
بون ـ رشا عمار، باحثة بالمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ التدابير الحكومية، ولماذا لا يُحظر الإخوان في ألمانيا؟
تتعامل الدولة الألمانية مع جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها أحد أخطر تحديات الإسلام السياسي، ليس لأنها منظمة محظورة أو تمارس العنف بشكل مباشر، بل لأنها تعمل بمرونة عبر واجهات قانونية ودينية وثقافية تبدو مندمجة مع المجتمع، بينما تحمل في بنيتها الداخلية أهدافًا طويلة الأمد لإعادة تشكيل وعي الجاليات المسلمة وفق رؤية أيديولوجية مغلقة. في هذا السياق، يظل ملف الإخوان في ألمانيا مختلفًا عن التجارب الأوروبية الأخرى: فبينما لجأت دول مثل النمسا إلى سنّ تشريعات حاسمة ضد الجماعة، اختارت برلين نهجًا أكثر تعقيدًا يقوم على الرقابة الاستخباراتية والتجفيف المالي والقيود المؤسسية بدلًا من الحظر الشامل.
هذه المقاربة تعكس طبيعة النظام القانوني والسياسي الألماني، حيث يشكل مبدأ “النظام الديمقراطي الحر” (FDGO) الأساس الدستوري الذي يمنح السلطات حق المراقبة، لكنه في الوقت ذاته يفرض قيودًا صارمة على إجراءات الحظر. وبذلك، يظل السؤال مفتوحًا: كيف يمكن لألمانيا أن تواجه جماعة تنشط بخطاب معتدل في العلن، لكنها تسعى في العمق إلى بناء مجتمع موازٍ يتعارض مع قيم الديمقراطية؟الإخوان المسلمون في أوروبا، تحوّلات في السياسات الأمنية . ملف
ما هي أدوات الدولة الألمانية للرقابة والمواجهة؟
المراقبة الاستخباراتية
تضطلع هيئة حماية الدستور (BfV) بدور مركزي في متابعة نشاطات الإخوان. ففي تقاريرها السنوية المنشورة 2024، تشير الهيئة إلى وجود ما يقارب 1450 شخصًا مرتبطًا بالشبكة الإخوانية في ألمانيا، معتبرة أن هذه الشبكات تشكل تهديدًا طويل الأمد بسبب قدرتها على بناء نفوذ داخل المؤسسات التعليمية والجمعيات الثقافية. المراقبة تشمل تتبع تحركات القيادات البارزة، ومراقبة الخطب داخل المساجد، وتحليل أنشطة الجمعيات الخيرية. هذه الأدوات سمحت بكشف محاولات متكررة لتوظيف التمويل الأجنبي في دعم مشاريع محلية ذات توجهات أيديولوجية.
قطع التمويل العام
بدأت السلطات منذ 2019 في تشديد الرقابة على مصادر الدعم المالي، خصوصًا في ولايات مثل بافاريا وبرلين. فالجمعيات التي يُشتبه في تبعيتها للفكر الإخواني حُرمت من الحصول على منح تعليمية أو عقود مع البلديات. مثال بارز تمثل في إيقاف تمويل بعض المبادرات الشبابية بعد أن تبين ارتباطها غير المباشر بجمعيات تخضع لمراقبة BfV. هذا الإجراء لا يعاقب الأفراد، لكنه يحدّ من قدرة الشبكات على التمدد عبر أنشطة تبدو اجتماعية في ظاهرها.
إنهاء التعاون المؤسسي
على مستوى الولايات والبلديات، اتخذت خطوات واضحة نحو استبعاد الجمعيات المقرّبة من الإخوان من المجالس التمثيلية التي تتعامل مع الدولة باسم المسلمين. ففي برلين، أنهت بعض المؤسسات الرسمية التعاون مع جمعيات بعد تحقيقات صحفية وأمنية أثبتت ارتباطها بالخطاب الإخواني. هذه الخطوة مثّلت تحولًا مهمًا، لأنها سحبت من الجماعة إحدى أدواتها الأساسية في اكتساب الشرعية داخل المجتمع.
الإجراءات القانونية
رغم محدودية المحاكمات المباشرة بحق شخصيات إخوانية، فإن القانون الألماني يتيح فتح تحقيقات جنائية في حال وجود شبهات بتمويل الإرهاب أو غسل الأموال. وقد شهدت ولايات مثل نوردراين وستفاليا عمليات مداهمة لبعض المراكز الإسلامية، شملت مراجعة وثائق مالية وحجز أرشيف إلكتروني. ومع ذلك، فإن تحويل هذه القضايا إلى أحكام قضائية نهائية يظل صعبًا بسبب إتقان الإخوان لآليات العمل داخل الإطار القانوني.
مع تزايد مخاطر تمدد نفوذ الإخوان المسلمين، تعالت الأصوات داخل البرلمان وبعض الأحزاب الألمانية للمطالبة بإصدار قرار حظر نشاط الجماعة وتعقب أنشطتها المتطرفة. وفي 15 مارس 2022 قدم حزب البديل من أجل ألمانيا للبرلمان مشروع قرار يستهدف تشديد الرقابة على مصادر تمويل تيار الإسلام السياسي وتجفيف منابع تمويل الإخوان. ونشر البرلمان الألماني في 9 يونيو 2022 وثيقة عن طلب إحاطة من قبل حزب البديل عن بعض منصات الإسلام السياسي، وكشفت الوثيقة عن وجود داعمين داخل الحكومة وبعض مؤسساتها الإعلامية وحزبي اليسار والخضر.
التوازن بين الرقابة والاندماج
ترى الحكومة الألمانية أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي لاحتواء نفوذ الإخوان، لذلك يتم تطبيق سياسة مزدوجة تقوم على الرقابة الصارمة من جهة، ودعم الاندماج المجتمعي من جهة أخرى. الهدف هو منع الجماعة من احتكار تمثيل المسلمين أو استغلال الثغرات داخل برامج الاندماج. على سبيل المثال، تعمد بعض الولايات إلى دعم منظمات بديلة تعلن التزامها بالدستور والقيم الديمقراطية، وتشجع الحوار مع الجاليات بعيدًا عن هيمنة الإخوان. هذا النهج يعكس إدراك السلطات الألمانية أن مواجهة الإخوان ليست مجرد قضية أمنية، بل قضية اجتماعية وثقافية تحتاج إلى أدوات ناعمة موازية للأدوات القانونية.
لماذا لا يُحظر الإخوان في ألمانيا بشكل كامل؟
غياب كيان قانوني موحد
الإخوان في ألمانيا لا يتخذون شكل جمعية واحدة يمكن حظرها، بل يعملون عبر شبكة واسعة من الجمعيات والمراكز. هذا التفكك الهيكلي يعقّد أي محاولة لتطبيق قانون الحظر الذي يستلزم وجود كيان رسمي محدد. نجحت جماعة الإخوان المسلمين في تكوين شبكة علاقات قوية مع الاتحاد الإسلامي التركي والمجلس الأعلى للمسلمين ومن ثم التجمع الإسلامي ومنظمة الجالية المسلمة بألمانيا، ما منحها فرصة التواجد بين المسلمين الألمان والسيطرة بشكل أوسع على المساجد ونشر أفكارها بشكل تدريجي بهدف عدم إثارة الشكوك حولها، إضافة إلى محاولة كسب ثقة المجتمع والساسة الألمان والنأي بنفسها عن الأفكار المتشددة الصادرة من باقي التنظيمات المتطرفة، والعمل عبر خلايا سرية لاستقطاب الشباب والفئات غير القادرة على الاندماج بالمجتمع والفئات الأقل تعليما، ليصبح للجماعة ثقل كبير وممتد داخل المجتمع الألماني منذ عقود طويلة.محاربة التطرف ـ جماعة الإخوان في ألمانيا ، النفوذ، الشبكات، واحتمالات الحظر
المعايير الدستورية الصارمة
الدستور الألماني يتيح حظر الجمعيات التي تسعى إلى تقويض النظام الديمقراطي الحر، لكن شرط ذلك تقديم أدلة ملموسة على نوايا الانقلاب أو العنف. ولأن الإخوان في ألمانيا لا يرفعون شعارات العنف علنًا، بل يقدمون أنفسهم كشركاء في الحوار المجتمعي، يصعب على السلطات إثبات وجود تهديد مباشر.
خصوصية التجربة الألمانية تكمن في أن الدولة منحت منذ البداية مساحة كبيرة للتنظيمات الإسلامية لبناء مؤسساتها، باعتبارها ممثلًا للجاليات المهاجرة. غير أن هذا الخيار السياسي مكّن الإخوان من ترسيخ نفوذهم عبر مؤسسات تعليمية وثقافية وخيرية، جعلت منهم لاعبًا أساسيًا في تمثيل المسلمين أمام السلطات. ومع مرور الوقت، لم يعد النقاش مقتصرًا على طبيعة عمل هذه المؤسسات، بل امتد إلى سؤال أعمق حول هوية القيادات التي تديرها، وكيفية ارتباطها بشبكات التمويل والتأثير داخل ألمانيا وخارجها.
ضعف الأدلة القضائية
المحاكم الألمانية لا تقبل المعلومات الاستخباراتية فقط كدليل للحظر، بل تشترط مستندات أو اعترافات أو تحريضًا علنيًا. هذه المعايير تجعل الإجراءات القضائية بطيئة ومليئة بالثغرات، ما يمنح الإخوان فرصة للاستمرار ضمن إطار قانوني ظاهري.
الحسابات السياسية والاجتماعية
الحكومة الألمانية تدرك أن حظرًا شاملًا للإخوان قد يثير جدلًا داخليًا حول حرية المعتقد والتنظيم، وقد تستغله الجماعة لتصوير نفسها كضحية. كما أن بعض الأحزاب ترى أن غياب الإخوان عن الساحة قد يفتح الباب أمام تيارات أكثر تطرفًا. هذا التوازن السياسي يعزز خيار الرقابة بدل الحظر.
توصيات عامة
– توسيع البحث الأكاديمي: دعم المؤسسات البحثية لدراسة شبكات الإخوان بعمق، بما يكشف طرق التمويل والعلاقات العابرة للحدود.
– مراجعة التمويل الخيري: فرض تدقيق دوري على مصادر التمويل الأجنبي للمؤسسات الدينية والخيرية.
– سياسة مزدوجة: الجمع بين الرقابة الصارمة ودعم مشاريع الاندماج التي تعزز حضور المسلمين الملتزمين بالدستور.
– إشراك المجتمع المدني: بناء شراكات مع منظمات مسلمة معتدلة تعلن التزامها الواضح بالقيم الديمقراطية، لتقليص نفوذ الإخوان.
– تعزيز الشفافية: اشتراط نشر تقارير مالية سنوية لجميع الجمعيات ذات الطابع الديني أو الخيري.الإخوان المسلمين في أوروبا ونشر التطرف ـ تطبيق فتوى
تقييم وقراءة مستقبلية
– ضرورة استمرار المراقبة المكثفة: من المرجح أن تواصل أجهزة الاستخبارات الداخلية إدراج الجمعيات المرتبطة بالإخوان ضمن تقاريرها السنوية، مع توسيع نطاق المراقبة ليشمل شبكات جديدة أو واجهات تعمل بطرق أكثر سرية. هذا النهج يعكس إدراك السلطات لصعوبة الحظر، وبالتالي الاكتفاء بالرقابة الاستباقية لتقييد التأثير.
– تصاعد الضغوط السياسية: يتزايد داخل الأوساط السياسية الألمانية النقاش حول مدى فاعلية الاكتفاء بالرقابة. بعض الأحزاب، خاصة المحافظين، يدفعون باتجاه خطوات أكثر صرامة، مثل فرض قيود إضافية على التمويل أو حتى النظر في حظر جزئي لبعض الجمعيات. هذا قد يؤدي إلى سياسات أكثر تشددًا في المستقبل.
– احتمالية التكيف الشبكي للإخوان: في المقابل، من المتوقع أن يواصل الإخوان تطوير أساليبهم لتجاوز القيود، عبر تأسيس جمعيات جديدة أو استخدام واجهات غير دينية مثل المؤسسات الثقافية والتعليمية. هذا التكيف قد يطيل أمد المواجهة ويجعلها أكثر تعقيدًا.
– نظرًا للطبيعة العابرة للحدود لشبكات الإخوان، فإن أي تشدد في ألمانيا سيدفع الجماعة إلى تعزيز وجودها في دول أوروبية أخرى أكثر تساهلًا، مع استمرار التنسيق عبر المؤتمرات والتمويل الدولي. هذا يضع ألمانيا أمام معضلة التعاون الأوروبي لمواجهة الظاهرة.يظل السيناريو الأقرب هو استمرار السياسة الحالية القائمة على الرقابة الحازمة دون حظر شامل، مع تعزيز أدوات الشفافية والاندماج. هذا المسار يوازن بين حماية النظام الدستوري وتجنب صدام مباشر قد تكون له كلفة سياسية وقانونية عالية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=109659
*جميع الحقوق محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
هوامش
Islamismus in Deutschland
Brandenburgs Innenminister Stübgen (CDU) verbietet Islamisches Zentrum Fürstenwalde
الإخوان المسلمين في أوروبا ـ الهيكل التنظيمي ومصادر التمويل (ملف)
‘Franchised’ Security Threats: A Review of the Muslim Brotherhood Branch in Germany & United Kingdom
