Select Page

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

تساؤلات عن احتمالات عودة «القاعدة»

الشرق الأوسط – في منتصف شهر أغسطس (آب) الماضي هدد تنظيم القاعدة بتعطيل القطارات السكك الحديدية في بريطانيا باعتبارها الهدف التالي الذي يسعى إلى تنفيذه وحث مؤيديه على القيام به، انطلاقاً من أنه سوف يتسبب في خسائر فادحة للأرواح، ويثير الهلع والخوف بين المسافرين والركاب. التحذير القاعدي المتقدم طرح على مائدة النقاش علامة استفهام هل يعود تنظيم «القاعدة» من جديد بعد نحو ست عشرة سنة من إعلان الولايات المتحدة الأميركية الحرب عليه؟

عدة عوامل تدفع في طريق هذه القراءة، في المقدمة منها التراجع الكبير الذي شهده تنظيم داعش على الأرض عطفا على ازدياد حضور طالبان في أفغانستان. وقد رأينا الرئيس الأميركي دونالد ترمب وخلافا لما وعد به خلال حملته الانتخابية، يتعهد بإرسال جنود أميركيين جدد لمحاربة «القاعدة» في أفغانستان، وقطع الطريق على عودتها من جديد… هل فشلت واشنطن والعالم في التصدي لـ«القاعدة» عبر عقد ونصف العقد من الزمان؟

 تهديدات «القاعدة»

جاءت تهديدات «القاعدة» أخيرا لتأخذها أجهزة الأمن في عموم أوروبا على مأخذ الجد لا سيما أن مسألة حماية جميع خطوط السكك الحديدية حول البلاد، مسألة شاقة تحتاج لأعداد كبيرة جداً من رجالات الشرطة الداخلية، الأمر الذي يبين بصورة أو بأخرى أن عقل «القاعدة» لم يغِبْ طوال السنوات الماضية، بل ربما استغل القائمون على التنظيم قصة انشغال العالم في محاربة «داعش» للعمل من جديد بهدوء وتكتيك لبناء مصادره وتحالفاته لمواصلة حربه الأزلية ضد الولايات المتحدة الأميركية.

أحد أفضل التقارير التي تناولت شكل«القاعدة» مستقبلاً وصحوتها التي تلازم إخفاقات «داعش» المتوالية، ذاك الذي صدر أخيراً عن مركز واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، وفيه علامات دهشة وتعجب، تتصل بقدرة «داعش» على النهوض من جديد من وسط الركام رغم أحداث جسام عاشها التنظيم بدءاً من الحرب عليه في أفغانستان، مروراً بعمليات المطاردة التي لا تنقطع، وصولاً إلى أزمات المنطقة الأخيرة وحتى ظهور «داعش» الذي هو في الأصل فرع دوغمائي أشد تطرفاً من مذهبيات «القاعدة» عينها، وربما أكثر أدلجة فكرية منها، حيث له توجه أكبر من مجرد إلحاق الأذى بالغرب بمعنى الوصول إلى «الدولة الإسلامية» نواةً للخلافة المنتَظَرة.

«القاعدة»: بيئات حاضنة جديدة

لعله من متناقضات القدر أن تفرز سنوات ما سُمِّي بـ«الربيع العربي»، بيئات حاضنة جديدة لـ«القاعدة» تمدها بحلفاء جدد لها كي تتمكن من مواصلة نهجها، وإن كان غير خلاق.لقد كانت سوريا ولا شك خلفية نموذجية لإعادة نشوء وارتقاء «القاعدة»، فمنذ بداية الأزمة تطلعت عيون «القاعدة» إلى حلفاء جدد لها هناك، ويبدو أنها وجدت ضالتها بالفعل في جبهة النصرة التي تمتلك الآلاف من المقاتلين المؤمنين بأفكار «القاعدة» وأهدافها. والمؤكد أن «القاعدة» قد استغلت ظروف الاضطرابات الأهلية في عدد من الدول العربية، لتربح موالين جدداً لها، وإن كان ذلك قد حدث عن طريق خطط أوسع وأعمق للأيادي الخفية التي تذكي الإرهاب الداعشي وقبله القاعدي في العالم العربي.

يمكننا هنا أن ندلل على الحاضنات الجديدة بـ«ليبيا»، وما يجري وما جرى فيها فقد تابع العالم برمته كيف أن دولة بعينها (قطر) لم يكن لها إلا هدف واحد، وهو ابتعاث رجالات «القاعدة» إلى ليبيا للسيطرة على مقدرات الأمور.ولعل ما أزعج الدوائر الغربية مرة جديدة في الأيام الأخيرة من شهر أغسطس الماضي ودعا لفتح ملف «القاعدة» من جديد ما كشفت عنه أجهزة الأمن التابعة لحكومة الوفاق الليبية بشأن مخطط إرهابي يستهدف مسؤولين بالعاصمة الليبية طرابلس بالسلاح الكيماوي من قبل الجماعة الليبية المقاتلة، أحد أفرع تنظيم القاعدة ببلاد المغرب العربي.

ولعل السؤال الذي يقض مضاجع الأجهزة الأمنية الأوروبية بالدرجة الأولى هل تلك الأسلحة الكيماوية الفتاكة لا تزال لدى رجالات «القاعدة» في ليبيا للاستهلاك المحلي في عملية الاقتتال الداخلية؟ أم أنها يمكن أن تعبر المتوسط لتفجر أو يطلق بعضها على سبيل المثال في أحد قطارات السكك الحديدة في أي عاصمة أوروبية؟

 «القاعدة» من اليمن إلى أفريقيا

في بداية الشهر الماضي أرسلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات خاصة أميركية إلى اليمن لتساعد قوات التحالف والقوات اليمنية الشرعية في عملياتهم ضد تنظيم القاعدة في اليمن.تصريحات المتحدث باسم البنتاغون الكابتن جيف ديفيس، تفيد بأن الهدف من هذه العمليات التي تجري في محافظة شبوة، حيث ينشط تنظيم القاعدة في جزيرة العرب بشكل خاص… ما الذي يُفهم من هذا التصريح؟

بالتأكيد استغلت جماعات «القاعدة» هناك الأوضاع التي تكاد تأخذ اليمن في طريق الدول الفاشلة لتثبيت أركانها، فاليمن اليوم مقسم بين أكثر من فصيل؛ قوات الشرعية الدولية بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادئ ، وعلى الجانب الآخر تحالف يكاد يتفكك ويتفسخ ممثلاً في المؤتمر الشعبي للمخلوع صالح، بالتعاون مع قوات الحوثي.ووسط هذه الخيوط المتداخلة والخطوط المتشابكة، تجد «القاعدة» مسارب آمنة لاكتساب عناصر جديدة، والتخطيط لانتشار أوسع لها يتجاوز شبه الجزيرة العربية إلى منطقة الخليج العربي، لذا تجد الكثير من عناصر تنظيم القاعدة ما زالوا متخفين في مديرية الصعيد غربي محافظة شبوة على الحدود مع محافظة أبين المجاورة الممتدة إلى تخوم مدينة عدن التي أعلنتها الحكومة اليمنية عاصمة مؤقتة للبلاد.

والثابت أنه وإن كان تنظيم القاعدة في اليمن ضعيفاً، وليس بتلك القوة التي يروج لها في وسائل الإعلام لا سيما الغربية، فإن هذا لا ينفي أنه ينشط وبقوة في ظل غياب الدولة، وينمو كلما ضعف نفوذها، وعليه فالمعادلة يسيرة الفهم: «كلما ظلت نيران الحرب الأهلية في اليمن مشتعلة، فإن (القاعدة) سوف تتمكن من تثبيت أركانها، وسوف تضحي هزيمتها أمراً عسيراً، ذلك أن ضعف الدولة يدفع لاستمرار القاعدة وتعاظم خطرها».على أن كارثية انتشار «القاعدة» في اليمن لها تبعات، وكذا استحقاقات أخرى تتصل بامتداد التنظيم إلى العمق الأفريقي، وهو ما تخطط له العقول النافذة في التنظيم عبر مسارين:

الأول من خلال ليبيا في شمال أفريقيا.

والثاني من خلال سواحل اليمن المحاذية لعدد من الدول الأفريقية.

والثابت أن «القاعدة» في حقيقة الأمر لا تواري أو تداري مسؤولياتها عن العنف الحادث هناك، وقد كان آخر أعمال أياديها السوداء ذلك الهجوم الإرهابي الذي وقع يوم الأحد العاشر من أغسطس على مطعم في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو، وهي دولة مستهدَفة من قبل التنظيم القاعدي، وهناك أنشطة كبرى تجري على أراضيها، حيث جماعات كثيرة تواليها عقائدياً ومنها جماعة أنصار الإسلام التي يقودها إبراهيم مالم جيكو، وهي أكثرها نشاطاً، وتأسست في نهاية العالم الماضي، وتقدم منهجاً يتفق مع رؤية تنظيم القاعدة بأكثر مما ينسجم مع تنظيم داعش.

أحد أفضل الذين تصدوا أخيرا للجواب عن علامة الاستفهام الخاصة بمستقبل «القاعدة» المستشار السابق للقوات الأميركية في أفغانستان سيث جونز، الذي يشغل اليوم مدير مركز الأمن الدولي والسياسات الدفاعية في مؤسسة «راند» التي تشكل العقل والقلب بالنسبة للعسكريين الأميركيين ولـ«البنتاغون» بوجه عام.

عبر مقال مطول نشرته له مجلة «الفورين بوليسي» الأميركية ذائعة الصيت، يضعنا سيث أمام حقائق تتباين فيها الرؤية بين من يرى أن «القاعدة» سوف يتقلص نفوذها، وأنه لا مستقبل لها، كما يذهب دانيال بيمان من جامعة جورج تاون الأميركية، الذي يؤمن بان تنظيم القاعدة في تراجع بسبب الدعم الشعبي المحدود، والجهود الفعالة لمكافحة الإرهاب من جانب الولايات المتحدة ودول أخرى، عطفاً على أن «القاعدة» باتت مكروهة بسبب قتلها للمدنيين المسلمين.

لكن هناك آخرين يورد سيث آراءهم يرون أن «القاعدة» عائدة لا محالة في ذلك، مثل علي صوفان عميل مكتب التحقيقات الاتحادية سابقاً، الذي يؤكد على أن «القاعدة» تتحول الآن من جماعة إرهابية صغيرة إلى شبكة قوية ومنتشرة الفروع، وأنها اكتسبت أعداداً وقوى قتالية، وهي تمتد الآن في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.فيما يحاجج ديفيد غارتنستين من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، بأن التنظيم «برز بقوة من خلال اتباع استراتيجية للنمو المتعمد والمفتوح».

المقال المشار إليه مهم وحيوي إذ يتناول سلسلة من الفرضيات التي يمكنها أن تعظم أو تحجم من عودة «القاعدة» للظهور من جديد، غير أن أهم جزئية تستلفت النظر تلك المتعلقة بعودة التنظيم ومآل «داعش» في الزمن القريب، إذ إن انهيار «داعش» في عيني سيث يمكن أن يزيد من إمكانية الدمج بين المقاتلين الموالين لـ«القاعدة»، و«داعش»، تحت مظلة واحدة، أو حتى إلى ظهور جماعة متطرفة جديدة، فـ«القاعدة» اليوم منظمة مختلفة عما كانت عليه قبل عقد من الزمن… الحركة أقل مركزية، ما يعني أن الانتماء والولاء أصبح عبر الأثير وهذه هي الكارثة.

 ترمب وخطته… «القاعدة» ترحب

نهار الاثنين 21 أغسطس الماضي، كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعلن عن استراتيجيته الجديدة لأفغانستان، عبر قاعدة «فورت ماير» بولاية فيرجينيا. الاستراتيجية تقضي بإرسال بضعة آلاف من الجنود إلى هناك في محاولة لدحر طالبان و«القاعدة» ومنعهما من السيطرة على جميع مقادير البلاد… هل جاء هذا الإعلان ليمثل قبلة الحياة لـ«القاعدة» في أفغانستان بنوع خاص، وحيثما يوجد مريدوها وأتباعها حول الكرة الأرضية؟

الشاهد أنه قبل أن يعلن ترمب استراتيجيته الأخيرة، و«القاعدة» كانت ترى فيه وفي كبير مستشاريه ستيف بانون قبل أن يجبر على الاستقالة طوق ونجاة ومبعث أمل للعودة من جديد إلى الحياة… كيف ذلك؟

ببساطة شديدة كان بانون الصوت الصارخ لإدارة ترامب منذ البداية، وهو صاحب التعبير الشهير «قوى الإسلام لا يمكن إيقافها بالوسائل السلمية».هنا أعطى بانون لـ«القاعدة» فرصةً على طبق من ذهب لإعادة تصوير الغرب على أساس أنه منخرط في حرب وجودية مع الإسلام، وهذه هي الطريقة التي يبرر بها التنظيم عنفه وآيديولوجيته الأصولية.

والآن يأتي ترامب ليخطط من جديد لإشعال المعركة عسكرياً ضد طالبان، وضد فلول «القاعدة» هناك، مما يسمح ولا شك بإعادة تقسيم العالم إلى قسمين دار للحرب ودار للسلام، أو كما قال جورج بوش الابن غداة أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001: «الذين معنا والذين علينا»، في تقسيم «مانوي» للعالم لا يستقيم… هل سيربح ترمب الحرب بالجنود الذين سيرسلهم عطفاً على الموجودين هناك من الأصل؟

تقول «نيويورك تايمز» أخيراً إن هذا لن يحدث طوال الحياة، وحتى لو تم قتل الإرهابيين كافة في الغد، فإنهم سيعودون مرة أخرى طالما بقيت إشكالية الأصولية الدينية والعرقية قائمة من جهة وأرباح تجارة الهيروين السائدة في أفغانستان تحديداً، وعلى الحدود مع باكستان من ناحية أخرى.إذن هل الحل في ترك أفغانستان كما فعل أوباما؟

بالقطع أيضاً لا، لأن ذلك سيحولها لحاضنة لـ«داعش» جديدة مهما تغيرت الأسماء، ولهذا ربما يكون ما أقدم عليه ترمب هو حل مؤقت، بمعنى زيادة متواضعة في القوات الأميركية يمكن لها أن توفر دعماً عسكرياً للحكومة الأفغانية لضمان عدم استيلاء طالبان على المدن الأفغانية.

هل من خلاصة؟

لن يختفي التطرف الذي يمثله «داعش» أو «القاعدة» مرة واحدة وإلى الأبد، إذ ستبقى الآيديولوجيات العدائية على قيد الحياة في شكل ما من الحروب في أفريقيا وآسيا الشرق الأوسط، طالما بقيت قضايا رئيسية بغير حلول، وطالما وجد زارعو الكراهية حول العالم من أنصار نهاية التاريخ أو صدام الحضارات.