المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
واقع مكافحة الإرهاب والتطرف في المملكة المتحدة 2025
أصدر خبراء المملكة المتحدة في مجال مخاطر وتمويل الإرهاب تقريرهم السنوي عن التهديدات الإرهابية، وهو تقرير تحليلي يهدف إلى رسم صورة شاملة لبيئة التهديد الإرهابي الراهنة، وتحديد الاتجاهات العامة، وتقييم التكتيكات الأكثر احتمالا للاستخدام في أي هجوم محتمل داخل البلاد. ويأتي هذا التقرير في سياق أمني دولي متقلب، يتسم بتداخل التهديدات التقليدية مع أنماط جديدة من التطرف العنيف، وباستمرار تأثير التحولات الجيوسياسية والصراعات الإقليمية على البيئة الأمنية الداخلية للدول الأوروبية.
مستوى التهديد الإرهابي لا يزال “كبيرا”
يشير التقرير إلى أن مستوى التهديد الإرهابي في المملكة المتحدة لا يزال “كبيرا”، وهو التصنيف الذي يعني أن وقوع هجوم إرهابي يعد مرجحا، وإن لم يكن وشيكا بالضرورة. ويعكس هذا التقييم استمرار وجود نيات وقدرات لدى أفراد أو مجموعات متطرفة لتنفيذ أعمال عنف، حتى وإن كانت الأجهزة الأمنية تبذل جهودا مكثفة لإحباطها في مراحل مبكرة. ووفقا للبيانات الواردة في التقرير، وحتى التاسع من ديسمبر 2025، تم تسجيل هجوم إرهابي مؤكد واحد في المملكة المتحدة خلال العام 2025، وهو رقم محدود نسبيا، لكنه لا يلغي استمرار الخطر الكامن.
الاتجاهات طويلة المدى للإرهاب والتطرف
وعند النظر إلى الاتجاهات طويلة المدى، يبرز التقرير دور جهاز الأمن الداخلي البريطاني “MI5” بالتعاون مع الشرطة البريطانية في إحباط 19 مخططا لهجمات في مراحلها الأخيرة منذ يناير 2020. ويعكس هذا الرقم مستوى عاليا من النشاط العملياتي في مجال مكافحة الإرهاب، كما يدل على أن التهديد ليس نظريا، بل يتمثل في مخططات فعلية تم رصدها والتعامل معها قبل أن تتحول إلى هجمات ناجحة. ويشير التقرير ضمنيا إلى أن قدرة الأجهزة الأمنية على كشف هذه المخططات في مراحل متقدمة تسهم في خفض عدد الهجمات المنفذة، لكنها لا تعني تراجع النوايا أو اختفاء التطرف.
الإرهاب الإسلاموي لا يزال يمثل التهديد الرئيسي
يخلص التقييم إلى أنه من شبه المؤكد أن الإرهاب الإسلاموي لا يزال يمثل التهديد الإرهابي الرئيسي للمملكة المتحدة، إذ يشكل نحو 75% من قضايا مكافحة الإرهاب التي يتولاها جهاز “MI5”. ويستند هذا التقدير إلى حجم القضايا المفتوحة، وطبيعة الخطابات المتطرفة المتداولة عبر المنصات الرقمية، فضلا عن استمرار تأثير الصراعات الخارجية في تغذية بعض روافد التطرف. ومع ذلك، لا يغفل التقرير الإشارة إلى وجود تهديدات أخرى، بما في ذلك التطرف اليميني العنيف، وإن كانت نسبته أقل مقارنة بالتهديد الإسلامي وفق المعطيات.
أساليب الهجوم المحتملة
وفيما يتعلق بأساليب الهجوم المحتملة، يؤكد التقرير أنه من المرجح للغاية أن ينفذ أي هجوم إرهابي في المملكة المتحدة في الوقت الراهن بواسطة فرد واحد أو خلية صغيرة، مستخدما أساليب بسيطة لا تتطلب تخطيطا معقدا أو موارد تقنية كبيرة. وتشمل هذه الأساليب استخدام الأسلحة البيضاء، أو أدوات القوة غير الحادة، أو المركبات كسلاح للدهس، أو الهجمات القائمة على الحرق العمد. ويعكس هذا النمط من العمليات ما يعرف بظاهرة “الذئاب المنفردة”، حيث يتبنى الفرد أيديولوجيا متطرفة وينفذ هجوما محدود الموارد، مستلهما نماذج سابقة أو دعوات عامة عبر الإنترنت.
يشير التقرير إلى أن شيوع التكتيكات البسيطة يعود إلى عدة عوامل، من بينها سهولة الحصول على الأدوات المستخدمة، وصعوبة الرصد في حال غياب التواصل المباشر مع شبكات تنظيمية واسعة، إضافة إلى التأثير التحريضي لبعض المحتوى المتطرف المتاح رقميا. كما أن الهجمات البسيطة قد تكون أكثر جاذبية للمنفذين بسبب انخفاض كلفتها اللوجستية وارتفاع أثرها الرمزي والإعلامي.
ما هي إمكانية تنفيذ هجمات أكثر تعقيدا؟
لا يستبعد التقرير إمكانية تنفيذ هجمات أكثر تعقيدا، بما في ذلك استخدام عبوات ناسفة بدائية أو أسلحة نارية. لكنه يوضح أن تعقيد التخطيط لمثل هذه العمليات، والحاجة إلى الحصول على مواد أو معدات معينة، يزيدان من احتمالية كشف المخطط قبل تنفيذه. فكلما ارتفع مستوى التعقيد، اتسع نطاق التواصل والتحضير، ما يوفر لأجهزة إنفاذ القانون فرصا إضافية للرصد والتدخل. ومن ثم، يرى التقرير أن قدرة السلطات البريطانية على اختراق الشبكات المتطرفة ومتابعة مسارات التمويل والاتصال تظل عاملا حاسما في منع التصعيد نحو هجمات واسعة النطاق.
واقع التطرف الرقمي
وفي ما يتعلق بالفضاء الرقمي، يقيم التقرير احتمالية امتلاك جهة إرهابية حاليا القدرة على تنفيذ هجوم إرهابي إلكتروني كبير في المملكة المتحدة بأنها ضئيلة للغاية. ويعزو ذلك إلى ارتفاع مستوى الحماية السيبرانية في البنى التحتية الحيوية، وإلى أن تنفيذ هجوم إلكتروني واسع يتطلب مهارات تقنية متقدمة وموارد تنظيمية كبيرة غالبا ما تكون خارج متناول الأفراد أو الخلايا الصغيرة. ومع ذلك، يحذر التقرير من الاستهانة بالمخاطر السيبرانية على المدى البعيد، خاصة في ظل التطور المستمر للتكنولوجيا وانتشار أدوات الاختراق منخفضة الكلفة.
احتمالية الهجمات الكيميائية أو البيولوجية
يصف التقرير احتمالية وقوع هجوم كيميائي أو بيولوجي أو إشعاعي أو نووي عالي التعقيد بأنها ضئيلة أيضا، مشيرا إلى وجود عوائق كبيرة تتعلق بالحصول على المواد الخطرة، وتأمين نقلها، وضمان القدرة على استخدامها بفعالية. فمثل هذه الهجمات تتطلب بنية تنظيمية متقدمة وخبرة علمية وتقنية يصعب توفيرها في السياق الداخلي البريطاني دون أن ترصدها الأجهزة المختصة. ومع ذلك، يشدد التقرير على أهمية الحفاظ على الجاهزية والاستعداد، نظرا لما قد تمثله هذه السيناريوهات من آثار كارثية في حال وقوعها، حتى لو كان احتمالها منخفضا.
مشهد مزدوج لبيئة التهديد في المملكة المتحدة
يقدم التقرير صورة مزدوجة لبيئة التهديد في المملكة المتحدة. فمن جهة، يبرز نجاحا واضحا في إحباط عدد كبير من المخططات، وانخفاضا نسبيا في عدد الهجمات المنفذة. ومن جهة أخرى، يؤكد استمرار وجود تهديد حقيقي، خاصة من قبل أفراد متطرفين قد يتحركون بصورة منفردة وبوسائل بسيطة. وبناء على ذلك، يشدد التقرير على ضرورة استمرار الاستثمار في قدرات الرصد المبكر، وتعزيز التعاون بين الأجهزة الأمنية، ومواصلة برامج الوقاية من التطرف داخل المجتمعات المحلية. ويخلص التقرير إلى أن الحفاظ على مستوى عال من اليقظة، إلى جانب مقاربة شاملة تشمل الأمن والاستخبارات والوقاية المجتمعية، يظل السبيل الأمثل لمواجهة التهديد الإرهابي في بيئة متغيرة. فالتحدي لا يقتصر على منع هجوم بعينه، بل يمتد إلى معالجة العوامل المغذية للتطرف، وضمان قدرة الدولة على التكيف مع أشكال جديدة من المخاطر في المستقبل.
النتائج
بات مشهد التهديد الإرهابي في المملكة المتحدة مرشح للبقاء عند مستوى معقد ومتغير خلال السنوات القليلة المقبلة. فمن المتوقع عدم حدوث تحول جذري مفاجئ في طبيعة التهديد، ومن المرجح استمرار نمط الهجمات منخفضة التعقيد التي ينفذها أفراد أو خلايا صغيرة، مستفيدين من سهولة الوصول إلى أدوات بسيطة ومن تأثير الخطاب المتطرف عبر الفضاء الرقمي.
سيظل التحدي الاكبر امام الأجهزة الأمنية هو رصد مؤشرات التطرف المبكر لدى الأفراد قبل انتقالهم من مرحلة التأثر الفكري إلى مرحلة التخطيط العملي. ومع تطور تقنيات التشفير والمنصات الرقمية المغلقة، قد تصبح عملية التتبع أكثر تعقيدا، ما يتطلب استثمارا أكبر في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لتعزيز قدرات الاستباق.
من المحتمل أن تؤثر البيئة الدولية بصورة مباشرة في مستوى التهديد الداخلي. فاستمرار الصراعات في بعض المناطق، أو تصاعد التوترات الجيوسياسية، قد يغذي سرديات تحريضية تستهدف مجتمعات بعينها داخل المملكة المتحدة. وفي المقابل، فإن نجاح برامج الوقاية المجتمعية وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية قد يسهم في تقليص قابلية الاستقطاب والتجنيد.
أما في ما يتعلق بالهجمات المعقدة، فمن المرجح أن تبقى احتمالاتها منخفضة نسبيا، نظرا لارتفاع كلفة التخطيط وصعوبة الحصول على المواد الحساسة. غير أن التحولات التقنية السريعة تفرض يقظة مستمرة، خاصة في المجال السيبراني.
سيعتمد مستقبل التهديد الإرهابي في المملكة المتحدة على قدرة الدولة على الموازنة بين الأمن الصارم وحماية الحريات، وعلى تبني مقاربة شاملة تعالج الجذور الفكرية والاجتماعية للتطرف إلى جانب الاستجابة الأمنية المباشرة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115055
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
