المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب في بلجيكا ـ واقع تهديدات اليمين، اليسار والجماعات الإسلاموية المتطرفة
تلقت وحدة التنسيق البلجيكية لتحليل التهديدات (CUTA) في العام 2025، 157 بلاغا عن تهديدات إرهابية أو متطرفة، وهو ما يمثل انخفاضا بنسبة 26% مقارنة بعام 2024. ولا يزال المجتمع اليهودي الهدف الرئيسي للهجمات المحتملة في بلجيكا. عندما تتلقى وحدة مكافحة التهديدات السيبرانية (CUTA) تقريرا من الشرطة أو أجهزة الاستخبارات أو المركز الوطني للأزمات، فإنها تجري تحليلا دقيقا وتصنف التقرير على مقياس من 1 إلى 4. في الغالبية العظمى من الحالات في العام 2025، تم تقييم التهديد على أنه منخفض أو متوسط، بينما اعتبرت 5% فقط من الحالات خطيرة. ولم يتناول أي من التقارير تهديدا “خطيرا جدا ووشيكا” عند المستوى 4.
يعكس هذا الانخفاض تحولا ملحوظا في طبيعة التهديدات ومستوى حدتها داخل البلاد. فبعد سنوات شهدت تصاعدا في المؤشرات المرتبطة بالتطرف العنيف، سواء بدوافع أيديولوجية أو دينية أو سياسية، تبدو الصورة في عام 2025 أكثر استقرارا نسبيا من حيث عدد البلاغات المصنفة وخطورة الحالات. ويشير ذلك إلى أن الإجراءات الوقائية التي اعتمدتها السلطات البلجيكية، إلى جانب التنسيق الوثيق بين الأجهزة الأمنية والقضائية، قد أسهمت في تقليص عدد التهديدات عالية المستوى، دون أن يعني ذلك اختفاء الخطر بشكل كامل.
التطرف الإسلاموي التهديد الرئيسي
نتيجة لذلك، لم ينخفض العدد الإجمالي من 213 إلى 157 فحسب، بل انخفض مستوى المخاطر كذلك. ففي عام 2024، تم تصنيف 12% من التقارير على أنها من المستوى 3، أي ضعف العدد في عام 2025. بحسب وحدة التنسيق البلجيكية لتحليل التهديدات (CUTA)، فقد طرأ تغيير طفيف على التركيبة الأيديولوجية للتهديدات. لا يزال التطرف الإسلاموي السبب الرئيسي، لكن أعداده انخفضت بشكل حاد. وتعزو وحدة التنسيق البلجيكية لتحليل التهديدات ذلك جزئيا إلى “تراجع فعالية وجاذبية منظمات مثل تنظيم داعش”. إضافة إلى ذلك، لم تعد النزاعات الدولية مثل الحرب على غزة ذات تأثير حشدي قوي، لأنها لم تعد في مراحلها الأولى، بل غالبا ما تستمر لسنوات عديدة.
يفهم من هذا التقييم أن البيئة الدعائية التي كانت تغذي عمليات الاستقطاب والتجنيد عبر الإنترنت لم تعد بالزخم نفسه الذي شهدته في السنوات السابقة. فقد أدت الضربات الأمنية التي تعرضت لها التنظيمات المتطرفة، إضافة إلى تفكيك شبكات الدعم اللوجستي والمالي، إلى إضعاف قدرتها على التأثير في الأفراد داخل أوروبا. كما أن تشديد الرقابة على المنصات الرقمية، وتطوير أدوات الرصد المبكر للمحتوى المتطرف، ساهما في تقليص فرص الانتقال من مرحلة التعاطف الفكري إلى التخطيط الفعلي لتنفيذ أعمال عنف.
تزايد تهديدات المتطرفين اليمينيين واليساريين
شكلت التقارير المتعلقة بالتهديدات المرتبطة بدول أجنبية، مثل التهديدات ضد السفارات أو المجتمعات العرقية، 25% من جميع الحالات في العام 2025. كما عادت المصالح الإسرائيلية واليهودية والسلطات السياسية لتكون الأهداف الرئيسية في بلجيكا، كما كان الحال قبل عامين. وتعرض عامة الناس والمباني العامة وأجهزة الأمن نفسها للتهديد. كما أن السياسيين معرضون للخطر أحيانا، كما أظهر التحقيق في الهجوم الإرهابي المحتمل على رئيس الوزراء بارت دي ويفر. تشير وحدة التنسيق البلجيكية لتحليل التهديدات (CUTA) إلى تزايد التهديدات من المتطرفين اليمينيين واليساريين على حد سواء. فعلى سبيل المثال، حذرت المنظمة من التطرف داخل منظمة Code Road، وهي منظمة جامعة للمناخ. أما بالنسبة لملامح الجناة المحتملين، فإن الغالبية العظمى (75%) من الحالات شملت ما يسمى “الفاعلين المنفردين”: الأفراد الذين أرادوا اتخاذ إجراء بمبادرة منهم.
ويعكس هذا تحديا خاصا أمام الأجهزة الأمنية، إذ يصعب رصد نوايا “الفاعلين المنفردين” مقارنة بالخلايا المنظمة التي تترك وراءها مؤشرات اتصالية أو مالية أو لوجستية. وغالبا ما يعتمد هؤلاء الأفراد على مصادر مفتوحة للحصول على معلومات أو وسائل تنفيذ، ويتحركون بدافع قناعات شخصية متطرفة تتغذى من محتوى رقمي أو أحداث سياسية آنية. لذلك تركز السلطات بشكل متزايد على برامج الوقاية المجتمعية، وتعزيز التعاون مع المدارس والمؤسسات المحلية لرصد مؤشرات التطرف المبكر قبل تحوله إلى تهديد أمني مباشر.
يشير التقرير إلى أن التهديدات ذات الخلفية اليمينية واليسارية المتطرفة لم تعد هامشية، بل أصبحت جزءا من المشهد الأمني العام. ففي ظل الاستقطاب السياسي والاجتماعي الذي تشهده عدة دول أوروبية، تنمو سرديات العداء للمؤسسات أو للأقليات أو للنظام الديمقراطي ذاته. وتستفيد بعض المجموعات من أزمات اقتصادية أو بيئية أو من ملفات الهجرة لتأجيج خطابها التعبوي، وهو ما يستدعي مقاربة شاملة لا تقتصر على البعد الأمني فقط، بل تشمل البعد الاجتماعي والتربوي والإعلامي.
احتمالية وقوع هجمات إرهابية مازالت قائمة
ظل مستوى التهديد العام في بلجيكا عند المستوى الثالث منذ الهجوم على ثلاثة مشجعين سويديين لكرة القدم في أكتوبر. وهذا يعني أن التهديد يقيم بأنه “خطير”، وأن الهجوم، وفقا لوحدة التنسيق البلجيكية لتحليل التهديدات (CUTA)، “محتمل ومرجح”. وتعد “الأحداث الدولية المحفزة”، مثل حرب غزة، والحوادث والتحقيقات في الخارج، الأسباب الرئيسية لهذا الوضع. يعني الإبقاء على المستوى الثالث أن السلطات تعتبر احتمال وقوع هجوم قائما، حتى وإن لم تتوفر مؤشرات محددة على عملية وشيكة. ويترتب على هذا التصنيف تعزيز إجراءات الحماية في المواقع الحساسة، وزيادة الحضور الأمني في الفعاليات العامة، وتشديد الرقابة على بعض الأهداف المحتملة. كما يتم تكثيف تبادل المعلومات مع الشركاء الأوروبيين في إطار التعاون الاستخباراتي، نظرا للطابع العابر للحدود الذي تتسم به بعض التهديدات.
تكشف معطيات عام 2025 عن مشهد أمني أقل توترا من العام 2024 من حيث الأرقام، لكنه لا يزال معقدا ومتعدد الأبعاد. فالانخفاض في عدد البلاغات ومستوى خطورتها لا يلغي استمرار وجود بؤر تطرف متنوعة، سواء بدوافع دينية أو سياسية أو أيديولوجية. كما أن تأثير التطورات الدولية يبقى عاملا حاسما في تشكيل ديناميكيات التهديد داخل بلجيكا. وبينما تواصل الأجهزة المختصة تطوير أدواتها التحليلية والوقائية، يظل التحدي الأكبر متمثلا في تحقيق توازن دقيق بين ضمان الأمن العام وصون الحقوق والحريات الأساسية في مجتمع ديمقراطي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115108
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
