامة العظمى) يطول، وقد كَتَب فيه كثيرون قديمًا وحديثًا، ولا تفِي بحقِّه مقالةٌ أو بحثٌ وجيز؛ لذلك سيكون الكلام هنا مركزا” على تجربة ادارة دولة الخلافة التي اعلنها تنظيم (داعش)

في 29 يونيو 2014 وما آلت اليه تجربة الخلافة المزعومة في سعيها لإثبات علاقة الدّين بالدّولة التي تُصاغ لتسيير شؤون الناس .

الأسس الايديولوجية

تستند إيديولوجية تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى أسس دينية مذهبية سنية، اعتمدت منذ تأسيسها على يد الزرقاوي مرورا بأبي عمر البغدادي وصولا إلى أبو بكر البغدادي، على مرجعية الشيخ أبو عبدالله المهاجر في فقه الجهاد وأحكام الدماء، وتصورات أبو بكر ناجي في إدارة التوحش،

وقد ساهمت الظروف الموضوعية في خلق جاذبية قادرة على الاستقطاب والتجنيد، بحيث أصبحت إيديولوجيا تنظيم الدولة الإسلامية نموذجا إرشاديا لأكثر الحركات السلفية الجهادية في العالم نظرا لطبيعتها الهوياتية المتصلبة، وفعاليتها القتالية، التي تنبني على مفهوم جهاد التمكين، تتفوق على إيديولوجيا تنظيم القاعدة السياسية التي تنبني على جهاد النكاية، والأهم أنها تناهض الدولة القطرية السلطوية بنفس أدواتها القمعية وتتفوق عليها بالمرجعية الدينية([1]).  وقد شرح الظواهري في رسالة منسوبة له وجهها للزرقاوي في أكتوبر 2005 عن مراحل مشروع القاعدة، وتبدأ بإخراج الأمريكان من العراق ثم إقامة إمارة إسلامية يتم تطويرها حتى تبلغ مرتبة الخلافة في العراق، خاصة مناطق العرب السنة، ثم مد الموجة الجهادية إلى ما جاور العراق من دول علمانية، ثم الصدام مع إسرائيل. وأضاف الظواهري أن “مشروع الجهاد العالمي هو إقامة الدولة الإسلامية والطريق الوحيد لذلك هو الجهاد في بلاد الرافدين، وأن الجهاد ماض إلى قيام الساعة بوجود الإمام وعدمه”([2]). والظواهري بهذا المنطق يدعو الى جهاد تضامني محوره حروب أو جهاد النكاية !

الا أن المرجعية الفكرية لتنظيم الدولة الإسلامية اعتمدت على أسس تتجاوز الجهاد التضامني ومنطق حروب النكاية، التي تستند إلى إدارة التوحش وتحقيق التمكين، حيث توجهت اختياراتها الاستراتيجية نحو أطروحات أبو بكر الناجي في كتاب “إدارة التوحش: أخطر مرحلة تمر بها الأمة” وهي المرحلة الجهادية الانتقالية التي تفصل بين مرحلة بناء “شوكة النكاية” وتفضي إلى الوصول لمرحلة “شوكة التمكين”.  وهذا الأمر انعكس بشكل او بآخر على اسلوب ادارة دولة الخلافة لاحقا”، في تنظيم الدوائر الحكوميَّة، وكيفية تنظيم عمليَّات التعليم والإعلام والموارد الطبيعيَّة وإدارة الأموال والمشاريع والعلاقات الخارجيَّة لـ «الدَّولة الإسلاميَّة في العراق والشَّام»(داعش)  ، حيث تمسكت باستراتيجية السيطرة والاحتفاظ بالأرض وهو ما لم تتمسك به استراتيجية تنظيم القاعدة التي يعتمدها الظواهري .

استعادة القدرات العسكرية

لم تكن الإيديولوجيا الدينية التي وضعها الناجي والمهاجر بشقيها النظري والعملي مجرد إرشادات وتوجيهات عامة، بل أصبحت تشكل دليلا ومنهاجا لحركة وسلوك تنظيم الدولة الإسلامية، وقد أخذت بعدا تطبيقيا في بيئة مثالية للعمل الجهادي في العراق تحققت فيه شروط التوحش والفوضى من خلال الاحتلال الأمريكي الذي عمل على تفكيك بنى الدولة، وتفتيت بنية المجتمع على أسس هوياتية صريحة إثنية عرقية عربية كردية بصورة أساسية، ودينية مذهبية شيعية سنية بصورة رئيسية، فقد أجتمعت كافة الشروط والأسباب والظروف الموضوعية من الاحتلال الخارجي والاستبداد الداخلي([3]) ، خصوصا” بعد أن تراجعت قوة وزخم اندفاع الصحوات([4]) بفعل بدء انسحاب القوات الأمريكية من العراق اعتبارا” من يونيو 2009 إلى أغسطس 2010 .

ومن الجدير بالذكر أن صعود تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) ، يتصل مباشرة بالإرث الذي خلفه الأميركيون في العراق؛ فقد كانت السجون الأميركية أرضا خصبة للقادة الجهاديين لتجنيد آخرين، وجامعات افتراضية يلقنون فيها مجنديهم الفكر السلفي الجهادي المتشدد.  بالإضافة الى أن انتقال المسؤوليات الأمنية إلى القوات العراقية خفّض بشكل كبير من قدرات مجالس الصحوة بشكل كبير وعزّز ثقة تنظيم داعش ومساعيه المحلية لتجنيد العناصر والعودة الى مناطق الحواضن التي كان قد فقدها في وقت سابق ([5]) .

وعلى الصعيد العملي، عكس تنظيم دولة العراق الإسلامية هذا التطور في استراتيجيته على الصعيد الداخلي بنشاط خارجي ظهر من خلال تصعيد للهجمات في مناطق عدّة من العراق، وخاصة بغداد ، ظهر ذلك جليا” منذ يوليو/ تموز 2012، عندما شن التنظيم الارهابي ، سلسلة من العمليات الارهابية اطلق عليها الاسم الرمزي (هدم الاسوار)([6]). وقد اشتملت هذه  العملية على القيام بتفجير حوالي 24 ( سيارة مفخخة) بالإضافة الى هجمات بالعبوات الناسفة  كما استهدفت الهجمات ثمانية سجون لغرض اطلاق عناصر التنظيم في تلك السجون .

واعتبارا من شهر آب عام 2013، ظهر بشكل واضح أن تنظيم الدولة الاسلامية في العراق ، قد تمكن من اعادة تنظيم صفوفه و استعاد قدراته العسكرية ، والتي  توسعت في المناطق التي طرد منها  سابقا” خلال نشاط عمليات الصحوة ، الأمر الذي شجع ابو بكر البغدادي الى الاعلان في9/4/2013 ، عن قيام الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) ، وهو المشهد الذي عكس في عام 2013 ، أن تنظيم الدولة الاسلامية الارهابي(داعش) هو منظمة قوية للغاية ومرنة ، وقادرة على شن عمليات منسقة واسعة النطاق ومؤثرة ضد اهداف حيوية منتقاة  في مساحة واسعة تمتد من البصرة إلى السواحل السورية([7]) .

وقد كانت تلك المرحلة مؤشرا” واضحا” على تطور القدرة العسكرية لتنظيم داعش في العراق على مدى تلك الفترة وقد ختم تنظيم القاعدة حملة (هدم الأسوار) في 21 يوليو 2013 ، عندما تمكنت (داعش) من اختراق سجن (أبو غريب) ، مما أدى إلى هروب (681) سجينا” غالبيتهم من قادة تنظيم داعش في العراق ([8]). وقد عزز هروبهم وعودتهم لصفوف التنظيم من قدراته القتالية والعسكرية . ليطلق التنظيم الارهابي عملية ارهابية ثانية اطلق عليها اسم (حصاد الأجناد ) هدفت إلى تقويض قدرات قوات الأمن العراقية من خلال عمليات الاغتيال و الترهيب التي تستهدفها.

حيث ارتفع مستوى العنف بشكل عام في العراق في يوليو 2013 بما يتناسب مع مستويات زمن الحرب الأخيرة التي تمت ملاحظتها في العراق في نيسان 2008م ([9]). حيث تجاوز مجموع عدد الوفيات الشهرية في نهاية يوليو 2013 م الـ (1000) شخص لأول مرة منذ ذلك التاريخ ، وفقا لبعثة المساعدة التابعة للأمم المتحدة – العراق (يونامي ) ([10]) . وتعزو جيسيكا لويس ارتفاع هذا العدد من الضحايا الى نجاح تنظيم داعش في اطلاق اعداد كبيرة من عناصره خلال عملية (هدم الأسوار) التي تميزت بتزايد اعداد السيارات المفخخة والاحزمة الناسفة ، التي استخدمها تنظيم القاعدة في هجماته الارهابية ، كمؤشر رئيسي من قدرة تنظيم القاعدة المتنامي التنظيمية والتشغيلية داخل العراق ، بالإضافة الى تدفق المفجرين الانتحاريين الى البلاد من سوريا .

استنادا” لتلك المعطيات الميدانية فقد بات واضحا” أن تنظيم داعش في العراق لم يعد منظمة صغيرة تتمحور حول زعيم واحد ، بل هو تنظيم واسع و فعال تمكن من التوسع في العراق الى مناطق واسعة من سوريا([11]) . وقد أشار مسؤول بارز في الإدارة الأمريكية في 15/8/2013 ([12]) الى نمو غير متوقع في عدد التفجيرات الانتحارية التي يقوم بها وينفذها تنظيم داعش في العراق وذلك بقوله: ” كان لدينا في المتوسط حوالي 5 إلى 10 انتحاريين في الشهر، في عام 2011 و 2012 …. ولقد رأينا خلال الأيام الـ 90 الماضية أن التنظيم اقترب من 30 انتحاري في الشهر ، ونحن لا نزال نشك أن معظم هؤلاء يأتون من سوريا ” ([13]) .

 اعلان دولة الخلافة الاسلامية في العراق والشام

بعد مقتل اسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة عام 2011 على ايدي قوات الكوماندوز الامريكية اخذت البيعة لخليفته الدكتور أيمن الظواهري ، ولكننا لم نجد بيانا لأي تنظيم فرعي من تنظيمات القاعدة يبارك لزعيم التنظيم الجديد, ورغم فاعلية ونشاط كل من تنظيمات القاعدة في العراق وفي اليمن والمغرب في الإعلان عن عملياتهم إلا أن واحدا” من هذه التنظيمات لم يسارع في مباركة بيعة الظواهري زعيما جديدا للتنظيم ، فيما عدا ما اصدرته جبهة النصرة في سوريا من بيان اعلنت فيه مبايعتها زعيم تنظيم القاعدة ايمن الظواهري، على السمع والطاعة ([14]).

الأمر الذي يشير الى بدأ مرحلة  تاريخية جديدة في مسيرة  تنظيمات القاعدة ، تمثلت بانتهاء القيادة العامة للتنظيم واستقلال التنظيمات الفرعية وان لم يعلن ذلك بشكل واضح ([15]).  حيث كان الخلاف والجفاء بين الجيل العراقي وتنظيم القاعدة (القيادة العامة) ، قد بدأ عندما أعلن ابو عمر البغدادي، قيام الدولة الاسلامية في العراق في15 تشرين الأول 2006، ذلك الاعلان الذي لم يحظ بقبول بن لادن. وانزوت فكرته التي لم يكن لها تخطيط واقعي، او استراتيجية تفعيل([16]). الأمر الذي دفع قيادات تنظيم القاعدة في العراق او ما يعرف بـمجلس شورى المجاهدين الى الاقتناع بفشل خيارات التنظيم البعيد، في تسمية امراء، وتحت رهبة القادة الميدانيين الذي بدا وكأنهم يرفضون الغرباء.

لكن مع تسلم ابو بكر البغدادي في مايو /أيار 2010، لزمام قيادة التنظيم الارهابي في العراق ، بعد مقتل ابي عمر البغدادي ، بدا الامر مختلفاً تماماً، اذ أن الجيل العراقي من القاعدة بات يريد الانفصال عن التنظيم الام، ويحاول ترسيخ فكرة انتقال زعامة التنظيم من الحرس القديم اللذين يمثلهم الظواهري ، الى جيل شاب من القادة الميدانيين ، يمثلهم ابي بكر البغدادي ، فضلا عن شعور القيادات العراقية الميدانية للتنظيم بضرورة عدم السماح لقيادات عربية بالهيمنة على التنظيم ، خصوصا” بعد أن باتت تؤمن باستراتيجية مسك الارض واعلان الدولة([17]).

فسارع ابو بكر البغدادي الى اعلان الدولة الاسلامية في العراق والشام في التاسع من نيسان 2013، في دلالة رمزية للذكرى العاشرة لاحتلال بغداد بعد ان دفع ابو محمد الجولاني الى تأسيس جبهة النصرة والتي تمثل قاعدة الجهاد في بلاد الشام. وقام ابو بكر البغدادي بوضع الأساس العقائدي لتنصيب نفسه خليفة ، عندما اصدر التنظيم وثيقة “مد الأيادي لبيعة البغدادي” ، والتي صدرت يوم 22 يوليو 2013. تصف تلك الوثيقة الشروط الكلاسيكية لصلاحية الخليفة ثم تبين تحقيق البغدادي لتلك الشروط. في محاولة لتجنب بعض الخصائص الإشكالية الخاصة بالتشريع الإسلامي لإعلان واقامة نظام الخلافة([18]) .

وبدأ ابو بكر البغدادي بالاعتماد على القيادات العراقية مستبعدا” القيادات العربية والاجنبية([19]) التي كانت تشكل الاغلبية قبل البغدادي ! غير ان الظواهري استشعر الخطر العراقي على زعامته المهددة بالعزل اذا ما تمّ للبغدادي مراده فلم يبارك اعلان البغدادي عن قيام دولته الذي اجتاحت قواته المتنامية اراضي شاسعة من سوريا والعراق ليحتل الموصل في 10/6/2014 و مدن عراقية اخرى ما دفعه للإعلان من الموصل عن قيام دولة الخلافة بتاريخ 29 يونيو 2014 لينهي بذلك زعامة ايمن الظواهري وهيمنته على تنظيم القاعدة في العالم ([20]) ، الأمر الذي كشف عمق الخلاف بين جناحي التنظيم في العراق وبلاد الشام ، كما كشف ايضا” ضعف التنسيق بين أطراف التنظيم الدولي، خصوصا بعد إعلان الاندماج بين تنظيمي القاعدة في العراق وبلاد الشام.

الخلاف بين ايمن الظواهري و ابو بكر البغدادي

قام الزرقاوي بإذكاء الصراع والنزاع مع الجماعات التي تشاركه الحرب ضد الأميركيين وضد النظام العراقي، وقام بتكفير الشيعة واستهداف جمهورهم في العراق دون تمييز بين مدني وغير مدني، بسبب تحالفهم مع أميركا ونتيجة لمطاردتهم المقاومة العراقية ضد الأميركيين من المجاهدين العراقيين والمهاجرين، ليقابل الزرقاوي نقدا من قيادة القاعدة لتكفيره الشيعة عامة ومبالغته قتل السنة دون التركيز على المحتل. و مع اندلاع الصراع في سوريا عام 2011 انفرط العقد بين تنظيمي “القاعدة” و”الدولة الاسلامية في العراق” عندما قرر أبو بكر البغدادي الذي يقود تنظيم الدولة منذ عام 2010 بتوسيع نشاطه ليشمل الأراضي السورية.

فأرسل عددا من مقاتليه لإقامة موطئ قدم لهم هناك . في بداية الأمر رحب أيمن الظواهري – الذي ورث قيادة تنظيم “القاعدة” إثر مقتل مؤسسه أسامة بن لادن في باكستان عام 2011 – بدخول تنظيم الدولة معترك القتال ضد النظام في سوريا إلا أن الزعيم الجديد كان يحبذ الاحتفاظ بـ”جبهة النصرة” – فرع “القاعدة” في سوريا – ككيان مستقل بقيادة سورية منفصلة عن التنظيم القادم من العراق . غير أن قيادة “الدولة الاسلامية” رأت أن التنظيم الذي يقوده الظواهري أفرط في التركيز على القتال في سوريا وتجاهل العراق. وظل الخلاف قائما بين القيادتين حتى عام 2013 حين أصدر الظواهري أمره للبغدادي بالامتثال. غير أن الأخير رفض وأعلن من جانب واحد وضع جبهة النصرة تحت قيادته العراقية([21])..

وفي مطلع عام 2014 اندلع القتال بين التنظيمين وعلى إثره أنهى الظواهري رسميا علاقات “القاعدة” بـ”الدولة الاسلامية” التي أعادت تسمية نفسها بـ”الدولة الاسلامية في العراق والشام” وباتت تعرف اختصارا بـ”داعش”.ويعزى انفصال التنظيمين وقيادتهما عن بعضهما لأسباب عدة ترتبط بنوعية العدو المستهدف والاستراتيجية المتبعة في مواجهته، علاوة على اختلافات فقهية وفكرية بين التنظيمين، وذلك برغم تقاسمها الأهداف المتوخاة من ذلك.

وعندما أعلن ابو بكر البغدادي خلافته المزعومة في 29 يونيو 2014 من مدينة الموصل ، شن زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري هجومه على “أبو بكر البغدادي”، قائلا إن “الخلافة لا تأتي إلا بالاختيار، أو الاستخلاف”. كما قال : “انتزاع الإمارة بالسيف والتغلب هي جريمة شرعية”. واضاف: “بيعة التغلب التي أجازها بعض العلماء لا تشملنا، فالبغدادي لا يحكمنا، وبعض المجاهدين يسيطرون على مساحات أوسع من التي يسيطر عليها تنظيمه”.

وتابع الظواهري إنه “لا يلزمنا أن نبايع أحدا، فنحن والبغدادي أيضا في رقبتنا بيعة لأمير المؤمنين الملا عمر، لكن البغدادي نقض البيعة وأنكرها بعدما كان جنوده يتغنون بها، ونحن لا ننقض البيعة”. ووصف الظواهري في كلمته خلافة البغدادي بـ”خلافة تفجير وتفخيخ ونسف”. ودعا الظواهري “علماء الأمة” إلى زيادة تحذير الشباب من الولوغ في التكفير، وتبيان أحكام الخلافة لهم، وأنها لا تصح بالتغلب ودون مشورة المسلمين([22]).

وقد دب الخلاف بين عدد ليس بالقليل من علماء ومنظري السلفية والسلفية الجهادية ،حول شرعية دولة البغدادي  فقد أشار صاحب كتاب (إعلام الأنام بميلاد دولة الإسلام): إلى أنَّ إمامهم قدْ تمَّ تعيينه بطريقة القهر والغلبة، وبطريقة بيعة أهل الحل والعقد([23]) . وجاء في كتاب (مد الأيادي لبيعة البغدادي) لأبي همام بكر بن عبد العزيز الأثري: “ثم أميراً لدولة العراق الإسلامية بمبايعة مجلس شوراها وأهل الحل والعقد فيها([24])“. وجاء في كتاب (موجبات الانضمام للدولة الإسلامية): “إنَّ منشأ الدَّولة الإسلامية في العراق قد كان منشأً شرعياً صحيحاً لا شائبة فيه “. ([25])

أقول: هذا هو الجمع بين النقيضين في وقت واحد، وهو ما لم يحصل مثله في التاريخ كله، إذ كيف تكون الخلافة ببيعة أهل الحل والعقد من جمهور الفصائل المجاهدة، وتكون بنفس الوقت أيضاً قهرًا وغلبة؟! وثالثة باختيار أهل الحل والعقد من التنظيم نفسه، أيجتمع الاختيار والإكراه معًا؟! رُبَّما يجوز عند من لا يفقه شروط البيعة شرعاً، ولا ما هي الخلافة الشرعية ومهامها، ويريد من النَّاس أن تتقبل منه عدم الفقه على أنَّه علم شرعي!!.

وقد اعترف الشيخ أبو الحسن الأزدي في كتابه “موجبات الانضمام للدولة الإسلامية” أنَّ مجلس شورى الدَّولة هو من اختار أبا بكرٍ البغدادي أميراً للدولة الإسلامية في العراق، أيْ لم يخترْه أهل الحل والعقد في العراق، ولا في غيرها، بل اختاره جماعة تنظيمه فقط، وقد قيل: إنَّ العقيد حجي بكر ورفيقه مازن نهير باغتا الجميع بقرارهما  خلال اجتماع عقدته قيادة التنظيم سراً بأنَّه بايع أبا بكر البغدادي أميراً جديداً لقيادة دولة العراق، وكان هذا الموقف كفيلاً بأنْ يحثَّ الآخرين، أو يضطرَهم لمبايعه أبي بكر البغدادي ما دام العقيد حجي بكر واثقاً منه.([26])

إنَّ حلف المطيبين الذي أشار إليه شرعيو داعش جزء من الفصائل العسكرية، ولا تشمل: بقية الفصائل المجاهدة، ولا عامَّة أهل العلم في العراق، ولا عامة أهل الحل والعقد، ولا عامَّة الناس من أهل السنة! فضلاً عن بقية المسلمين في بلدان العالم الإسلامي الذي يفترض أن تتمدَّدَ الدولةُ له مستقبلاً، وقد عارضهم في هذا الإعلان عامَّةُ أهل العلم”.([27])

ادارة “الدولة الاسلامية” في العراق والشام

بعد أن أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، في 29 يونيو 2014على لسان زعيمه ابو بكر البغدادي ، إقامة “دولة الخلافة الإسلامية”، والتي يعتبرها أنصارها وداعموها استعادةً للنموذج الأقدم من الخلافة. أعلنت اللافتات في أنحاء الأراضي الخاضعة لحكم داعش أنها “خلافة على منهاج النبوة”، أي أنها قائمة على النهج الذي وضعه النبي (محمد صلى الله عليه وسلم) منذ 1400 عام ، وتحكم ملايين الأشخاص(الرعية) ، وعشرات الآلاف من الأميال المربعة تصل الى اكثر من مساحة بريطانيا.

ولغرض ادارة (دولة الخلافة) قام تنظيم داعش بتقسيم دولته إلى ولايات عدة، عيّن في كل منها والي ونائب وشرعي، يقومون بإدارتها عن طريق دوائر تدعى الدواوين. حيث تم تقسيم أراضي الدولة الإسلامية إلى عدد من الولايات “محافظات”، وكل ولاية  يحكمها والي، وقد عرض تنظيم داعش للمرة الأولى عبر إصدار جديد صادر عن مؤسسة “الفرقان” شرحا تفصيليا لهيكلية دولته، وأدوار المسؤولين فيها([28])، إضافة إلى دور الولايات، والدواوين، وغيرها. ونوّه التنظيم إلى أهمية “مجلس الشورى” أو “اللجنة المفوضة”، والتي تقوم بعمل أمير التنظيم في الكثير من الأحيان. وقال التنظيم إن “دولة الخلافة تتكون من 35 ولاية متوزعة في عدة دول، 19 منها في سوريا والعراق، و16 في دول أخرى”.

وأوضح التنظيم أن ولاياته الـ35 هي: “بغداد، الأنبار، صلاح الدين، الفلوجة، ديالى، شمال بغداد، الجنوب، نينوى، كركوك، دجلة، الجزيرة، البركة، الخير، الرقة، دمشق، حلب، حمص، حماة، الفرات”.  إضافة إلى: “نجد، الحجاز، سيناء، برقة، طرابلس، فزان، الجزائر، غرب إفريقية، اللواء الأخضر، خراسان، القوقاز، عدن أبين، شبوة، حضرموت، صنعاء، البيضاء”.

وتشير الوثائق التي عثر عليها في مقرات (مضافات) التنظيم الى أن التنظيم قام بتقسيم الأراضي في سوريا والعراق إلى قسمين: الولايات الشرقية والولايات الغربية، والتي يفترض أنها تشير إلى الاراضي العراقية ، والثانية إلى الاراضي السورية([29])، وولاية مشتركة بين سوريا والعراق والتي تضم من الجانب السوري مدينة البوكمال ومعبر القائم الحدودي،. وتشمل :

  • القسم السوري : ولاية الرقة ، ولاية الخير (أجزاء من ريف الميادين)   ،  ولاية حلب (لا سيطرة فعلية) ،

ولاية دمشق (حي الحجر الأسود، 35 % من مخيم اليرموك) ،     ولاية حمص ،     ولاية حماة (لا سيطرة فعلية)

ولاية البادية ،     ولاية البركة ،     ولاية الفرات (البوكمال)

  • القسم العراقي :  ولاية نينوى ،     ولاية كركوك ،   ولاية الأنبار ،    ولاية صلاح الدين ،     ولاية شمال بغداد ولاية جنوب بغداد   ،  ولاية الجنوب ،    ولاية الجزيرة ،     ولاية دجلة .

وتُقسَّم “الولايات” إلى “قواطع”، وتضم المدن، وفق تسمياتها المُعتمدة قبل سيطرة التنظيم عليها؛ فولاية حلب على سبيل المثال تنقسم إلى “قاطعين”، هما: “قاطع منبج” وتتبع له مدن منبج وجرابلس ومسكنة، و”قاطع الباب” وتتبع له مدينتا الباب ودير حافر، ويمثل السلطة العليا في كل “ولاية” مسؤول معين من قبل تنظيم الدولة يحمل لقب “والي”، ويعاونه مجموعة من المسؤولين يحملون صفة “أمير”، أمثال: “الأمير العسكري”، و”الأمير الشرعي”، الذي يرأس “الهيئة الشرعية”، والأمير الأمني”، فيما يُعتبر “أمير القاطع” السلطة الأعلى في كل “قاطع”، ويعاونه كذلك مجموعة من الأمراء في المجال “العسكري والشرعي والأمني”؛ الأمر الذي يسري ويُتبع في المدن كافة، ويُشرف “الولاة” ومعاونوهم من “الأمراء” على “أمراء القواطع” ومعاونيهم، ويُشرف هؤلاء بدورهم على “أمراء المدن” ومعاونيهم.

دستور “دولة الخلافة”

كتب أبو عبدالله المصري أحد المقربين من قيادات التنظيم الذي قُتل في معارك الأنبار بحسب مصادر داخلية تنظيمية، وثيقة من 24 صفحة كمبادئ مقترحة ليدير بها التنظيم وكوادره دولتهم في العراق والشام وعلاقتها بالولايات الأخرى([30])، وذلك عقب الأشهر الأولى بعد إعلان زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي دولة “الخلافة”، في العراق وسوريا يوم 28 يونيو 2014.

وهذه الوثيقة عبارة عن برنامج عمل لكوادر تنظيم الدولة موضوع وفق تصورات مشوهة وسطحية عن المنطقة التي يحكمها التنظيم، أما عن مجتمع دولة الخلافة في دستورها فقد تم تقسيمه بشكل إسلامي راديكالي إلى مهاجرين وأنصار من المنضوين تحت لوائه ولم يذكر أي هامش لخارجهم، حيث يعمل التنظيم على تقوية جبهته الداخلية عن طريق دمج المقاتلين الأجانب باختلاف تنويعاتهم مع أصحاب الأرض من أعضائه، وبحسب الوثيقة فان هذا المجتمع الخاص ستكون محاضنه التربوية والتعليمية موحدة بتعليم شمولي هدفه التخديم على التنظيم بحيث يُخرج كوادر فنية تغني دولة الخلافة عن الاستعانة بالغير، والمجتمع الداعشي الخاص سوف يستخدم مصطلحات كالجهاد وفرضيته الدينية في تشكيل مجتمع مسلح جاهز للقتال بجميع أفراده في أي وقت من الأوقات دون النظر إلى مؤهلات عسكرية وإنما تعلم كيفية استخدام السلاح وفقط، بحيث لا توجد فيه علاقات مدنية وعلاقات عسكرية. وتعكس محاولة أسلمة ركيكة من جانب التنظيم، فالتنظيم يحاول فرض سلطته على المجتمع بكافة جوانبه الشخصية والعامة في كافة المناحي الاقتصادية والاجتماعية، وبهذا ظهرت دولة خلافة البغدادي وكأنها امتداد للدول الشيوعية على سبيل المثال في منهجها الاقتصادي السياسي ، بالإضافة الى

السلطوية المطلقة للدرجة التي لم تتحدث فيها الوثيقة عن كيفية تداول السلطة بالأساس في دولة الخلافة المزعومة، وهو ما يجعلنا نفكر في إعادة التموضع من هذا التنظيم أثناء المواجهة، بحيث يمكن تصنيفه على أنه تنظيم شمولي بمسحة جهادية إسلامية لا أكثر، دون إعطاء مزيد من التضخيم لتجربته التقليدية في منتجها النهائي بالحكم طبقًا لتصورات القائمين عليه في الإدارة والسياسية والاقتصاد بحسب هذه الوثيقة.  وقد اتجه التنظيم بسرعة الى محاولة انشاء نظام قانوني مميز يقوم على نظرية حكم ونظام قانوني مستمدة من افكار ونظريات السلفية الجهادية وفلسفتها في التعاطي مع ادارة الحكم المتماهية مع التجربة الوهابية .

تتضمن نظرية الخلافة عقدا اجتماعيا يستند على القانون وبه واجبات وحقوق متبادلة بين الخليفة والشعب، والذي يطلق عليه داعش “الرعية”، أو ببساطة “المسلمين”. واصدر عدة قوانين مستمدة من الشريعة الاسلامية من منظور السلفية الجهادية([31]) .  واستنادا” الى تطلع تنظيم (داعش) لحكم طويل الأمد قام بسن هياكل حكم شبه قانونية. لبناء مؤسسات دولته وفق تشريعات احتكار النظام للعنف، استخلاص الموارد، والسلطة السياسية. وفيما يلي عرض للدواوين التي يعتمد عليها التنظيم في إدارة شئون الأراضي التي يسيطر عليها.

النظام الاداري والقانوني لدولة خلافة داعش

يعتمد تنظيم داعش هيكلية هرمية لدولة خلافته حيث يتربع أمير التنظيم إبراهيم عواد إبراهيم البدري السامرائي أو المعروف بأبي بكر البغدادي الحاكم المطلق لداعش على رأس هذه الهيكلية الهرمية كخليفة للمسلمين (حسب ادعائه). و يتولى “الخليفة” الذي يجمع شروط الولاية كالعلم الشرعي والنسب القرشي وسلامة الحواس، سائر الوظائف الدينية والدنيوية المذكورة في التراث السياسي الإسلامي السني وفقه الأحكام السلطانية، كقائد ديني وسياسي له حق الطاعة بعد اختياره من قبل مجلس الشورى وأهل الحل والعقد([32]) . وقد عمل الزعيم الحالي “أبو بكر البغدادي”، على تطوير البناء الهيكلي من خلال ترسيخ مبدأ البيعة والطاعة؛ الأمر الذي يضمن مركزية التنظيم وسيطرة الخليفة على كافة مفاصل التنظيم. و ترتبط به  عددا” من الهيئات والمجالس وهي تسمية استخدمها أبو بكر البغدادي عوضًا عن تسمية الوزارات التي اعتمدها سلفه أبو عمر البغدادي، وتعتبر “المجالس” المفاصل الأساسية لتنظيم الدولة التي تشكِّل “القيادة المركزية”، ويتمتع البغدادي بصلاحيات واسعة في تعيين وعزل رؤساء المجالس .

  1. مجلس شورى المجاهدين : وهو من أهم المؤسسات التابعة للتنظيم، وعلى الرغم من التطورات التي شهدها المجلس منذ إمارة الزرقاوي مرورًا بأبي عمر البغدادي وصولاً إلى الزعيم الحالي أبي بكر البغدادي، إلا أن مؤسسة الشورى كانت حاضرة دومًا. ويتسع المجلس ويضيق بحسب الظروف والحاجة، كما يجتمع للنظر في القضايا المستجدة واتخاذ القرارات المهمة ورسم السياسات العامة، ويضم في عضويته عددًا من القيادات التاريخية وخصوصًا الشرعية، ولا يوجد ثبات في عدد أعضائه، وغالبًا ما كان يضم من 9 إلى 11 عضوًا يختارهم البغدادي بتزكية من الأمراء والولاة ([33]). ويتمتع المجلس بصلاحية عزل الأمير من الناحية النظرية، كما يتمتع المجلس بالوظائف التقليدية التاريخية المنصوص عليها في التراث السياسي الإسلامي؛ ومن مهام مجلس الشورى تزكية المرشحين لمناصب الولاة، وأعضاء المجالس المختلفة..
  2. المجلس العسكري : يعتبر المجلس العسكري الأهم داخل تنظيم الدولة الإسلامية، نظرًا لطبيعة التنظيم العسكرية، ولا يوجد عدد محدد لأعضائه بحسب قوته وتوسعه وقوته وضعفه ومساحة نفوذه وسيطرته، ويتكون تاريخيًّا من 9 أعضاء إلى 13 عضوًا ([34])، وقد بدأ استخدام تسمية الجهاز بالمجلس العسكري عقب مقتل نعمان منصور الزيدي، المعروف بأبي سليمان الناصر لدين الله، الذي شغل منصب وزير الحرب في مايو/أيار2011. ويشغل قائد المجلس العسكري منصب نائب البغدادي، وكان الزرقاوي يحتفظ بالمنصبين، ثم تولى منصب القائد العسكري أبو حمزة المهاجر كوزير للحرب في حقبة دولة العراق الإسلامية وإمارة أبي عمر البغدادي، وفي ولاية الأمير الحالي أبي بكر البغدادي تولى منصب القائد العسكري حجي بكر، وهو سمير عبد محمد الخليفاوي، ثم شغل المنصب بعد مقتله في سوريا في يناير/كانون الثاني 2014 أبو عبد الرحمن البيلاوي، وهو عدنان إسماعيل البيلاوي، الذي قُتل في يونيو/حزيران 2014؛ حيث تولى رئاسة المجلس العسكري أبو مسلم التركماني، وهو فاضل الحيالي وهو الآخر قتل في آب اغسطس 2015.
  3. ويتكون المجلس العسكري من قادة القواطع، وكل قاطع يتكون من ثلاث كتائب، وكل كتيبة تضم 300-350 مقاتلاً، وتنقسم الكتيبة إلى عدد من السرايا تضم كل سرية 50-60 مقاتلاً. وينقسم المجلس إلى هيئة أركان وقوات الاقتحام، والاستشهاديين، وقوات الدعم اللوجستي، وقوات القنص، وقوات التفخيخ، ويقوم المجلس بكافة الوظائف والمهمات العسكرية، كالتخطيط الاستراتيجي، وإدارة المعارك، وتجهيز الغزوات، وعمليات الإشراف والمراقبة والتقويم لعمل الأمراء العسكريين، بالإضافة إلى تولي وإدارة شؤون التسليح والغنائم العسكرية.
  4. ديوان الإعلام المركزي(الهيئة الإعلامية) : تمتع الإعلام بأهمية كبيرة داخل هيكلية تنظيم الدولة الإسلامية، وهو من أكثر التنظيمات الجهادية اهتمامًا بشبكة الإنترنت والمسألة الإعلامية؛ فقد أدرك منذ فترة مبكرة من تأسيسه الأهمية الاستثنائية للوسائط الاتصالية في إيصال رسالته السياسية ونشر أيديولوجيته السلفية الجهادية، فأصبح مفهوم “الجهاد الإلكتروني” أحد الأركان الرئيسية في فترة مبكرة منذ تأسيس جماعة “التوحيد والجهاد”، ثم القاعدة في بلاد الرافدين. شهدت الهيئة الإعلامية لتنظيم الدولة تطورًا كبيرًا بالشكل والمحتوى، وتتمتع بدعم وإسناد كبيرين، وتعتبر مؤسسة “الفرقان” الإعلامية الأقدم والأهم، وقد ظهرت مؤخرًا مؤسسات إعلامية عديدة تتبع التنظيم، مثل: مؤسسة “الاعتصام” ومركز “الحياة”، ومؤسسة أعماق، ومؤسسة البتار، ومؤسسة دابق الإعلامية، ومؤسسة الخلافة، ومؤسسة أجناد للإنتاج الإعلامي، ومؤسسة الغرباء للإعلام، ومؤسسة الإسراء للإنتاج الإعلامي، ومؤسسة الصقيل، ومؤسسة الوفاء، ومؤسسة نسائم للإنتاج الصوتي، ومجموعة من الوكالات التي تتبع الولايات والمناطق التي تسيطر عليها، كوكالة أنباء “البركة” و”الخير” وغيرها. كما صدر عدد من المجلات بالعربية والإنجليزية أمثال: “دابق” و”الشامخة”، وأنشأت الهيئة إذاعات محلية، مثل: إذاعة “البيان” في مدينة الموصل في العراق، وإذاعة أخرى في مدينة الرقة في سوريا([35]).
  5. ديوان القضاء( الهيئة الشرعية) : ينظم داعش قضاءه عبر سلسلة بيروقراطية من أعلى إلى أسفل، والتي تبدأ بمجلس الشريعة ويرأسه البغدادي نفسه. تحت سلطة المجلس، يشرف كل والي (الذي يحكم قسما إداريا إقليميا يسمى ولاية) على نائب شرعي، والذي يشرف بدوره على الهيئات الشرعية على مستوى الولاية. وتكون الهيئات الشرعية مسؤولة عن الإشراف على عمل المحاكم وعمل القضاة. و يعاقب داعش قضاته، بل ويعدمهم، عندما يرفضون دعم الموقف الرسمي للخلافة فيما يتعلق بالمسائل القانونية. ينظم قضاء داعش بشكل عام إلى ثلاثة أفرع هي([36]) :
  • ديوان المظالم( قسم الشكاوي )، ومنها المظالم ضد مسؤولي داعش ومقاتليه.
  • ديوان المحاكم الإسلامية، وتتضمن المحكمة الإسلامية العليا بالموصل، وهي مختصة بانتهاكات قوانين داعش والشؤون الحكومية، والفصل في الخصومات وفض النزاعات وإقامة الحدود.
  • وديوان الحسبة، والذي يفصل في الجرائم وسوء السلوك الذي يحول إليه من قبل الشرطة الاسلامية .
  1. ديوان الأمن العام : وهو الجهاز المسؤول على الأمن الداخلي في الأراضي الواقعة تحت سيطرة تنظيم داعش، ويندرج ضمن مسؤولية ديوان الأمن العام (إدارة الأمن العام) لمتابعة وتنظيم شؤون منتسبيه بشكل عام،([37]) وهو أحد سلاسل الديوان الذي أقامته تنظيم الدولة الإسلامية في أعقاب إعلان الخلافة في يونيو 2014، فرض داعش قوانينه وقواعده عبر قطاع الأمن الداخلي من خلال ما يسميه “الشرطة الإسلامية”، وهي قوة أمنية مسؤولة عن تطبيق القانون العادي والأمن العام. وتشمل مسؤولياتها إجراء التفتيش عند الحواجز الأمنية وإصدار المخالفات المرورية. وحسبما توضح دعاية التنظيم، تضم تلك القوة متخصصين قانونيين يقدمون تقاريرهم إلى فقيه كبير يطلق عليه تسمية (الشرعي)، والذي يعمل بدوره كحلقة وصل مباشرة مع القضاة في المحاكم. وعند التعامل مع الخلافات الشخصية، سيحاول هؤلاء الفقهاء أولا أن يحلوا النزاع عبر الوساطة غير الرسمية. ولكن إن فشلت تلك الوساطة، يمكن للفقيه أن يحيل الخلاف إلى إحدى محاكم داعش([38]).
  2. ديوان الجند : يماثل في عمله الإدارة العامة للتجنيد في الدول المختلفة، حيث يشرف على تجنيد الشباب والأطفال والنساء وتوزيعهم على القطاعات الأخرى والجبهات القتالية، وتنظيم رواتبهم وأمور عائلاتهم، والخدمات المقدمة لهم، ويتضمن فرعاً للشرطة الإسلامية والتي تماثل في عملها الشرطة العسكرية، وهي مسؤولة عن مراقبة عمل الجند والمقاتلين ونقلهم من منطقة إلى أخرى.
  3. ديوان الحسبة : وهي قوة أمنية مسلحة تقوم بمتابعة و ـ”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتجفيف منابع الشر، منع مظاهر العصيان، وحث المسلمين على الصلاح”([39]). ويشبه في عمله “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” في السعودية. ويتكون افرادها في الغالب من طلبة العلوم الشرعية . وتتضمن نشاطاته تطبيق حظر الأنشطة التجارية أثناء أوقات الصلاة، الاستجابة للبلاغات المتعلقة باستخدام المخدرات والمواد الكحولية، وتدمير الممنوعات (مثل الآلات الموسيقية، السجائر، أو الأصنام الشركية). كذلك تتولى الشرطة الاسلامية مسؤولية التحقيق في مزاعم انتهاكات الشريعة وقد تحيل الجرائم الأكثر خطورة إلى المحاكم. ويحوي هذا الديوان على عدد كبير من النساء لتسهيل اعتقال النساء المخالفات ومعاقبتهن، ويعد من أشهر الدواوين لتماسه اليومي والمباشر مع المدنيين. ويشتهر العاملين في هذا الديوان بالقسوة في التعامل والتعذيب. ويعد ديوان الحسبة من أغنى الدواوين بالنظر إلى المخالفات المالية التي يجنيها من المدنيين، الأمر الذي جعله محط أنظار العديد من أمراء التنظيم.
  4. السجون : يدير داعش عددا هائلا من السجون المتصلة بنظامه القضائي. ورغم عدم توافر إحصاءات دقيقة، إلا أن منظمة العفو الدولية ذكرت في ديسمبر 2013 أن داعش يدير سبع مؤسسات احتجاز على الأقل في محافظتي الرقة وحلب فقط. وتشير التقارير الصادرة من منظمة العفو الدولية الى الاعتقالات التعسفية والتعذيب في السجون واسعة النطاق .
  5. ديوان التعليم : وهو المسؤول عن المدارس والمعاهد والكليات تحت سيطرة التنظيم، وقام هذا الديوان بتغيير المناهج التعليمية، وأشرف ديوان التعليم بشكل مباشر على استتابة المعلمين والمدرسين بحجة وقوعهم في الردة، كما افتتح في مدينة الرقة كلية للطب البشري تفرض على منتسبيها عدداً من الشروط، وتقوم بتخريجهم خلال ثلاث سنوات، فيما افتتح التنظيم مدارس للتعليم باللغة الإنجليزية مخصصة لأبناء عناصره الأجانب، كمدرسة “الزرقاوي” في مدينة الرقة([40]).
  6. ديوان الصحة : وهو الديوان المسؤول عما يتعلق بأمور وقطاعات الصحة، كالمستشفيات والمراكز الصحية، في ظل ما تعانيه مناطق التنظيم من أمراض وسوء العناية الصحية المقدمة للمدنيين. وأصدر الديوان مجموعة من الأحكام، منع من خلالها الأطباء من السفر تحت طائلة مصادرة أملاكهن وعياداتهم، كما أغلق التنظيم جميع المنظمات الطبية والإنسانية العاملة في مناطقه واعتقل العاملين فيها، بحجة عمالتهم لجهات خارجية وقيامهم بحملات تبشيرية، ما أدى إلى انتشار الأمراض والأوبئة، في وقت منع فيه ديوان الصحة، معالجة الطبيبات للرجال والأطباء للنساء، الامر الذي أحدث فجوة كبيرة في العمل الطبي.
  7. ديوان الركاز : والركاز هو كل ما يستخرج من باطن الأرض، كالنفط والمعادن والآثار وغيرها، ويعد من أكبر مصادر تمويل التنظيم، لما يجنيه من بيع النفط المستخرج وبيع الآثار والتي تزخر بها مناطق سيطرته، كما يشرف على معامل الإسمنت والكبريت في الموصل والتي يقدر انتاجها اليومي بنحو 200 ألف دولار أمريكي([41]).
  8. ديوان الزكاة والصدقات والزراعة : وهو الديوان المختص بجباية الضرائب المفروضة على المحلات التجارية والمحاصيل الزراعية، حيث تمنع الحصادات الزراعية من القيام بعملها دون استصدار وثيقة من ديوان الزكاة تبين دفع الرسوم على المحصول المحصود، ويدعي التنظيم قيامه بتوزيع ما نسبته 10٪ من مبالغ الجباية على المدنيين، وقد أدت تلك الضرائب إلى ارتفاع الأسعار في مناطق سيطرة التنظيم، بحجة تغطية المصاريف.
  9. ديوان الدعوة والمساجد : وهو الديوان المسؤول عن تنظيم أمور المساجد وتعيين خطبائها والدورات الشرعية فيها، ويصدر خطبة جمعة موحدة تفرض على جميع المساجد، وكان قد أصدر مواقيت جديدة للصلاة، فيما يعمل على تنظيم المهرجانات الدعوية والدينية، والتي يهدف من خلالها إلى تجنيد الأطفال والشباب في صفوفه عبر هدايا وجوائز يتم توزيعها عليهم.
  10. ديوان العقارات : ويعد من الدواوين الحديثة، ويشرف على عمليات البيع والشراء والايجارات وجباية المبالغ المالية كأجور المعاملات. ويصادر هذا الديوان البيوت التي تركها أصحابها وخرجوا إلى مناطق لا تتبع التنظيم أو تلك التي يعدّ أصحابها من المطلوبين للتنظيم، أو من كانوا من المسيحين أو اليزيدين أو الكرد، ليقوم لاحقاً بتسليمها لعناصره.
  11. ديوان الخدمات : وهو مرادف لعمل المجالس المحلية، ويشرف على الخدمات المقدمة للمدنيين كالماء والكهرباء والصرف الصحي والطرق والجسور، ولم يقم هذا الديوان بأي مشروع حقيقي أو مشروع تطوير حتى الآن، وإنما يقتصر عمل ه على الاهتمام بالمظاهر الخارجية، ولا يتقاضى العاملون فيه رواتب ثابتة، بل تُصرف لهم مكافآت مالية في كل فترة.
  12. بيت المال : وهي التسمية الإسلامية التاريخية للمؤسسة المالية، ويشرف البغدادي اليوم على إدارة “بيت المال . ولقد تضخمت مالية تنظيم “الدولة الإسلامية” منذ سيطرته على الموصل في يونيو/حزيران 2004، وسيطرته على مساحات واسعة في العراق وسوريا، وتقدر بعض الدراسات رأس مال التنظيم وصل الى حوالي 2 مليار دولار، وكانت مصادر تمويله متعددة وواسعة ([42])،فأصبح أحد أغنى التنظيمات المسلحة الإرهابية في العالم خصوصا وان هذه المناطق غنية بالكثير من الثروات والموارد المهمة، فضلا عن مصادر التمويل الاخرى التي استطاع التنظيم ان يوفرها لنفسه، ومنها السرقات والاتاوات وعمليات الخطف وغيرها من الامور الاجرامية الاخرى، يضاف اليها الدعم المالي والتسليحي الخليجي والاقليمي([43]) . كما اعتمد تنظيم داعش الارهابي في العراق في تمويله ايضا” على تجارة وتهريب المخدرات ، و ذلك من خلال مزيج معقد من التعاون والعلاقات والتحالفات بين عناصر متخصصة من التنظيم وبين وجهاء وشيوخ عشائر وحتى بعض رجال الدين، والارهابيين الأجانب وعصابات الجريمة المنظمة التي لها اذرع في المناطق والمدن التي لا تقع تحت سيطرة تنظيم الدولة الاسلامية ( داعش) الارهابي([44]).. يضاف الى ذلك موارد الحقول والمنشئات النفطية التي استولى عليها التنظيم في سوريا والعراق، والتي تعد اهم مصدر لتمويل نشاطات وعمليات داعش في العراق . وقد قام تنظيم داعش بفرض سيطرته على حقول النفط ونهبها ، من خلال (التلزيم)  أي تلزيم العشائر التي تقيم في مناطق آبار للنفط السوري او الى أشخاص من هذه العشائر مقابل نسبة من قيمة الانتاج، وفي بعض الحالات مقابل مبلغ مالي مقطوع أسبوعيا يقدمه هؤلاء او تقدمه العشيرة المكلفة بالتلزيم الى تنظيم داعش ([45]). وبعد الهجوم الواسع النطاق الذي شنه تنظيم الدولة(داعش) في حزيران 2014 على محافظات نينوى وصلاح الدين والانبار ونينوى سيطر تنظيم داعش على سبعة حقول للنفط ومصفاتين في شمال العراق([46])، وهذا أمن لتنظيم داعش مصدر تمويل يقدر بمليون دولار يوميا. ولم يعد خافيا على احد اليوم الدور الذي قامت به تركيا الجارة الشمالية للعراق من دور في تهريب النفط العراقي المسروق وتسويقه لصالح تنظيم داعش الارهابي([47]). حيث سهلت تركيا بيع نفط بمقدار 1 مليار في السوق السوداء  لصالح التنظيم الإرهابي.

سقوط دولة الخلافة الداعشية

بالرغم مما أظهره تنظيم الدولة الاسلامية (داعش)، من عمل مؤسسي وتنظيمي معقد ومتطور، ومن كفاءة كبيرة في التجنيد والدعاية، وفي العمل الاحترافي، وحماية التماسك الداخلي؛ إلا أن التوسع الكبير في عمله ومهماته بسبب اتساع المناطق التي سيطر عليها شكل مخاطر حقيقية على أثرت لاحقا” في قدرة التنظيم على التماسك والتوسع بسبب ضعف سيطرته على تلك المساحات الشاسعة بسرعة كبيرة . كما أن الاقتصاد الريعي السلبي لدولة الخلافة المزعومة التي فشلت في ايجاد اقتصاد منتج مستدام واعتمادها على الدعم المالي  من الخارج وعدم تقبل السكان المدنيين للأفكار التكفيرية المتطرفة فضلا” عن ممارسات تنظيم داعش العنيفة والاجرامية بحق السكان المدنيين وخصومه أو معارضيه ،و الهزائم والضربات العسكرية والأمنية الكبيرة، التي شكلت اسبابا” اضافية لتسريع انهيار دولة الخلافة المزعومة ، ويرى المنظر السلفي الجهادي، أبو محمد المقدسي أن تجربة تنظيم الدولة(داعش)، في إقامة الدولة الإسلامية بالقوة فاشلا.. ولخص المقدسي سياسة “جماعة الدولة” بحديث النبي صلى الله عليه وسلم “شر الرعاء الحطمة”، لأنهم كانوا “إقصائيين استئصاليين لكل من يخالفهم، ولم يكن في أجندتهم تحييد بعض الخصوم أو مهادنتهم فضلا عن التحالف معهم، فقد كان توسعهم وجرأتهم في تنزيل أحكام الردة تمنع من هذا”. وأضاف المقدسي: “إضافة إلى هذا فقد توسعوا في استعداء العالم بالأعمال التفجيرية وغيرها في أنحاء العالم دون تمييز بين ما هو ممر لهم كتركيا أو خزان لأنصارهم أو نحوه، بل عيّروا من يعمل بهذه السياسة واتهموه وطعنوا به لأجلها كالطالبان ونحوهم”. وأرجع المقدسي فشل نموذج “جماعة الدولة” إلى طبيعة العقلية الموجهة لسياساته وممارساته، والتي دفعت التنظيم للتفاخر بتكثير الأعداء، ولو بكسب أيديهم والذي يعتبرونه من علامات صدق دولتهم.  وتساءل المقدسي: “كيف يمكن لمثل هذه السياسة والعقلية أن تحافظ على دولة أقامتها؟ وكيف ستقدر على استيعاب رعاياها من غير المسلمين (كما هو المفروض في الدولة الإسلامية)، مع عدم قدرتها على استيعاب أقرب الناس إليها من الجماعات الجهادية؟”.([48]).

وهكذا نرى انه بالإضافة الى الضعف الذي امتاز به فقه الواقع لدى قيادات التنظيم نرى افتقار معسكراتهم التي اقاموها الى العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كل ذلك ادى الى شيوع الجهل العام وانخفاض مستوى الوعي السياسي لدى القيادات والقواعد، نتيجة العزلة التي فرضها التنظيم وبالتالي عدم فهم هؤلاء لقرارات القيادة و اقتصار التدريب في تلك المعسكرات والدورات التدريبية على التدريب العسكري دون التربية الشرعية والسياسية وبالتالي انخفاض في مستوى الادارة وادارة الهياكل رغم ما اشيع عن قدرة التنظيم في ادارة الولايات .لذلك نخلص الى انه وفي مجمل العوامل التي ذكرت ان انهيار التنظيم جاء نتيجة لوجود اختلالات داخل البنية التكوينية له لم يستطع تجاوزها رغم ما حضي به من امكانات مادية وبشرية ، لم يستطع اي تنظيم سلفي جهادي ان يحصل عليها طوال السنوات السابقة اضافة الى ان من قاد هذا الكيان لم يتمتعوا بالقدر الكافي من المؤهلات التي تمكنهم من قيادة مجتمع عرف عنه تمتعه بالثقافة الفكرية الراسخة وعدم انصياعه وتقبله لما يمليه عليه مستحدثي العلم اضافة الى كل ما ذكر فان الخلافات المستمرة بين قادة وعناصر التنظيم الاجانب من جهة والقيادات المحلية من جهة اخرى(أي بين المهاجرين والانصار) قد ساهم في تعزيز تلك الانقسامات و الخلافات فلكل جهة منهم حجة وبرهان على احقيته في الامتيازات والقيادة([49]) .

الخاتمة

أن ذهاب السلفية الجهادية ممثلة بتنظيم الدولة الاسلامية (داعش) ، إلى التطبيق الفوري لمشروع دولة الخلافة ، جاءت تعبيرأ عن نزوع السلفيين الجهاديين الى استعادة الدولة، واستعادة الدولة شرط أساس لاستعادة الإسلام نفسه(حسب اعتقادهم). من هنا جاءت العلاقة بين فكرة الخلافة وفكرة الدولة، وتلازُمت فكرة الدولة ومطلب الأسلمة . فكان اعلان الخلافة على لسان ابي بكر البغدادي ، نتاج وامتدادا” لمسار  وتطور الفكر السلفي الجهادي ممثلا” بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب .

لقد كانت علاقة دولة الخلافة التي اقامها تنظيم داعش الارهابي  بمحيطها بل وحتى مع (رعاياها) مبنية على حالة الحرب الدائمة (ديمُومة الجهاد) باعتبارها مكلفة لنشر الإسلام، مما جعلها على نقيض من تطلع المجتمعات الانسانية الحديثة الى السلام والتعايش والانفتاح ! وهي بهذا الفهم ،أي دولة الخلافة الداعشية تنطلق من تفسير خاطيْ للأدبيات الإسلامية عن مفهوم الوطن والمواطنة إذ يُصنف الناس وتُحدد حقوقهم وواجباتهم تجاه الحاكم في دار الإسلام حسب الدين مسلم أو ذمي مُستأمن، والمسلم لا يكتسب جنسيته من قوميته وإنما من إسلامه، بينما تقوم فكرتا الوطن والمواطنة في الدولة الحديثة على الانتماء القومي أو الجغرافي بغض النظر عن الدين  ، مما جعل دولة الخلافة الداعشية ، على اختلاف مع الرؤي الفلسفية للعالم الذي انعكس بالضرورة على النظريات السياسية الخاصة بتنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية: على مستوى الدولة الواحدة، وكذلك على مستوى النظام الدولي بصفة خاصة . لذلك فان الخلافة المزعومة  لابي بكر البغدادي ، سرعان ما تداعت و انهارت ، بعد ان وقعت في تناقض واضح مع البيئة الاجتماعية التي حاولت اختطافها الى ماضوية ظلامية ، وفوضى متوحشة ، بعيدة كل البعد عن طبيعة صيرورة المجتمعات الانسانية .

([1]) حسن ابو هنية ، مرجعية تنظيم الدولة الإسلامية: من التوحش إلى فقه الدماء ، على الرابط الالكتروني goo.gl/pwfSm4  .

([2]) زهراء مجدي ، بين داعش والقاعدة: خلافات الفكر والتنظيم والأيديولوجيا ،  على الرابط الالكترونيgoo.gl/unRvc4  .

([3]) حسن ابو هنية ، مرجعية تنظيم الدولة الإسلامية: مصدر سبق ذكره .

([4]) الصحوة او ما يعرف ايضاً بمجالس الإسناد أو الإنقاذ ، هي تجمعات عشائرية عراقيّة سُنّيّة أنشئت ي مناطق وجودهم، خاصة منذ إعلان دولة العراق الإسلامية. وقامت قوات الاحتلال الأميركي بمد مجالس الصحوة بالمال والسلاح سواء بطريقة مباشرة أو عبر الحكومة العراقية. ونجحت مجالس الصحوة إلى حد كبير في تقليل نفوذ القاعدة واستئصالها ،أبرز مؤسسيها في الأنبار عبدالستار أبو ريشة وخلفه : أحمد ابو ريشة، و حميد الهايس ، ينظر ،  https://goo.gl/sZMVxA  ؛ وكذلك الصحوة https://goo.gl/FdWk9d .

([5]) ينظر تشارلز ليستر ، تحديد معالم الدولة الاسلامية ، المصدر السابق ، ص9.

([6]) ينظر دراسة الدكتورة جيسيكا لويس التي نشرها معهد دراسات الحرب ISW  على موقعه على شبكة الانترنت (https://goo.gl/WnZMA7 ).

([7]) عماد علو ، قراءة في تداعيات تصاعد الأنشطة الإرهابية ، جريدة الزمان08‏/04‏/2014 https://goo.gl/22HSFh .

([8]) هشام الهاشمي ، عالم داعش ، دار الحكمة ، لندن 2015 ، ص 285.

([9]) العام الأكثر دموية خلال عقد من الزمن ، منشور على الموقع ، https://goo.gl/o8WXxd .

([10])الأمم المتحدة تصدر حصيلة الضحايا لشهر تموز/يوليو 2013 ، موقع يونامي على الرابط ، https://goo.gl/KGrvUM .

([11]) جيسيكا لويس ، المصدر السابق .

([12]) المصدر نفسه .

([13]) عماد علو ، قراءة في تداعيات تصاعد الأنشطة الإرهابية ، جريدة الزمان08‏/04‏/2014 https://goo.gl/CDNsGB .

([14]) ينظر ، جبهة النصرة تبايع الظواهري وتتنصل من تنظيم القاعدة في العراق ، على الموقع اخبار المنار https://goo.gl/quxwhf.

([15]) القاعدة سؤال الخلافة واستمرار الخلاف ، موقع السكينة ، رابط الموضوع : https://goo.gl/WxLgLa .

([16]) صفاء خلف ، أسـرار صعـود الفـرع العـراقــي من تنظيــم القـاعـــدة ، صحيفة الدستور ، https://goo.gl/AhruKj .

([17])صفاء خلف ، أسـرار صعـود الفـرع العـراقــي من تنظيــم القـاعـــدة ، المصدر السابق .

([18])  خلافة القانون: كيف يطبق داعش الخلافة الإسلامية، على الرابط الالكتروني  https://goo.gl/TAjQyg.

([19])صفاء خلف ، أسـرار صعـود الفـرع العـراقــي ، المصدر السابق ..

([20]) البغدادي يخرج على الظواهري.. ويرفض حل «دولة العراق والشام» ، https://goo.gl/EtRAU6 ؛ كذلك ينظر القاعدة: لا صلة لنا بـ “داعش” على الرابط ، https://goo.gl/bKHKvv .

([21])كيف اختلف تنظيم “الدولة الاسلامية” عن تنظيم القاعدة؟، على الرابط الالكتروني https://goo.gl/xbzztg .

([22])الظواهري : خلافة ابو بكر البغدادي جريمة  ، على الرابط الالكتروني ، https://goo.gl/Pt8iZF  .

([23])  أنظر ، عثمان بن عبد الرحمن التميمي ،إعلام الانام بميلاد دولة الاسلام ،دولة العراق الاسلامية، وزارة الهيئات الشرعية ،مؤسسة الفرقان للإنتاج الاعلامي ، منبر التوحيد والجهاد ،  وذكر ذلك اكثر من مرة ، على الرابط https://goo.gl/NPKgtK .

([24])  مد الأيادي لبيعة البغدادي: أبو همام بكر بن عبد العزيز الأثري، ص 5.

([25])  موجبات الانضمام للدولة الإسلامية: الشيخ أبو الحسن الأزدي ، ص 6.

[26]– انظر وثائق خطيرة تكشف إسرار وحقيقة تنظيم الدَّولة الإسلامية في العراق والشام: عزيز الدفاعي، الثلاثاء، 18 شباط 2014م.

[27]– كما جاء في بيانات أبي بصير الطرطوسي وأبي محمد المقدسي.

([28]) هيكلية تنظيم داعش الجديدة في اعقاب خسارة اغلب قياداته على الرابط ،https://goo.gl/9xL7Pz  .

([29])هيكلة تنظيم ولايات داعش .. «القبضة الحديدية» ، على الرابط الالكتروني ،  https://goo.gl/Uu53v7  .

([30]) دستور داعش: كيف بنى التنظيم دولته؟ على الرابط الالكتروني ،  https://goo.gl/NxPZzB  .

([31])  مقابلة ابو محمد المقدسي مع قناة الجزيرة نت ، برنامج لقاء اليوم ، ابو محمد المقدسي : السلفية الجهادية ، بتاريخ 10 يونيو / تموز 2005، على الرابط الالكتروني https://goo.gl/DSpBNV  .

([32])  عثمان بن عبد الرحمن التميمي ،إعلام الانام بميلاد دولة الاسلام ،دولة العراق الاسلامية، وزارة الهيئات الشرعية ،مؤسسة الفرقان للإنتاج الاعلامي ، منبر التوحيد والجهاد ،  ، ص13 ، على الرابط https://goo.gl/NPKgtK .

([33])  هشام الهاشمي ، هيكلية تنظيم داعش: أخطر 18 إرهابيًّا يهددون استقرار العراق، صحيفة المدى، على الرابط: https://goo.gl/iqYZVu  .

([34])  المصدر نفسه  .

([35])  حسن أبو هنية ، البناء الهيكلي لتنظيم “الدولة الإسلامية” ، على الرابط الالكتروني https://goo.gl/oWyyJ2  .

([36])  خلافة القانون: كيف يطبق داعش الخلافة الإسلامية، المصدر السابق .

([37])  جريدة الدستور ، «باحث عراقي» يكشف أسرار الهيكل التنظيمي لجهاز «أمن داعش» على الرابط الالكتروني https://goo.gl/4pa7YY .

([38])  خلافة القانون: كيف يطبق داعش الخلافة الإسلامية، مصدر سبق ذكره .

([39])حمزة فراتي  ، الحسبة.. أعين داعش على المدنيين ، على الرابط الالكتروني ، https://goo.gl/wWDGy4   .

([40])  هيكل الحكم داخل داعش: كيف يدير التنظيم دولته المزعومة؟ على الرابط الالكتروني https://goo.gl/NVjjHX .

([41])  هيكل الحكم داخل داعش: كيف يدير التنظيم دولته المزعومة، المصدر السابق .

([42]) مصادر تمويل داعش.. السلاح الأخضر والمال مقابل الجثث ، صحيفة العالم ، العدد 1438 ، بتاريخ 18 شباط ( فبراير ) 2016؛ كذلك ينظر ، أبو محمد العدناني، كلمة صوتية بعنوان “هذا وعد الله”، مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي، على الرابط: https://goo.gl/cFQcqX .

([43])National Commission on Terrorist Attacks Upon the United States (2004). Monograph on Terrorist Financing, Staff Report to the Commission, Washington DC., pp.20-21.

([44]) سروه هورامي ،عثرت القوات الامنية العراقية في منطقة الرواشدة الواقعة على بعد خمسة كيلومترات شرق قضاء بلد التابع لمحافظة صلاح الدين ، بعد تحريرها من سيطرة تنظيم داعش الارهابي ، على حقل لزراعة المخدرات ، “المخدرات” تجارة مشبوهة تنعش خزينة داعش ، منشور على الموقع. ، https://goo.gl/7V9PWn .

([45]) عامر الرفدان الملقب ب( ذئب الشرقية) اصبح اميرها في دير الزور “ولاية الخير” كما اطلقوا عليها، يتهمه البعض بأنه ركب الموجة واستغل الازمة نتيجة معاناته مع الفقر وضيق الحال وامتطى الفوضى لتحقيق اكبر قدر ممكن من النفوذ والغنائم، وكان الرفدان في السابق عامل في مصلحة المياه ليتحول فجأة الى أحد امراء داعش ، وقد قتل في غارة لطيران التحالف مع ارهابي آخر هو ابو اسامة العراقي (وسام محمد) على الطريق الرابط بين الحسكة ودير الزور. القصة الكاملة لعملية السطو على النفط السوري بين داعش والنصرة – وقائع وأسماء ، صحيفة المنار اللبنانية ، نقلا” عن مركز العراق للدراسات ، على الموقع https://goo.gl/XeqhWp

([46]) طارق العريبي ، داعش بالأرقام ، شبكة النبأ المعلوماتية على الرابط https://goo.gl/P6ePQG .

([47])عماد علو ، الدور التركي في تهريب النفط العراقي ، صحيفة الزمان ، بتاريخ 6شباط 2016   .

([48])بسام ناصر ،  هل فشل خيار القوة في إقامة “الخلافة” بعد انهيار تجربة داعش؟، موقع عربي 21، على الرابط https://goo.gl/oLqusM   .

([49])شبل الهاشمي ، هكذا انهارت “دولة الخلافة”، المركز الاوربي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ، على الرابط ، https://goo.gl/JLCTxJ .

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

رابط مختصر  https://www.europarabct.com/?p=50923

اللواء الركن الدكتور عماد علو

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق