داعش والجهاديوندراساتقضايا ارهاب

هل ستكون تونس مضافة كبيرة لخلايا داعش ؟ بقلم اللواء الركن الدكتور عماد علو

إعداد : اللواء الركن الدكتور عماد علو خبير ، الشؤون العسكرية والإستراتيجية

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

تمهيد

استيقظ الشعب التونسي  في صباح يوم 8 يوليو 2018 على وقع انباء  هجوم ارهابي جديد راح ضحيته  ثمانية من قوات الحرس كانوا يقومون بدورية في غرب البلاد قرب الحدود مع الجزائر، نتيجة كمين نصبته مجموعة سلفية جهادية تكفيرية، قرب الطريق الرابط بين محمية الفائجة ومنطقة الصريا” في ولاية جندوبة ، وهذا الهجوم الارهابي الجديد يعد أكبر هجوم من نوعه منذ 2015. وكانت تونس قد تعرضت لثلاثة هجمات كبرى في عام 2015 استهدف اثنان منها سياحا في منتجع بمدينة سوسة ومتحف باردو في تونس العاصمة وأسفر عن مقتل عشرات السياح الغربيين. وفي هجوم آخر وقع في نهاية 2015 قُتل 14 من الحرس الرئاسي عندما فجر مهاجم حافلتهم. وتونس في حالة طوارئ منذ ذلك الوقت.

كتيبة عقبة بن نافع (أجناد الخلافة)

وفي أعقاب ذلك تبنّت كتيبة عقبة نافع (اجناد الخلافة)  التي تدين بالولاء لتنظيم داعش الارهابي ، الهجوم الإرهابي الذي استهدف دورية الحرس التونسي في اعلان مدوي عن وجودها من جديد، رغم الهزائم الكثيرة التي كانت قد تعرّضت لها على أيدي قوات الأمن التونسية أو الجزائرية.

وتعتبر كتيبة عقبة بن نافع،  جماعة متطرفة كوّنها أمير تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي “أبو مصعب عبد الودود” ويعرف كذلك باسم “عبد المالك دروكدال”، تقودها في الغالب قيادات جزائرية، لكن أبرز عناصرها تونسيين كانوا ينشطون في جماعة “أنصار الشريعة” التي صنّفتها تونس والولايات المتحدة الأميركية تنظيما إرهابيا عام 2013، إلى جانب المقاتلين الجزائريين. وتنشط كتيبة عقبة بن نافع الارهابية (اجناد الخلافة) في المناطق القريبة والمحاذية للمرتفعات الجبلية الغربية على الحدود مع الجزائر . ولا يعرف بالضبط عدد افراد هذا التنظيم الارهابي الذي بايع تنظيم داعش الارهابي وزعيمه ابو بكر البغدادي، في عام 2014 بعد ان كان يدين بالولاء لتنظيم القاعدة الارهابي وزعيمه ايمن الظواهري واطلق على نفسه تسمية (اجناد الخلافة) بعد أن اعلن زعيم داعش الارهابي خلافته المزعومة بتاريخ 29 يونيو 2014.

وتعتمد كتيبة عقبة بن نافع (تنظيم اجناد الخلافة) في عملياتها الإرهابية على المباغتة والغدر وزرع الالغام والعبوات الناسفة . ومن ابرز عملياتها الارهابية قتل الوكيل بالحرس أنيس الجلاصي في مدينة القصرين في ديسمبر 2012،وكذلك  ذبح 8 عسكريين مع موعد الإفطار في رمضان سنة 2013 في كمين نصبته لدورية بجبل الشعانبي وسرقت أسلحتهم وبدلاتهم العسكرية. وفي مايو 2014، قامت مجموعة تنتمي الى كتيبة عقبة بن نافع بالهجوم على منزل وزير الداخلية السابق لطفي بن جدّو سقط خلاله 4 من عناصر الأمن كانوا يحرسون المنزل، بعدها بـ3 أشهر وفي رمضان قتل 14 عسكريا في جبل الشعانبي إثر هجوم غادر وهو الأسوأ في تاريخ المؤسسة العسكرية التونسية منذ استقلال البلاد عام 1956.

توّرطت هذه الجماعة في فبراير 2015 مرة أخرى في مقتل 4 عناصر من الحرس التونسي في منطقة بولعابة بمدينة القصرين، بعدها بشهر نقلت عملياتها إلى تونس العاصمة وأعلنت مسؤوليتها عن الهجوم الذي وقع على متحف باردو السياحي، وأسفر عن مقتل 22 سائحا. كما شنت الكتيبة الارهابية في أغسطس 2016 هجوما” إرهابيا” أسفر عن مقتل 3 عسكريين وإصابة 9 آخرين في جبل سمامة بمدينة القصرين على الحدود مع الجزائر إثر نصب كمين لمدرعتين تابعتين للجيش التونسي.

وخلال العامين الماضيين 2017 و 2016، واجه (تنظيم اجناد الخلافة) حصارا شديدا على معاقله في الجبال، وتعرّض إلى هزائم متتالية، بعد تصفية أغلب قادته ومسلحيه على الأراضي التونسية، آخرهم مقتل قائده الجزائري بلال القبّي ، خلال كمين نصبته قوات الحرس التونسي في المرتفعات الغربية للبلاد، أواخر شهر يناير 2018.

الجذور التاريخية للسلفية الجهادية في تونس

يعتبر(تنظيم جند الخلافة) أو كتيبة عقبة بن نافع واحدة من ابرز التنظيمات السلفية الجهادية التكفيرية في شمال افريقيا وهي تتمركز في تونس ، وتعود الجذور التاريخية لنشؤها الى تجربة الأفغان العرب بالإضافة الى تجربة وافكار الحركة السلفية الجهادية تلك التي  قادها الشيخ بويا علي في الجزائر والتي قاتلت الدولة الجزائرية بحجة وقوفها مع الاتحاد السوفياتي ، والتي بلغت ذروتها اثر إلغاء انتخابات 1992 في الجزائر التي فاز بها الإسلاميون، والتي تفجرت على أثرها سنوات عشر دامية راح ضحيتها مئات ألوف الجزائريين. ومن الجدير بالذكر أن منطقة المغرب العربي بموقعها الإستراتيجي قد نالت نصيبها من تجليات ظاهرة السلفية الجهادية  فبعد “الجماعة الإسلامية المسلحة” و”الجماعة السلفية للدعوة والقتال”، سعى السلفيون في عام 2006 لجمع شتاتهم في بلاد المغرب، وأعلنوا تشكيل تنظيم القاعدة، مما دفع الدول المغاربية للالتفات للظاهرة لتلافي ما عرف بالسيناريو الجزائري.

تنظيم أنصار الشريعة في تونس

تأسس تنظيم أنصار الشريعة في تونس في أبريل عام 2011 بعد حوالي ثلاثة شهور فقط من الثورة التي أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي، ويعود تأسيس الجماعة إلى سيف الله بن حسين المعروف باسم “أبو عياض التونسي” الذي ساهم في تأسيس جماعة أنصار الشريعة في أواخر أبريل 2011، وكان مسجونا في عهد بن علي، وقاتل في أفغانستان، وقامت الجماعة بتأسيس عدة أذرع إعلامية لها بينها، مؤسسة القيروان للإعلام، وتطوير وسائل إعلام أخرى بما فيها مدونات، وصفحة على الفيسبوك، ومجلة، وقامت أنصار الشريعة بحملة للإفراج عن السجناء من السلفيين الجهاديين ، مثل عمر عبد الرحمن، وأبو قتادة والتونسيين الذين حاربوا مع تنظيم القاعدة في العراق والمحتجزين في السجون العراقية. وقد احتكرت تيارات سلفية المنابر في الكثير من المساجد، وهو ما عمل على تدهور العلاقة بين حكومة “حركة النهضة” وتنظيم “أنصار الشريعة”، وكلا التنظيمين ينتميان إلى شريحة الاسلام السياسي .

صنفت الحكومة التونسية جماعة أنصار الشريعة السلفية الجهادية “تنظيماً إرهابياً” خلال عام 2013، وأصدرت مذكرة جلب دولية ضد مؤسسها سيف الله بن حسين المعروف بـ”أبو عياض” باتهامات لضلوع الجماعة في أعمال إرهابية بتونس، واتهمته بالمسؤولية عن ما يلي :

  1. اغتيال المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي في فبراير 2013
  2. قتل عدد من عناصر الأمن والجيش،
  3. الهجوم على معرض للفنون بحجة رسوم مسيئة إلى المقدسات في يونيه 2012،
  4. الهجوم على محطة التليفزيون التي قامت بعرض فيلم برسبوليس في أكتوبر 2011
  5. اعتداء على ناشطين احتفلوا بيوم القدس العالمي بشمال البلاد
  6. حرقوا الحانات والمقاهي
  7. اغتيال الشيخ عبد الفتاح مورو الذي فضح مخططات بعض البلدان الخليجية للهيمنة مالياً وإيديولوجياً على شبكة من الجمعيات ونشر الفكر الوهابي الهدّام في البلاد.
  8. والهجوم على السفارة الامريكية في تونس في سبتمبر عام 2012

ظل “أبو عياض” متواريا عن الأنظار مكتفيا ببضع مقابلات صحفية ورسائل إلى قادة ومنتسبي أنصار الشريعة، وفي هذه المقابلات والرسائل انتقد أبو عياض بشدة سياسات حكومتي حمادي الجبالي وعلي العريّض إزاء السلفيين . وعلى غرار مبايعة كتيبة عقبة بن نافع (تنظيم اجناد الخلافة) ، لتنظيم داعش، أعلن سيف الدين الرايس، القيادي بتنظيم أنصار الشريعة، مبايعته لأبي بكر البغدادي، ترتب على هذه المبايعة مشكلات واتهامات متبادلة مع تنظيم القاعدة ، وخاصة بعد أن أعلن “داعش” أنه يتجه لتكفير قياديي ما يسمى بتنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي” الذي يتزعمه عبد المالك دروكدال، وأن مبايعة التنظيم الجديد “جند الخلافة “، أبو البكر البغدادي زعيم “داعش”،  سيتبعه تكفير قياديي “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” في حالة رفضوا مبايعة أمير التنظيم وقد ردّ تنظيم “القاعدة” على هذا التصريح بإرسال توجيهات إلى فروعه منها الجزائر إلى مقاطعة بيانات “داعش” والمنشقّين عن “القاعدة”.

النهضة وأنصار الشريعة

اعترف عدد من قيادات أنصار الشريعة بتمويل النهضة للتنظيم واختراقه، وهو ما بدا من اعترافات رياض الورتاني القيادي بالتنظيم، من ولاية جندوبة ( والذي قتل شقيقاه الارهابيان شفيق الورتاني، شاكر الورتاني، في سوريا في مواجهات مسلحة مع الجيش السوري) ، والذى أشار فيه إلى اختراق تنظيم أنصار الشريعة بوجه خاص و تيار السلفية الجهادية بشكل عام من خلال ضخ أموال طائلة بشكل مباشر وغير مباشر لتمويل عمليات تسفير الجهاديين إلى سوريا ليس خدمة للجهاد بل لإفراغ الساحة منهم، والإشارة أيضًا إلى أن حركة النهضة اخترقت السلفية الجهادية ماليًا من خلال عدد من أعضاء مجلس الشورى الذين دأبوا على ضخّ أموال عبر عديد الأطراف في التنظيم لتمويل أنشطته الجهادية.

و تنحاز بعض القيادات النهضاوية في تفكيرها وتوجهاتها إلى انصار الشريعة كالحبيب اللوز وصادق شورو. وتحاول أنصار الشريعة الاستظلال والاحتماء بـالنهضة، قاعدة الحركة الإخوانية . كما استفادت انصار الشريعة من بعض الحركات الاسلامية  مثل الجبهة التونسية للجمعيات الإسلامية، الرابطة الوطنية لحماية الثورة، حزب جبهة الإصلاح، حزب الفضيلة، حزب الأصالة، حركة وفاء، حزب العدالة والتنمية ، لتامين الدعم وحماية عناصرها من الملاحقة القضائية .

 التونسيين ضمن تنظيمات داعش والقاعدة

توجه الآلاف من الشباب التونسي للالتحاق الى جانب التنظيمات السلفية الجهادية الارهابية في سوريا والعراق  منذ عام 2011 في غمرة صعود تيارات الاسلام السياسي اثر ما سمي بثورات الربيع العربي . وتؤكد إحصائيات حكومية رسمية أن عدد الإرهابيين التونسيين الذين التحقوا بالتنظيمات الإرهابية خارج تونس لا يقل عن 2929 إرهابياً، تواجد نسبة 70 % منهم فوق الأراضي السورية، وتؤكد المصادر ذاتها عودة نحو 800 إرهابي إلى تونس ممن قاتل ضمن صفوف تنظيم داعش الارهابي . ومن الطبيعي أن يعاود بعض هؤلاء الارهابيين انشطتهم الارهابية وتكوين خلايا وقواعد وحواضن لتنظيم داعش داخل تونس .

والدليل على ذلك أنه في مايو 2018 تمكنت فرقة الأبحاث والتفتيش للحرس الوطني بمدينة سوسة (وسط شرقي تونس) من تفكيك خلية تسفير إلى بؤر التوتر، وإلقاء القبض على 13 عنصراً من عناصرها، وأكدت من خلال التحريات الأولية ثبوت مبايعتهم لتنظيم داعش الإرهابي، واعتزامهم التوجه إلى سوريا قصد الانضمام إلى ذاك التنظيم الإرهابي. وأوضحت وزارة الداخلية التونسية أن التحقيقات مع هذه العناصر أفضت إلى إلقاء القبض على 6 عناصر في البداية، سرعان ما أكدوا تورط 7 عناصر أخرى تنشط بدورها ضمن الخلية الإرهابية ذاتها.

وعلى صعيد متصل، ألقت أجهزة الأمن التونسية القبض على عنصر من تنظيم داعش الارهابي في ولاية القصرين ، التي تعتبر احد المناطق التي تنشط بها عصابات داعش الارهابية ، وأكدت على تواصله مع عناصر إرهابية تونسية التحقت بالتنظيمات الإرهابية في سوريا. في وقت تؤكد المعلومات الاستخبارية عن تصاعد نشاط العناصر الإرهابية الداعشية بمرتفعات ولايات القصرين والكاف وجندوبة، وتتوارد المعلومات حول تخطيط هذه العناصر لتنفيذ عمليات نوعية تستهدف المنشآت والتشكيلات الأمنية والعسكرية والمنشآت الحيوية بالبلاد، كردة فعل على الخسائر التي تكبدها الإرهابيون إثر الضربات العسكرية والأمنية الأخيرة التي استهدفتهم.

هل ستكون تونس مضافة كبيرة لخلايا داعش  ؟

ان رجوع وعودة مئات الشباب والشابات التونسيين اللذين قاتلوا في صفوف المجموعات السلفية الجهادية (القاعدة وداعش والنصرة) الى تونس يشكل ملفاً خطيراً يجب إيجاد سبل مثلى للتعامل معه، خصوصاً أن تشديد الخناق على التنظيمات السلفية الجهادية في العراق وسورية وليبيا سيساهم في دفع هذه المجموعات إلى تغيير البلدان التي تحتضنهم نحو وجهات أخرى أكثر أمناً مثل تونس التي تعتبر ممرا” مثاليا” للعبور ومضافة آمنة للعديد من عناصر التنظيمات السلفية الجهادية ، الامر الذي يضع السلطات التونسيّة أمام معضلة التعامل مع آلاف العائدين من الحروب، خصوصاً أن الأمن التونسي يعاني من وجود مجموعات إرهابية ناشطة في المنطقة الجبليّة غرب تونس منذ أربع سنوات .

في وقت اشارت تقارير صحفية الى أن جماعات سلفية جهادية تكفيرية قامت بتحويلات مالية عبر بنك تونسي باتجاه أوروبا لاقتناء معدات وتجهيزات لصالح تنظيمات إرهابية ناشطة بالمنطقة بقيمة تتعدى 20مليون دولار أودعت قبل شهر في بنك تونسي ، وتم تحويلها باتجاه بنك في فرنسا لاقتناء معدات وأسلحة متطورة. كل هذه المؤشرات تدل على ان داعش الارهابي يحاول ايجاد ساحات جديدة للعمل الارهابي بعد هزيمته في العراق وسوريا وان تونس ستكون في مقدمة ساحات العمل تلك لقربها من ساحات العمل الاخرى في الشمال الأفريقي مثل ليبيا والجزائر وعلاقاتها مع اوروبا .

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

اللواء الركن الدكتور عماد علو

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق