اختر صفحة

“داعش” بين الماضي والمستقبل

مرصد الآزهر ـ 2 يوليو 2017 ـ في إطار ما يمر به العالَم من توتراتٍ، جَرّاءَ تبني بعض الجماعات لفكرٍ خطير، لو لَم يُجابَه بشتى الوسائل وكل الطرق؛ لَتفشّى كسرطانٍ ينخرُ في عظام شبابٍ يسهُلُ وقوعُه في براثن التطرف وفخاخ الإرهاب، وفي ظلِّ ما تعانيه الدول والحكومات من زيْغ هذه الجماعات ومحاولاتها المستمرة للنيلِ من أمن واستقرارِ البلاد والعباد، قامت “وحدةُ رصد اللغة الفرنسية” بالتساؤل : إلى أين تتجهُ قِبْلَةُ “داعش” بعد دحرها في العراق؟

وفي تقريرٍ سابقٍ، أوضحت “الوحدة” أنَّ هذا التنظيم الذي مُنيَ بخسائرَ فادحةٍ على كل الأصعدة بسوريا والعراق، يحاول اتخاذ ليبيا معقلًا جديدًا له؛ فبعد تكبده العديدَ من الخسائر في معاقله، في كلٍّ من: الرقة، والموصل، اتجه على الفور إلى القارة الأفريقية؛ ليتخذ من شمالها معقلًا جديدًا له، نظرًا لغياب الدولة الليبية والانقسامات التي تعيشها منذ سقوط نظام معمر القذافي.

وهذه الأسباب تسمح لأي تنظيمٍ إرهابي بالاستقرار في هذه الدولة دون مقاومةٍ حقيقية؛ لذلك يسعى تنظيم “داعش” للاستقرار فيها، ولكن ليبيا لا تتوافر فيها بعض الظروف التي تساعد التنظيم على تحقيقِ مكاسبَ سريعةٍ على أرض الواقع، حيث لا توجد بها اختلافاتٌ مذهبية حادة، أو عدوٌّ مشترك يمكن حشد الدعم ضده؛ ولذلك يسعى التنظيم في ليبيا إلى التعجيل بانهيار الدولة وتقويض مشاعر القومية المشتركة لدى الليبيين، كما يعمل على تعزيز الظروف التي من شأنها أن تتيح له ترسيخَ نفوذِه.

ومن أهم الأسباب التي دفعت تنظيم “داعش” لاختيار ليبيا معقلًا له؛ موقعُها، حيث يمكن من خلاله التوسع نحو غرب أفريقيا، ومحاولة التحالف مع “بوكو حرام”، التي تنشر الرعب في نيجيريا، وفي منطقة بحيرة تشاد، جنوب النيجر، وشمال الكاميرون.

إلا أنَّ “وحدة رصد اللغة الفرنسية” لَم تقف عند هذا الحدّ، بل تابعتْ عن كَثَبٍ، ووضعتْ عدَسَتَها على مخطط “التنظيم الداعشي”، الذي يبدو وكأنه لن يَكتفيَ بمعقلٍ واحدٍ جديدٍ بعد سوريا والعراق؛ بُغيةَ تشتيتِ مناهضيه، حتى يتمكن من تعويض خسائره في معقليهِ السابقين بسرعة البرق. ورأت “وحدة اللغة الفرنسية” أنَّ مِصْرَ هي إحدى مخططات تنظيم “داعش”، الذي يحاول بشتى الطرق وكل الوسائل أن يضع قدمه فيها.

وعلى الرغم من أن الجيش المصري يعلن عن دحره للإرهاب، لاسيما في سيناء، إلا أننا نلاحظ من وقتٍ لآخرَ وقوع بعض العمليات الإرهابية التي تتغير في شكلها التكتيكي وأبعادها الاستراتيجية، الأمر الذي يشير إلى حقيقةِ وجود تنظيم “داعش” في مصر، متخذًا من الجيش المصري والشرطة والأقباط والجماعات الصوفية أهدافًا استراتيجيةً له.

والجدير بالذكر أن تنظيم “داعش” أكَّدَ بالفعل في العديد من إصداراته المرئية أنه سيستهدف أفراد الشرطة والجيش المصري، والأقباط، والصوفيين، ورموز الدين الإسلامي الذين وصفهم بعلماء الضلال، وبالرغم من ذلك لا يزال تنظيم “داعش” فاشلًا في تحويل مصرَ إلى بؤرةِ صراعٍ وانقسام؛ ومِن ثَمَّ اللعب على وتر الطائفية، ليُسهّل بذلك عملياتِ تجنيد الأفراد وإيجاد مواقع سيطرة له في الداخل، على غرار ما حدث في عدد من دول المنطقة.

وتابعت “الوحدةُ” نشاطها، معلنةً أنَّ هذا التنظيم الإرهابي يسعى إلى وضْع أقدامه في جنوب شرق آسيا، لاسيما في الفلبين، حيث شارك في الأسابيع الماضية نحو 40 مقاتلًا من مقاتلي “داعش”، جاءوا في الفترة الأخيرة من مناطق النزاع في الشرق الأوسط، إلى جانب مؤيدي تنظيم “داعش”، في عملياتِ قتالٍ ضد قوات الأمن الفلبيني، واجتاحوا مدينةَ “ماراوي” في جزيرة “مينداناو”، حيث تعاني هذه الجزيرة من انتشارالعصابات والمتمردين المحليين والحركات الانفصالية؛ وذلك بسبب الفقر وغياب القانون، والحدود غير المُحكَمة لجزيرة “مينداناو”، التي تقطنها أغلبيةٌ مسلمة.

ومن الجدير بالذكر أن حركة “أبو سياف” بَثّت في عام 2014م، على شبكات التواصل الاجتماعي، فيديو تعلن فيه مبايعتها تنظيمَ “داعش”، كما اجتذبت هذه الحركة العديد من المقاتلين الأجانب من جنوب شرق آسيا، والشرق الأوسط، وشمال أفريقيا…

ومن جانبها أعلنت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية ، أنها قدّمت مئات الرشاشات والبنادق الهجومية وقاذفات القنابل للجيش الفلبيني، كجزءٍ من برنامج المساعدات الأمريكية لمكافحة الإرهاب. وقالت سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في الفلبين، في بيانٍ لها: “إن هذه المعداتِ سوف تُعزّز من قدرات القوات الفلبينية في مكافحة الإرهاب في جنوب الفلبين”…

ثم قامت “الوحدةُ” بإظهار مساعي التنظيم “الداعشي”؛ لإنشاءِ ذراعٍ آسيوية، لبسْط خلافته المزعومة في إندونيسيا، متمسكًا بشعار: “تنظيمُ داعشٍ باقٍ، ويتمدّد”، حيث إن التفجيراتِ التي ضربتْ “جاكرتا”، والتي نُسبت لتنظيم “داعش”، وأسفرتْ عن مقتل سبعة أشخاص، يوم الخميس 14 من يناير 2016م، تُثبِت وجود تنظيم “داعش” في المنطقة، فمنذ عدة أشهر، يعمل تنظيم “داعش” على تجنيد مقاتلين جدد في جنوب شرق آسيا.

كما ذكر الموقع الفلبيني “Rappler”: أنّ “اثنتين وعشرين جماعةً في جنوب شرق آسيا، قد أعلنوا الولاء لأبي بكر البغدادي، وأعربوا عن دعمهم لتنظيم داعش” .واستشهد الموقع الفلبيني ” Rappler” بقول روهان جوناراتنا، رئيس المركز الدولي للعنف السياسي والإرهابي في سنغافورة، ومؤلف كتابٍ عن مرجعية الإرهاب، كما يُشيد الموقع بتعدد الجماعات في ماليزيا.

ولكن الجماعات في الفلبين وإندونيسيا، تتقارب أنشطتها من “داعش” بشكلٍ مستمر، كما أن بعض هذه الجماعات تعمل على نشر دعاية تنظيم “داعش”، وتعمل على تجنيد مسلمي جنوب شرق آسيا، في صفوف تنظيم “داعش”، في العراق وسوريا.

ومن جانبه، أعلن تنظيم “داعش” عن رغبته في إنشاء ولايةٍ للتنظيم في منطقة جنوب شرق آسيا، ووَفقًا لموقع “Rappler”، فإنه في صيف 2015م، هناك أكثر من 500 إندونيسي، من بينهم نساء وأطفال، قد انضموا لصفوف تنظيم “داعش”، بالإضافة إلى أكثرَ من 50 شخصًا من ماليزيا؛ “هناك ما يكفي من المقاتلين الإندونيسيين والماليزيين لتشكيل وحدة “كتيبة نوسانترا”.

كما أشارالموقع إلى أن الزعيم الروحي الإندونيسي للجماعة الإسلامية، “أبوبكر بشير”، “الذي يمثل الجناح المسلح لتنظيم القاعدة في جنوب شرق آسيا، في الفترة من نهاية التسعينيات حتى  منتصف الألفية الثانية”، قد أعلن ولاءه لتنظيم “داعش” في العام الماضي…

هذا وقد تابعت “الوحدةُ” في تقريرها نية التنظيم في إيجادِ مكانٍ له جديدٍ في القارة السمراء. ونذكر هنا ما تبنّاه تنظيم “داعش” من الهجوم الانتحاري الأول له في الصومال عبْرَ بيانٍ نشرته وكالة “أعماق”، الذراع الإعلامي له، والذي أكد خلاله أن أحد عناصره نفّذ الهجوم باستخدام حزامٍ ناسف، قام بتفجيره عند أحد الحواجز الأمنية، في وقتٍ متأخر من مساء الثلاثاء، 23 من مايو 2017م، في “بوساسو”، بمنطقة “بونتلاند”، شمال شرقي البلاد، التي تحظى بحكمٍ شبهِ ذاتي، لكنها لم تُعلِن استقلالها حتى اللحظة عن أرض الصومال؛ حيث يدير هذه المنطقةَ مجموعةٌ من “حركة الشباب” الإرهابية، الذين غادروا “القاعدة”، واتجهوا إلى تنظيم “داعش”.

ومن الجدير بالذكر، أن هناك جماعاتٍ إسلاميّةً متشددة تنشط في هذه المنطقة المضطربة، أهمها: “حركة شباب المجاهدين” الإرهابية، والتي أصبحت تضم مقاتلين من تنظيم “داعش”، الذي يسعى -كما يبدو- إلى تشكيلِ قوةٍ ضاربة له في هذا البلد الأفريقي الفقير، الذي أتعبته النزاعات على مدى عشرات السنين، وفي أكتوبر عام 2015، أعلنت مجموعةٌ منشقّة عن حركة “الشباب المجاهدين” الصومالية تضم قرابة 30 مسلحًا، ويقودها “عبد القادرمؤمن”، مبايعتَها تنظيمَ “داعش”.

واتخذت من جبال “غالغالا”، في إقليم “بري” معقلًا لها، في خطوةٍ حملتْ نواةَ تشكيلِ فرعٍ لتنظيم “داعش” في الصومال، ومازال فرع تنظيم “داعش” هناك في طَوْرِالتشكّل؛ إذ لا يتعدى أفراده 150 إلى 200 مقاتلٍ عسكريٍّ.

إلّا أن بعض المعلومات الأمنية أفادت بأنّ التنظيم بدأ يتمدد في شمال شرقي الصومال، ويُخرِّج أفواجًا جديدة من المقاتلين الذين تجاوز عددُهم 300 مسلحٍ، أنهَوْا تدريباتِهم العسكريةَ قبلَ أشهرٍ قليلة، ويُعدّ “عبد القادرمؤمن”، الذي يحمل الجنسية البريطانية، القياديَّ الرُّوحي لـ “تنظيم الدولة” في الصومال، ولا تتوافر معلوماتٌ دقيقة حول القدرة العسكرية للتنظيم، وأدرجتْ وزارة الخارجية الأميركية “عبد القادر مؤمن” في أغسطس 2016م، على لائحة الإرهابيين الدوليين، ووصفته بأنه زعيم تنظيم “داعش” في شرق أفريقيا، وبأنه: “إرهابيٌّ عالمي”.

ولم يقف التنظيم عند هذ الحدِّ، بل يسعى جاهدًا لإزاحة حركة “طالبان”، والحلّ محلَّها في أفغانستان، في الوقت الذي تفقد فيه الحركة جاذبيتها مع ظهور تنظيم “داعش”، الذي استطاع أن يسيطرعلى مساحاتٍ شاسعة من الأراضي في العراق وسوريا، مستهدفًا إقامةَ دولةِ خلافةٍ كبرى، تتشابه مع الحدود التاريخية للعصر الذهبي للإسلام، “من غرب الصين حتى إسبانيا”.

وفي شهر يناير عام 2015م، أعلن “المُلّا عبد الرءوف”، العضو السابق في حركة “طالبان”، وأحد السجناء السابقين في سجن “جوانتانامو”، عن بدء تدريبات تنظيم “داعش”، في إقليم “ننجرهار”، في شرق أفغانستان، ووَفقًا لـ “نجيب الله ماني”، رئيس قسم مكافحة الإرهاب، في وزارة الداخلية الأفغانية، فإنّ ” تنظيم “داعش” ينشط -على الأقل- في 11 إقليمًا في البلاد”.

وعند ظهور تنظيم “داعش” لأول مرة في أفغانستان عام 2015، بايع بعض الفارّين من حركة “طالبان”، “أبا بكرٍ البغدادي”، زعيم تنظيم “داعش”، وأصبحوا مقاتلين تابعين لتنظيم “داعش” في منطقة “خراسان”، ولم يتوقف هؤلاء المقاتلون عن مضايقة الحكومة الأفغانية والمدنيين، وحتى إخوانهم السابقين في “طالبان”، كما قام التنظيم بإطلاقِ محطّةٍ إذاعيّةٍ، تُسمّى: “صوت الخلافة”، عبْرَ أثير ولاية “ننكرهار”، في محاولةٍ منه لتعزيزِ تجنيدِ مقاتلين جددٍ في صفوف التنظيم.

عانت حركة “طالبان” بعد الإعلان الرسمي عن وفاة “المُلّا محمد عمر”، زعيم حركة “طالبان”، من حالةٍ من الضعف؛ بسبب الانقسامات بين القادة حول الدخول في محادثاتِ سلامٍ مع الحكومة، فهناك مجموعةٌ من القادة لا يعارضون إجراءَ محادثاتِ سلامٍ مع الحكومة، ولكن الأغلبية رفضت إجراء أيِّ شكلٍ من أشكال الحوار مع السلطات المدعومة من الغرب.

وفي الوقت الذي تستهدف فيه “طالبان” القواتِ العسكريةَ الأفغانية والدولية، وكذلك مسئولي الدولة الأفغانية، يستهدف تنظيم “داعش” من جانبه المدنيين، وخاصّةً أفرادَ الأقلية “الشيعية” من “هزارا”، حيث قام تنظيم “داعش” بشَنّ العديد من الهجمات الدموية في وسط التجمعات السياسية والدينية للـ”هزارا”، في العاصمة “كابول”؛ مما تسبب في سقوط المئات من القتلى والجرحى.

وبهذا يكون “مرصدُ الأزهرِ”، قد وضعَ أعينَ العالَم على مخططات تنظيم “داعش” المستقبلية؛ حتى يتفادى أيَّ اعتداءاتٍ يمكن أنْ تَهُزَّ أمنَهُ، وتُزَعْزِعَ استقرارَهُ.