اختر صفحة

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات       

تنامي الاعتقالات في إسبانيا منذ مطلع 2017- الجزء الثاني

مرصد الآزهر ـ 29 أغسطس 2017 ـ تواصل وحدة الرصد باللغة الإسبانية تسليط الضوء على العمليات الأمنية التي قامت بها السلطات الإسبانية خلال عام 2017، وخاصّةً في الثلث الثاني من هذا العام، حيث يأتي هذا التقرير استكمالًا للتقرير الأول الذي أصدرته الوحدة تحت عنوان: (تنامي عمليات الاعتقال في إسبانيا منذ مطلع 2017)، الذي حذّر فيه “مرصد الأزهر” من حقيقة أن إسبانيا تحديدًا، ربما لن تظل بعيدة طويلًا عن تهديدات “داعش”، على الرغم من الإجراءات التي اتخذتها السلطات الأمنية خلال الفترة الأخيرة.

وبالفعل؛ وقع حادث الدهس الأخير في “برشلونة”، بمنطقة “لا رامبالا”، والذي أسفر عن مقتل 14 شخصًا وإصابة قرابة مائةٍ آخَرين. فعلى الرغم من اليقظة الأمنية وقدرة قوات الأمن الإسبانية على مكافحة التنظيمات الإرهابية وتعاونها الدائم مع الشرطة الأوروبية “يوربول” وقوات الأمن في بلاد المغرب العربي مثل: المغرب والجزائر؛ إلا أن التنظيم الإرهابي تمكّن من تنفيذ مُخطَّطه عن طريق بعضٍ من “ذئابه المنفردة”، لا سيّما بعد أن فقد “داعش” الكثير من أراضيه في سوريا والعراق.

كان “المرصد” قد حذّر في مناسباتٍ عديدة من احتمالية وقوع هجماتٍ مشابهة لما حدث في “بروكسل” و”باريس”، خاصّةً بعد التهديدات من جانب التنظيم الإرهابي “داعش” في الفترة الأخيرة، بحلم استعادة “الأندلس”. وطرَح “المرصد” تساؤلًا في الجزء الأول من هذا التقرير، المشار إليه آنِفًا: هل ستستطيع إسبانيا مع كل هذه الإجراءات الأمنية وعمليات الاعتقال أن تظل بعيدة عن مخططات “داعش”؟ وذلك في ظل حملة الاعتقالات التي لا نبالغ إن قلنا: إنها كانت تتمّ بشكلٍ شبهِ يوميٍّ داخلَ الأراضي الإسبانية للمشتبَه بهم.

والمتتبع لهذا الوضع في إسبانيا؛ سيجد أنه منذ مطلع عام 2017، ازدادت عمليات الاعتقال لمواجهة التنظيمات المتطرفة، حيث اعتقلت قوات الأمن حتى نهاية شهر يونيو الماضي 54 متطرفًا خلال 31 عمليةَ دَهْمٍ أمنية، الأمر الذي يدل على تزايد عمليات الاعتقال في العام الجاري مقارنةً بعام 2016 والذي كان قد سجّل 54 مُعتقَلًا على مدار العام.

ومنذ أن رفعتْ وزارة الداخلية مؤشّر التأهّب الأمني إلى المستوى الرابع في يونيو 2015، اعتقلت قوات الجيش والشرطة 186 متطرفًا، ومنذ بداية عام 2015 حتي نهاية يونيو 2017 وصل العدد إلى 231، وفي الجدول التالي رسمٌ توضيحيٌّ لأعداد المعتقَلين منذ يناير وحتى يوليو من هذا العام.

وجديرٌ بالذكر؛ أنه كان هناك من بين المعتقَلين خلال عام 2017، 7 نساء و47 رجلًا غالبيتهم من الشباب، مما يدل على أن “داعش” يُركّز الكثير من جهوده على استقطاب تلك الفئة، وخاصّةً غيرَ المؤهّلين علميًّا؛ لتدريبهم واستخدامهم في تنفيذ مخططاتهم.

وكنّا قد أشرنا في تقريرٍ سابق لبعض السِّمات الشخصية للمعتقَلين المنضمين إلى “داعش” في إسبانيا تتلخص في أن نسبةً كبيرة منهم من الشباب، ذوي معرفةٍ سطحية بالإسلام وذوي تعليمٍ متوسط، و 44.6٪ منهم كانوا مُدانين في جرائمَ أخرى مثل السرقة وغيرِها، و60٪ منهم يحملون الجنسية الإسبانية من الجيل الثاني من المهاجرين، و40٪ فقط يقيمون في إسبانيا.

وبإمعان النظر حول جنسيّات المعتقَلين؛ نجد أن الغالبية العظمى منهم مغاربة وعددهم 39 معتقَلًا على مدار العام، و8 إسبان، واثنان يحملان الجنسية المصرية، واثنان يحملان الجنسية الدنماركية، وآخَران يحملان الجنسية  الجزائرية، ومواطنة مكسيكية.

وقد تواصلت عمليات الاعتقالات في إسبانيا، وسنركّز في هذا التقرير على قائمة الاعتقالات من شهر مايو حتى يونيو2017، فمنذ الثامن من مايو أَلقت الشرطة الوطنية الإسبانية بالتعاون مع الشرطة المغربية القبض على ثلاثةٍ يُشتبه في انتمائهم إلى تنظيماتٍ متطرفة، تتراوح أعمارهم ما بين 21 إلى 32 عامًا، ويحملون الجنسية المغربية في بلديات: “بادالونا” في برشلونة، و”سالو” في “طراجونة”، و”طنجة” في المغرب.

وبتاريخ 23 مايو ألقت الشرطة الإسبانية القبضَ على اثنين في “مدريد” من أصلٍ مغربي، يبلغ أحدهما من العمر 43 عامًا والآخَر 22 عامًا، على خلفية انتمائهما لتنظيم “داعش” والترويج له عبر الشبكات الإلكترونية، كانا على استعدادٍ لتنفيذ هجماتٍ انتحارية في أوروبا، حيث كان تصنيفهما من “المقاتلين الانغماسيين”، وهم –طبقًا للمصطلحات الإرهابية- مقاتلون ذوو كفاءةٍ عالية يرتدون حزامًا ناسفًا ومُزَوَّدون بأسلحةٍ خفيفة، ويقاتلون حتى نفاد الذخيرة، ثم يُفجّرون أنفسهم في النهاية إذا لزم الأمر، أما الانتحاريّ أو “الاستشهاديّ” –بلغة التنظيمات الإرهابية-  فهو مجاهدٌ مُزَوَّدٌ بحزامٍ ناسفٍ فقط، أو يقود آليّةً مُفَخَّخة يقتحم المكان المقصودَ إرهابُه، ويُفجِّر نفسه دون اشتباك.

وبتاريخ 31 مايو، اعتقلت الشرطة الوطنية في إسبانيا شابًّا يبلغ من العمر 20 عامًا في “مدريد”؛ بتهمة الترويج لمحتوى إرهابي عبر شبكات التواصل الاجتماعى، حيث كان يَستخدم أكثر من ملفٍ شخصيٍّ لتمجيد الإرهاب ونشْر عباراتٍ تحمل ازدراءً واحتقارًا تُجاهَ ضحايا الاعتداءات في أوروبا، كذلك نشَر أن شقيقه الذي سافر إلى منطقة الصراع في سوريا والعراق للقتال في صفوف منظمة “داعش” الإرهابية، مصدرُ فخرٍ وسعادةٍ بالنسبة له.

وفي 1 يونيو، اعتقلت الشرطة الوطنية رجلًا مغربيًّا يبلغ من العمر 47 عامًا في “مدريد” بتهمة الانتماء إلى منظمةٍ إرهابية، وكان لديه أمرُ اعتقالٍ دوليّ منذ تورطه في هجمات “مدريد” في 11 مارس، وبرّأته المحكمة العليا بعد إدانته مِن قِبَل المحكمة الوطنية بالسجن 9 سنوات.

وبتاريخ 21 يونيو، تمكنت الأجهزة الأمنية الإسبانية في “مدريد” من القبض على ثلاثة متطرفين يحملون الجنسية المغربية؛ وذلك بتهمة الانضمام إلى تنظيم “داعش” الإرهابي. وفي نهاية شهر يونيو، تمكّنت الأجهزة الأمنية من اعتقال 3 أشخاص يُشتبه في اعتناقهم أفكارًا متطرفة تتوافق مع منفذَيّ هجومَي “لندن” و”باريس”؛ ممّا يؤكّد أن إسبانيا كانت على محكّ التعرض لهجمةٍ إرهابيّةٍ كبيرة خلال تلك الفترة.

وأوضحتْ وزارة الداخلية؛ أن من بين الأشياء التي تمّ العثور عليها بحوزة المعتقَلين، بعض الكتيّبات التي تتشابه مع الكتب التي تمّ ضبطها مع المتورطين خلال أحداث “لندن” و”باريس” الأخيرة، وهذا يوضّح أنه كان هناك إعدادٌ فكريٌّ أكثرُ تطرفًا منذ الاستقطاب وحتى تنفيذ تلك الأعمال الإجرامية.

وبتاريخ 23 يونيو، احتجزت قوات الحرس المدني في “مليلية” الإسبانية، رجلًا يبلغ من العمر 40 عامًا من أصلٍ مغربي ويحمل الجنسية الدنماركية؛ بتهمة إنشاء شبكةٍ دولية لتجنيد المقاتلين وإرسالهم إلى سوريا من خلال هيكلٍ مؤسَّسيٍّ يعمل على تمويل هذه الأنشطة الإرهابية.

وبتاريخ 28 يونيو، تمكنت السلطات الإسبانية بالتعاون مع الشرطة الأوروبية “يوربول” من تفكيك خلية إرهابية دولية تابعة لتنظيم “داعش” الإرهابي، وإلقاء القبض على ستة عناصر “داعشية” جديدة تتراوح أعمارهم بين 28 و43 عامًا، أربعة منهم في جزيرة “بالما دي مايوركا” الإسبانية، وواحد في ألمانيا، وآخَر في بريطانيا.

وأفادت وزارة الداخلية أن الخلية التي تمّ تفكيكها لها أذرعٌ كثيرة على المستوى الدولي، وتعمل على نشر موادَّ سمعيّةٍ وبصرية شديدةِ الخطورة من أجل تجنيد الشباب لصالح تنظيم “داعش” الإرهابي، وإقناعهم للسفر إلى مناطق النزاع في سوريا والعراق للانضمام إلى التنظيم. وبتاريخ 30 يونيو، اعتقلت قوات الحرس المدني في مدينة” مالقة” الإسبانية شابًّا يبلغ من العمر 28 عامًا وُلد في سوريا، ويحمل الجنسية الدنماركية، يُشتبه في أنه قاتَل في صفوف “داعش” لمدة سنتين على الأراضي السورية، ووصفت مصادر الشرطة المعتقَل بأنه “خطيرٌ للغاية”.

وفي الرابع من يوليو، ألقت قوات الحرس المدني الإسباني بالتعاون مع وكالة الشرطة الأوروبية “يوروبول” القبض على شخص من أصلٍ مغربي في منطقة “كويادو مديانو” بمدريد، يبلغ من العمر 31 عامًا؛ وذلك للاشتباه في كونه على عَلاقة بمجموعةٍ تُروّج لتنظيم “داعش” في إسبانيا، لأنه يَعُدّ الأعمالَ المتطرفة أعمالًا مُسَوَّغة، وذلك وَفقًا لما ذكرته المصادر الشُّرطية. وأفادت مصادرُ من مكافحة الإرهاب؛

أن المعتقَل لا يمتلك تأهيلًا كبيرًا في المجال المعلوماتي، إلا أن لديه مهارةً في استخدام الحاسوب والمواقع الإلكترونية واستخدام المواقع والصفحات التي تمنح مستخدميها السرية التامة.

وفي الخامس من هذا الشهر، تمكنت السلطات الإسبانية من إلقاء القبض على مواطن من أصولٍ جزائرية في مدينة “مليلية”، بناءً على أمرِ اعتقالٍ أصدرته السلطات الجزائرية في حقّ هذا المواطن، مما يدلّ على تعاون السلطات الإسبانية مع العديد من الدول. وبتاريخ 11 يوليو، اعتقلت قوات الحرس المدني بالتعاون مع قوات الأمن التركية، امرأتين إسبانيتين منضمتين إلى تنظيم “داعش” الإرهابي في مطار “مدريد” أثناء عودتهما من “إسطنبول”. جديرٌ بالذكر؛ أن هاتين المرأتين متزوجتان من إرهابيَّين صدر بحقهما مذكرةُ اعتقالٍ دولية وتمّ وضعهما تحت المراقبة لأكثرَ من عامين.

وبتاريخ 21 يوليو، اعتقلت الشرطة الإسبانية في “برشلونة” مواطنًا إسبانيًّا بتهمة تمجيد الإرهاب والتحريض على العنف والكراهية بدوافعَ دينيّةٍ، وقد بدأت الشرطة في متابعته على شبكات التواصل الاجتماعي منذ أكتوبر عام 2016؛ وذلك بعد التأكد من نشاطه المتطرف.

وبتاريخ 26 يوليو، ألقتْ عناصرُ من قوات الحرس المدني القبض على متطرفٍ مغربي، يبلغ من العمر 22 عامًا، في “بيسكايا”؛ بتهمة نشْر الأيديولوجية المتطرفة لتنظيم “داعش” عبرَ شبكة التواصل الاجتماعي “فيس بوك” وتمجيد الجماعات الإرهابية، بالإضافة لنشره صورًا لأنشطةٍ إرهابية قام بتنفيذها المقاتلون الأجانب في سوريا الذين كان على اتصالٍ وثيق بهم.

من جانبه؛ ينبّه “مرصد الأزهر” إلى ضرورة تحرّي الدقة في عمليات الاعتقال وأن تكون ناتجةً عن معلوماتٍ دقيقة؛ حتى لا يتعرض المسلمون الأسوياء إلى الوقوع في دائرة الشبهات، بما يزيد الأجواءَ احتقانًا، والذي قد تكون له تبعاتٌ سلبية فيما بعد. ويُثمّن “المرصد” تعاوُنَ الهيئات والمنظمات الإسلامية في إسبانيا مع الأجهزة الأمنية المختلفة في سبيل تضييق الخناق على المتطرفين وحماية أمن وسلامة المجتمع الإسباني ككلٍّ، وكذلك السعي إلى تقدّمه واستقراره.

وفي هذا الصدد، يؤكّد “مرصد الأزهر” أهمية أن تكون هناك آليّاتٌ أخرى غير النواحي الأمنية، فلن تتمَّ السيطرة على الأفكار المتطرفة أو على المتطرفين من خلال عمليات الاعتقال والمداهمات الأمنية، وإنما يجب أن تكون هناك برامجُ وحملاتٌ توعوية وإشراكٌ للشباب داخل المجتمع وإعادةٌ لإدماجه، لا سيّما تلك الفئةَ من الشباب التي تَشعر بجزءٍ كبير من التهميش.