المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
هل يقود الموقف الألماني إلى موقف أوروبي موحد تجاه القضية الفلسطينية؟
دعت برلين إلى رد أوروبي موحد على “مشروع E1″، الذي يحذر بعض المسؤولين من أنه يشكل “تهديدا وجوديا” لمستقبل حل الدولتين. وتعارض إسرائيل هذا الرأي، مؤكدة أن وضع المستوطنات مسألة تخضع للمفاوضات. وصف المستشار الألماني فريدريش ميرز مبادرة إسرائيل الجديدة للاستيطان في الضفة الغربية بأنها “خطأ كبير”. وفي مؤتمر مع رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش في برلين، وصف ميرز التطورات بأنها “خطوات ضم”، ودعا إسرائيل إلى وقف التوسع الاستيطاني.
تعقيد لحل الدولتين
أضاف ميرز أن المضي قدما في المشروع من شأنه أن “يعقد حل الدولتين”، وحث الحكومة الإسرائيلية على إعادة النظر في قراراتها. تمت الموافقة على ما يسمى بـ “مشروع E1” في أغسطس 2025، مما مهد الطريق لبناء 3400 وحدة سكنية على مساحة 12 كيلومتر مربع شرق القدس، في أراضي الضفة الغربية. كما دعا ميرز إلى إصدار رسالة أوروبية مشتركة بشأن هذه المسألة. ويرى المسؤولون الألمان أن توحيد الموقف الأوروبي في هذه القضية يمكن أن يساهم في زيادة الضغط السياسي والدبلوماسي على الحكومة الإسرائيلية، بما قد يدفعها إلى إعادة النظر في بعض السياسات المرتبطة بالتوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويشير عدد من الدبلوماسيين الأوروبيين إلى أن مشروع “E1” يعد من أكثر المشاريع الاستيطانية إثارة للجدل، نظرا لموقعه الجغرافي الحساس. ويخشى هؤلاء من أن يؤدي تنفيذ المشروع إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية، الأمر الذي قد يجعل إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا أمرا أكثر صعوبة في المستقبل. كما يرى بعض الخبراء أن المشروع قد يؤدي إلى تعقيد الجهود الدولية الرامية إلى إعادة إحياء عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
حل الدولتين الإطار السياسي الأكثر واقعية لإنهاء الصراع
أكد ميرز أن الحكومة الألمانية ما تزال ترى في حل الدولتين الإطار السياسي الأكثر واقعية لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وشدد على أن أي خطوات أحادية من شأنها أن تقوض هذا الإطار قد تؤدي إلى زيادة التوتر في المنطقة وإضعاف فرص التوصل إلى تسوية سياسية دائمة. وأضاف أن الحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة يعد أمرا أساسيا لضمان الاستقرار طويل الأمد في الشرق الأوسط. كما أشار ميرز إلى أن الاتحاد الأوروبي يراقب عن كثب التطورات الميدانية في الضفة الغربية، خاصة في ظل الارتفاع الملحوظ في وتيرة بناء المستوطنات خلال السنوات الأخيرة. ووفقا لتقارير دولية، فقد شهدت الضفة الغربية توسعا استيطانيا متزايدا منذ عام 2024، الأمر الذي أثار قلق عدد من العواصم الأوروبية. وتعتقد بعض الدول الأوروبية أن استمرار هذه السياسة قد يؤدي إلى تآكل فرص التوصل إلى تسوية تفاوضية بين الطرفين.
شدد ميرز على أهمية استمرار الحوار مع إسرائيل، مؤكدا أن العلاقات الألمانية الإسرائيلية تقوم على أسس تاريخية وسياسية راسخة. ومع ذلك، أوضح أن هذا لا يمنع برلين من التعبير عن مخاوفها وانتقاداتها عندما ترى أن بعض السياسات قد تؤثر سلبا على فرص السلام. وقال إن الصداقة بين الدول لا تعني تجاهل الخلافات، بل تتطلب أحيانا نقاشا صريحا حول القضايا الحساسة.
كرر وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول موقف ميرز وانتقد سياسات الحكومة الإسرائيلية فيما يتعلق بالضفة الغربية خلال زيارته غير المعلنة لإسرائيل بسبب مخاوف أمنية. وقال السياسي المنتمي لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU: “إن الحكومة الألمانية تطالب الحكومة الإسرائيلية بإعادة النظر في هذه الخطط بشكل كامل”. وأكد أن ألمانيا ما تزال تدعم الجهود الدولية الرامية إلى الحفاظ على إمكانية تحقيق حل الدولتين. وقال فاديفول خلال اجتماعه مع نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر في القدس: “لا يجب أن ينشأ وضع يتم فيه استبعاد إمكانية مستقبل الفلسطينيين في دولتهم الخاصة”. وأوضح أن الحفاظ على الأفق السياسي للفلسطينيين يعد عنصرا أساسيا في أي تسوية مستقبلية. كما شدد على ضرورة تجنب الخطوات التي قد تؤدي إلى زيادة الاحتقان في الأراضي الفلسطينية.
أصدر فاديفول إدانة شديدة اللهجة لـ “العنف الذي ارتكبه المستوطنون المتطرفون”، وذلك في أعقاب تقارير من السلطات الفلسطينية تفيد بمقتل ثلاثة أشخاص في هجمات خلال مارس 2025. وأشار الوزير الألماني إلى أن تصاعد أعمال العنف في الضفة الغربية يمثل مصدر قلق كبير للمجتمع الدولي، خاصة في ظل التوترات السياسية والأمنية القائمة في المنطقة. وأكد فاديفول أن حماية المدنيين واحترام سيادة القانون يجب أن يكونا على رأس الأولويات. وأضاف أن على السلطات الإسرائيلية اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان محاسبة المسؤولين عن أعمال العنف. كما شدد على أهمية منع تكرار مثل هذه الحوادث التي يمكن أن تؤدي إلى تصعيد خطير في الأوضاع الأمنية. اختتم حديثه قائلا: “يجب على سيادة القانون الإسرائيلي أن تتصدى لهذا الأمر بأقصى درجات العزم”. وأوضح أن تطبيق القانون بشكل عادل وفعال يعد عنصرا أساسيا للحفاظ على الاستقرار ومنع المزيد من التصعيد في الأراضي الفلسطينية.
يرى بعض المحللين أن الموقف الألماني يعكس توجها أوروبيا أوسع يسعى إلى إعادة التأكيد على الالتزام بحل الدولتين في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه هذا المسار السياسي. كما يشير هؤلاء إلى أن الاتحاد الأوروبي يحاول الموازنة بين الحفاظ على علاقاته الوثيقة مع إسرائيل والدفاع عن المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي، بما في ذلك احترام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. ويعتقد مراقبون أن النقاش داخل الاتحاد الأوروبي حول كيفية التعامل مع قضية الاستيطان قد يتصاعد في الفترة المقبلة، خاصة إذا استمرت المشاريع الاستيطانية الجديدة في التوسع. وقد يدفع ذلك بعض الدول الأوروبية إلى المطالبة بإجراءات سياسية أو دبلوماسية أكثر وضوحا في هذا الملف.
تبقى مسألة التوصل إلى موقف أوروبي موحد تحديا معقدا، نظرا لاختلاف مواقف الدول الأعضاء تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ففي حين تدعو بعض الدول إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه الاستيطان، تفضل دول أخرى التركيز على الحفاظ على قنوات الحوار والتعاون مع إسرائيل. وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تبدو برلين حريصة على لعب دور الوسيط الذي يجمع بين الدفاع عن حل الدولتين والحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل. ويرى مسؤولون ألمان أن هذا التوازن قد يساعد في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، وفي الوقت نفسه التعبير عن المخاوف الأوروبية بشأن مستقبل عملية السلام في الشرق الأوسط.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116049
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
