Select Page

إعداد : الدكتورجهاد عودة، والدكتور محمد راضي

المركز الآوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

الإطار العام لنشوء حركة حماس

تعد حماس جزءاً من الإخوان المسلمين، ولها مرجعيتها العقائدية والسياسية، وتتعـاطى بالسياسة وفقاً لهذه الرؤى، وقد انطلقت من رحم الإخوان المسلمين في فلسطين التي تأسست في مصر عام 1928، على يد الإمام حسن البنا، وهو ما يعني أن الوجود الفكري والعقائدي لحركة حماس، سبق الوجود التنظيمي لها، وبما أن حماس تصـف نفسـها علـى أنهـا أحـد أجنحـة الإخوان[1]، فإن ” زخم التجربة الإخوانية كله، أصبح رصيداً لهذه الحركة”[2].

وامتداد الحركـة عبر الإخوان، مكّنها – وفي مراحل مختلفة- من امتلاك مرجعية فكرية وسياسية مرنة سـمحت لها أن تكون سياسية ودعوية في آن واحد، وهو ما يشير إلى العلاقة العضـوية بـين حمـاس والإخوان.

ولا يمكن تفسير نشأة حماس ومن ثم تطورها السياسي بمعزل عن إطـارين محـددين حكما سلوكها السياسي ومنطلقاتها، أولهما: نشأتها في بيئة فلسطينية كفاعل سياسي واجتمـاعي، وطبيعة هذه البيئة التي تتحرك فيها الحركة. وثانيهما: أنها في النتيجة، امتداد لجماعة الإخـوان كما تم ذكره سابقاً،  هذه التسمية بالذات لها دلالتها، فهـي تحمل في صلبها بعدين: البعد الديني الفقهي القرآني، والبعد العقائـدي- السياسـي/ الكفـاحي.

فالاحتلال الإسرائيلي شكل مدخلاً هاماً لبلورة هوية حماس المقاومة، وفي الوقت نفسه، شـكلت العوامل العقائدية للإسلام بخاصة، والظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية للفلسطينيين بعامـة، إطاراً هاماً لبلورة الهوية الأيديولوجية للحركة.

وحيث أن فلسطين جزء من العالم العربي والإسلامي، فقد كانـت البدايـة الأولـى لحركـة الإخوان المسلمين في فلسطين في أواسط الثلاثينيات على اعتبار انه لا يوجد تاريخ محدد لنشاط الإخوان المسلمين في فلسطين، وكانت البداية الأولى في الزيارة التي قام بها شقيق حسن البنـا عبد الرحمن البنا، ومن ثم زيارة حسن البنا المرشد العام للإخـوان المسـلمين لفلسـطين فـي الأربعينيات[7].

تطورت حماس بسرعة، لتصبح من أكثر التنظيمات الإسلامية فـي فلسـطين نفـوذاً، والمنافس القوي لحركة فتح كبرى التنظيمات الفلسطينية، التي اتسمت بطابع وطني ، وهـذا التحـول – حسـب المراقبين- لم يكن بالأمر السهل،  حيث برز شعار( تحرير فلسطين من البحر إلى النهر) شعاراً رمزياً لـه دلالاته العقائدية، وظهر بوصفه العنصر الأهم في جدول أعمال الحركة.

والواضح أنه رغم كون الحركة تستند إلى واقع وتاريخ جماعة الإخوان المسـلمين، وتفخر بأنها امتداد لجماعة الإخوان في فلسطين، الأمر الذي يترك شكوكاً حول طبيعة تلك العلاقة الرابطة بينهما ونوعها.

لقد تم تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين وكانت على ارتباط مع الحركة الأم في مصر، ووجود ولاء شبه مطلق للإخوان في فلسطين للإخوان في مصر مع وجود تباين في التبعية، حيث كان قطاع غزة يتبع مصر، والإخوان في الضفة الغربية يتبعـون الأردن.[8]

إنّ جماعة الإخوان تمثل الامتداد العقائدي لحماس، على اعتبار:[ أن الإسلام دين ودولـة، وأن القرآن الكريم والسنة النبوية هما أساس الحياة]، وتقلـد حمـاس الأداء الفكـري والنظـري والتنظيمي للإخوان في مجالات عدة، كما تبدو الممارسة السياسية للحركة شبيهة إلى حـد مـابمواقف الجماعة، مع تطويرها لرؤية الجماعة السياسية بما ينسجم مع الخصوصية الفلسطينية،

كانت التوجهات للحركة الإسـلامية الممثلـة بالإخوان المسلمين بالبروز على الساحة الفلسطينية، وتحديـدا فـي نهايـة السـتينيات وبدايـة السبعينيات، وقامت بالتعبئة للجيل الجديد وتعميق العقيدة لـدى أفـراده، وتأسـيس الجمعيـات الخيرية، ومنها جمعية باسم الجمعية الإسلامية للبر والتقوى، وروابط أم القرى والتي حصـلت على ترخيص بمزاولة نشاطها آنذاك[9].  وبذلك لم يكن لحركة الإخوان المسلمين في فترة السبعينات بروز سياسي أو عسـكري فاعل في الساحة الفلسطينية .

 

ظهور حركة حماس في فلسطين

اقتصر دور الحركة الإسلامية تحديدا الإخوان المسلمين بعد عامي 1967_1975على الإعداد البنيوي للشباب والتعبئة في المساجد للجيل الجديد وتوجيهه، وقد برز الدور بشـكل أكبر من خلال الجامعات والمعاهد والاتحادات النقابية للأطباء والمهندسين حيث أصبح التنـافس بين الإخوان المسلمين والقائمة الوطنية، أحياناً تكون في مقدمة الكتل وخاصة في جامعات غـزة والقدس والخليل، حيث يعتبر تأسيس المجمع الإسلامي في عام 1973م أولى الخطوات العملية التي ساعدت على تطور الحركة الإسلامية الذي اعتبـر كواجهـة علنيـة لجماعـة الإخـوان المسلمين. [10]

.
هذا ويعتبر تأسيس الجامعة الإسلامية في غزة عام 1979 البداية الأولى لظهور التنافس بـين أفراد الإخوان المسلمين وبين أفراد الحركة الوطنية، وفي مقدمتهم حركةة فتح وأي جهة كانـت تعارضهم حيث برز هذا التنافس والخلاف على رئاسة الجامعة الإسلامية بعد توسيعها من قبـل الشيخ محمد عواد، وعدد من الوجهاء وبعض الوجهاء احمد حسن الشوا، يوسف الهندي، سليمان الأسطل، راغب مرتجى، سيد بكر، وقد تم تسلم رئاسة الجامعة في البداية للدكتور يوسف عبـد الحق، وفي أواخر عام 1980  تم تعيين رياض الآغا بعد التوصية عليه من قبـل الشـيخ  خيـرالآغا، أحد أقطاب الإخوان المسلمين على المستوى العالمي الذي يعتبر قريب للـدكتور ريـاض الآغا، وبعد حصوله على إجازة الدكتوراه رغم انه لم يكن من مناصري الإخوان المسـلمين أو المؤيدين.

 

في ظل هذه التطورات كان المجمع الإسلامي له نفوذ واسع على الجامعـة الإسـلاميةوخصوصا الشيخ أحمد ياسين، والذي كان عمليا يتحكم بإدارة الجامعة، وبعدد قيام الدكتور رياض الآغا ببعض الممارسات التي لم تكن مقبولة من قادة المجمع الإسلامي، وعلى رأسـهم الشـيخ أحمد ياسين وحصلت حينها الخلافات بعد أن حاول الإخوان المسلمين التخلص من رياض الآغا،وإن استلامه منصب رئيس الجامعة اعتبر’ خطأ، وزاد على ذلك قيام رياض الآغا بالاسـتعانة ببعض عناصر الجهاد الإسلامي لاحقا الذين انشقوا عن الإخوان المسلمين، ومنهم الدكتور فتحي الشقاقي، رمضان شلح، عبد العزيز عودة والذي اعتبر جريمة وخطراً على الإخوان المسلمين[11].

أثناء هذه التطورات كانت المنظمة (م ت ف) مواكبة لما يحدث، فقامت بـالتحرك مـن أجل تكوين مجلس أمناء للجامعة، وقد رشحت إحدى الشخصيات الوطنية المعروفةة فـي حينـه وهو الدكتور حيدر عبد الشافي، وتغيير اسم الجامعة إلى جامعة غزة، عند ذلك قام الشيخ محمد عواد بتقديم استقالته احتجاجا على ذلك .

وكان بإيعاز من الشيخ أحمد ياسين لإحداث تغييراً آخر وهو رياض الآغا وبالفعل حصل ذلك عام 1982، حيث خرج أنصار المجمع الإسـلامي فـي مظاهرات حاشدة في الشوارع، وهاجموا بعض المؤسسات التابعة للحزب الشـيوعي، والهـلال الأحمر وبعض دور السينما وحالوا الاعتداء على منزل الدكتور حيدر عبد الشافي، وكانت هـذه الخطوة احتجاجا على تقديم الشيخ محمد عواد استقالته من الجامعة الإسلامية، ولمنـع (م ت ف) من تعيين مجلس أمناء من أنصارها[12].

بعد ازدياد عدد الطلاب في المجمع كون الجامعة توسعت وأصبح بها كليـات لـلآداب والتجارة بعد أن كانت مقتصرة على الشريعة، والدعوة وأصول الدين، وقد أصبح ذلـكك يشـكل بداية التنافس الفعلي لوجود الحركة الفلسطينية لفصائل (م ت ف) وعلى رأسهم فـتح، وكـذلك انشقاق عناصر من الإخوان، والتمرد بسبب الاختلاف حول قضية الجهاد، والذي أصبح يمثـل التيار الثوري الإسلامي وحركة الجهاد الإسلامي لاحقا، وإن استمرار الزيادة في عدد الطلبة من كلا الطرفين وازدياد تيار الكتلة الإسلامية، مما أدى إلى حدوث التوترات بـين الطـرفين فـي بعض الأحيان وصلت إلى مرحلة المواجهة العنيفة والاقتتال.

وان تاريخ  4 يونيـو -1983 مـن أهم الأحداث حيث أدى صدام بين الكتلة الإسلامية وأنصار (م ت ف) وعلى رأسها حركة فـتح لإصابة أكثر من 200  شخص بجروح من أنصار المنظمة (م ت ف) مـن جـراء مهـاجمتهم بالجنازير والعصي والأسلحة الخفيفة والآلات الحادة، وقد انتقلت الأحداث إلى الضفة عندما تـم الاعتداء على المدرس محمد حسن صوالحة في جامعة النجاح بتاريخ 14/11/1982، وتبعهـا أحداث في معهد البولتكنك في الخليل.

لقد كانت المحطات السابقة لظهور التيارات لإسلامية ونشاطها بشكل ملحـوظ مقدمـة لولادة حركة حماس ولعل الحادث المعروف والذي كان احد الأسباب فـي انـدلاع الانتفاضـة الأولى ساهم في انطلاق حركة حماس، والذي تمثل في قيام سيارة شحن كبيرة إسرائيلية بصدم سيارة أخرى كانت تقل عدد من العمال الفلسطينيين مما أدى إلى استشهاد سـبعة مـنهم علـىالفور، وذلك في 8/12/1987، وبعد تشييع جنازات الشهداء في مخيم جباليا، قامت الجمـاهيرالغاضبة بمهاجمة مركز للجيش الإسرائيلي، مما أدى لحدوث العديد مـن الإصـابات.

وتوالـت الأحداث عند قيام احد الشبان بضرب زجاجة حارقة على إحدى الدوريات العسكرية، وقام جنود الاحتلال بإطلاق النار عليه وسقوطه شهيداً حيث اعتبر حاتم السيسي أول شهيد للانتفاضة فـي[13]، 9/12/1987 والذي أصبح الذكرى الأولى للانتفاضة، ويتم الاحتفال به مـن كافـة الفصـائل الوطنية والإسلامية، وتوالت الأحداث وسقوط الشهَداء في خان يونس ومخيم بلاطة وبذلك كـان اندلاع شرارة الانتفاضة الأولى في عام 1987.

بعد استمرار وتوالي الأحداث قامت الحركة الإسلامية بإصـدار بيانـا بتوقيـع حركـة المقاومة الإسلامية حماس الذي كان رداً على استشهاد حاتم السيسي، وكان تاريخ البيـان فـي 15/12/1987 والذي اعتبر فيما بعد تاريخ انطلاقة الحركة، وقد حصلت الاجتماعات الداخليـة بين أفراد الحركة على مستوى قطاع غزة، حيث كان الرأي السائد بضـرورة الإحجـام عـن لمشاركة الميدانية حتى لا تتعرض الحركة لمثل ما حدث في عام 1984  حيـث تـم كشـف مجموعة من العسكريين التابعين لحركة الأخوان المسلمين،  الفلسطينيين التي أدت إلىاعتقالهم وعلى رأسهم مؤسس حركة حماس الشيخ احمد ياسين وتم كشف الجهاز الأمني والعسكري.

وقد توالت الأحداث بشكل متقطع إلى أن قررت الحركة في إنزال بيان آخر باسم حركة المقاومة الإسلامية، ولكن بدون رقم للحث على الانتفاضة، وان حماس يشير إلى اختصار حركة المقاومة الإسلامي حمس والذي أصبح فيما بعد حماس و ح م ا س اختصاراً له، في حين قامت فصائل (م ت ف) وعلى رأسهم حركة فتح بإصدار بيانات عن هذا الحدث وقد نجحت في تشكيل ما عرف بالقيادة الوطنية الفلسطينية الموحدة.

 هوامس

[1]ميثاق حركة حماس. 1988

[2]خالد مشعل،حوا رفي مجلة فلسطين المسلمة،كانون ثاني 1996،ص 7-13.

[3]تيسير عزام ، التجربة السياسية لحركة المقاومة الإسلامية ” حماس ” وأثرها على الخيار
الديمقراطي في الضفة الغربية وقطاع غزة للفترة 1993 – 2007 م، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة النجاح ، فلسطين ، 2007، ص 47-499 .

[4]العجرمي،أشرف. الخطاب الديني وحقوق الإنسان،رام االله: مركزرام االله للدراسات وحقـوق الإنسـان2006،ص148 .

[5]محمد برهومة وآخرون :أهداف حركةحماس،في: دراسةفي الفكرالسياسي لحركةالمقاومةالإسـلامية (حمـاس)1987-1996،وآخرون، (تحرير): جواد الحمد وإيادالبرغوثي،ط3،عمان،مركزدراسات الشـرق الأوسـط،1999،ص57.

[6]راجع مثلا: علي الجرباوي،الانتفاضة والقيادات السياسية في الضفة الغربيةوقطاع غزه،بيـروت: دار الطليعـة،،1989، ص 120-102.

[7]خالد محمود ، أثر حركة المقاومة الإسلامية “حماس” على التنمية السياسية في فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة)2004-1987، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة النجاح ، فلسطين ، 2004 ،ص102 .

[8]إياد البرغوثي، الأسلمة والسياسة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ط1، مركز الزهراء للدراسات والأبحاث، 1990ص 10-11 .  .

[9]احمد عبد العاطي محمد: الحركات الإسلامية في مصر وقضايا التحول الـديمقراطي، ط1،
القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1995ص455 .

[10]جواد الحمد وآخرون، دراسة في الفكر السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس، مركز دراسات الشرق الأوسط، عمان ، 1999 ،ص34 .

[11]مهيب سليمان احمد النواتي، حماس من الداخل، ط1، رام االله: دار الشروق للنشر والتوزيع، ، 2002، ص 112  .

[12]نفس المرجع ، ص114.

[13]احمد عبد العاطي محمد: الحركات الإسلامية في مصر وقضايا التحول الـديمقراطي، ط1،
القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1995ص1177 .

 

*حقوق النشر محفوظة للمركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات