اختر صفحة

إعداد: المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

انتقلت الخلافات الألمانية التركية من طور التراشق الإعلامي وحرب التصريحات إلى البدء في اتخاذ إجراءات تهدد بنسف الروابط المتينة التي كانت تربط البلدين حتى وقت قريب، وعلى الرغم من التحذيرات الألمانية المتواترة لأردوغان بشأن ضرورة إبلاء مكانة أكبر للحريات والقيم الأوروبية فإن أنقرة تمسكت بإجراء ملاحقات واسعة لم تقتصر على الأتراك بل شملت مواطنين ألمانا.

ويبدو أن القرار التركي بتمديد حبس الناشط الحقوقي الألماني “بيتر ستودنر” مع خمسة ناشطين بينهم مديرة منظمة العفو الدولية في تركيا “إيديل إيسر “عجل باتخاذ برلين لعدد من الإجراءات ضد أنقرة يتوقع مراقبون أن يتم توسعتها، وتوعدت ألمانيا تركيا باتخاذ تدابير اقتصادية تطال السياحة والاستثمار خصوصا، مؤكدة أنها ستعيد النظر في مجمل سياساتها حيال أنقرة بسبب اعتقال ناشطين حقوقيين.

ووجه وزير الخارجية الألماني”  زيغمار غابرييل ” خطابا للشعب التركي وللمواطنين المنحدرين من أصول تركية في بلاده،عقب تصاعد حدة الخلاف بين ألمانيا وتركيا ،معلنا عن “توجه جديد” في سياستها تجاه تركيا.

وكتب “غابرييل” في خطاب مفتوح، نشرته صحيفة “بيلد” الألمانية 22 يوليو2017 باللغتين الألمانية والتركية، إن التوجه الجديد للسياسة الألمانية تجاه تركيا، والذي كان قد أعلن عنه مؤخرا، ليس موجها لا إلى الشعب التركي ولا إلى المواطنين المنحدرين من أصول تركية في ألمانيا.

اتفاق أوروبا تركيا حول اللاجئين

أعلن القادة الأوروبيون إن دول الاتحاد الأوروبي  أبرمت فى 17 مارس 2016 اتفاقاً مع أنقرة سيتم بموجبه ابعاد كل المهاجرين الذين يصلون إلى الجزر اليونانية إلى تركيا،وكان الاتحاد الأوروبي الذي يواجه أسوأ أزمة هجرة منذ 1945، يطالب تركيا منذ فترة بمساعدته على احتواء تدفق المهاجرين عبر بحر” ايجة”.

وصادقت دول الاتحاد الاوروبي على اتفاق جرى التفاوض في شأنه في بروكسل بين رئيس المجلس الأوروبي “دونالد تاسك”ورئيس الوزراء التركي السابق “أحمد داود أوغلو”.

تركيا تجسست على أفراد ومؤسسات في برلين

قال ” جورج ماسن” مدير وكالة المخابرات الداخلية الألمانية إن تركيا تقوم بعمليات سرية في ألمانيا أكثر من أي وقت مضى خاصة منذ محاولة انقلاب فاشلة على إردوغان في يوليو 2016،وأضاف “منذ محاولة الانقلاب والتغيرات السياسية الداخلية هناك لم نعد نرى المخابرات التركية على أنها شريك محض وإنما على أنها خصم”.، ومضى قائلا إن الأنشطة السرية شملت عمليات استهدفت أتراكا يقيمون في ألمانيا وشملت محاولات لترويع معارضي إردوغان.

و أفادت الشرطة الألمانية فى 8 أبريل2017 أن أكثر من 60 شخصا ومؤسسة في العاصمة الألمانية برلين كانوا أهدافا محتملة لتجسس جهاز الاستخبارات التركي (إم آي تي)، وجاء ذلك على خلفية الكشف عن قائمة لجهاز (إم آي تي) تحوي نحو 400 اسم، وتم الكشف عن هذه القائمة من خلال تحريات شرطة حماية الدولة في وكالة مكافحة الجريمة ببرلين فى مارس 2017.

وأشارت الشرطة في برلين إلى أنه تم إجراء نحو 40 محادثة مع أشخاص وجهات معنية، متضررة من عمليات التجسس المحتملة.

وكان المعروف قبل ذلك أن عدد الأشخاص الذين تجسس عليهم جهاز الاستخبارات التركي من سكان برلين فقط 25 شخصا، بينهم على سبيل المثال، نائبة البرلمان عن الحزب المسيحي الديمقراطي”إمينه ديميربوكين-فيغنر”، حيث اعتبر جهاز (إم آي تي) هؤلاء الأشخاص أنصارا محتملين لحركة الداعية الإسلامي “فتح الله غولن”، الذي تحمله الحكومة التركية المسؤولية عن محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا في يوليو 2016.

وأضافت الشرطة الألمانية أن القائمة شملت إلى جانب أسماء أفراد، أسماء مؤسسات أيضا، وأشارت إلى أن من الضروري إجراء تحقيقات شاملة في هذا الشأن لتحديد المتأثرين بتجسس الاستخبارات التركية.

منع تركيا لبرلمانيين زيارة جنود ألمان في قاعدة انجرليك

صرح وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أوغلو” فى 30 مايو 2017، أنه لا يمكن في الوقت الراهن السماح لنواب بالبرلمان الألماني زيارة قاعدة “إنجيرليك” الجوية التركية، حيث يرابط فيها جنود ألمان، لكنه أوضح أن أنقرة قد تعيد النظر في الأمر إذا لمست “خطوات إيجابية” من برلين.

ومنعت تركيا مجموعة من النواب الألمان من زيارة نحو 250 جنديا يتمركزون في “إنجيرليك” في إطار التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم “داعش” قائلة إنه ينبغي لبرلين تحسين سلوكها أولا.

وقال الوزير في مؤتمر صحفي بالعاصمة أنقرة “نرى أن ألمانيا تدعم كل شيء يعارض تركيا،وفي ظل هذه الظروف لا يمكننا فتح إنجيرليك لمشرعين ألمان في الوقت الراهن…إذا اتخذوا خطوات إيجابية في المستقبل فبوسعنا إعادة النظر”.

انتهاكات تركيا لحقوق الإنسان

اعتقلت الشرطة التركية تسعة من نشطاء حقوق الإنسان أربعة منهم ألمان من أصل تركي و مسئولان بفرع منظمة العفو الدولية بمدينة إسطنبول فى 5 يوليو 2017 أثناء حضورهم مؤتمراً.

وقالت ” جمعية حقوق الإنسان في تركيا إنها لم تكتشف الاعتقالات إلا صدفة وإنه لم يتم إبلاغ أسر النشطاء، ووصفت الجمعية تلك الإجراءات بأنها تعسفية، قائلة إنها تأتي وسط حالة مستمرة من الطوارئ كانت قد فرضت عام 2016.

وذكرت صحيفة “جمهوريت” أن الأشخاص الذين تم اعتقالهم في تلك المداهمة لم يتمكنوا من الاتصال بمحام، ويبدو أن هناك أمراً من السرية حول ذلك الحدث.

وكان رئيس فرع منظمة العفو الدولية في تركيا قد اعتقل إلى جانب أكثر من 12 محامياً، وتم إغلاق عدد من جماعات المجتمع المدني أثناء حالة الطوارئ الذي فرض بعد محاولة انقلاب من جانب فصيل بالجيش.

وانتقد الاتحاد الأوروبي حملة الاعتقالات الموسعة التي طالت أكثر من 50 ألفاً والإيقاف عن العمل والإقالات التي طالت أكثر من 155 ألفاً والتضييق على المعارضة والصحافيين وانتهاكات حقوق الإنسان وحرية التعبير، التي يرى الاتحاد أنها باتت في وضع سيئ في تركيا بعد فرض حال الطوارئ عقب الانقلاب الفاشل.

واتهم وزير الخارجية الألماني “زيغمار غابرييل ، أنقرة بإسكات “كل صوت منتقد” وارتكاب انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان رأى أنها “تبعد تركيا عن قيم أوروبا الجوهرية” وقيم الحلف الأطلسي و”لا يمكن أن تبقى من دون عواقب

اجراءات المانية ضد تركيا

تخلت ألمانيا عن سياسة ضبط النفس تجاه تركيا وتوعدتها بسلسلة تدابير اقتصادية تطال السياحة والاستثمار، مؤكدة أنها ستعيد النظر في مجمل سياساتها حيال أنقرة بسبب اعتقال ناشطين حقوقيين، والتدبير الأول الملموس هو تشديد تحذيرات وزارة الخارجية المتعلقة بالسفر إلى تركيا، التي تعتبر الوجهة المفضلة لدى السياح الألمان.

وقالت الوزارة إنها لم تعد قادرة على “ضمان سلامة مواطنيها” في ظل الاعتقالات الجماعية “الاعتباطية”، في خطوة يتوقع أن تؤثر سلبا على الاقتصاد التركي “.

وقالت مصادر ألمانية فى 20 يوليو 2017إن برلين قررت تجميد مشروعات تسليح مع أنقرة، في أحدث خطوة تظهر غضب ألمانيا إزاء اعتقال مواطنيها في تركيا،ونقلت صحيفة “بيلد” الألمانية واسعة الانتشار عن مصادر حكومية قولها، إن هذا الإجراء يمس مشروعات أسلحة مقبلة وأخرى جارية بالفعل.

وهددت برلين تركيا  بخفض الأموال الأوروبية التي تحصل عليها أنقرة في إطار مفاوضاتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي “4,45 مليارات يورو مقررة بين 2014 و2020″، لكن هامش المناورة أمام برلين يبقى محدودا بسبب الاتفاق حول الهجرة بين أنقرة والاتحاد الأوروبي.

وترتبط ألمانيا وتركيا على مدى سنوات طويلة بعلاقات تاريخية جيدة،ولكن تسير العلاقات التركية الألمانية نحو توتر غير مسبوق بسبب تباعد الرؤى في جملة من القضايا الكبرى،فهل تعود العلاقات المتوترة بين ألمانيا وتركيا إلى طبيعتها ؟،وما هو مستقبل العلاقات التركية مع ألمانيا والاتحاد الأوروبي؟.

العلاقات الالمانية التركية، مرشحة بالفعل الى التصعيد، مايحاول ان يحصل عليه اردوغان هو استفزاز الحكومة الالمانية والمفوضية الاوروبية، مايسعى اردوغان هو جر المانيا واوروبا في سجال ومواجهات كلامية، يحصل من خلالها تاييد داخلي، مايحاول ان يعمل عليه اردوغان هو القفز على الخلافات الالمانية التركية، ليضع نفسه “زعيما مدافعا عن حقوق الاتراك”! لقد ادركت المانيا ودول اوروبا  الدور الذي يلعبه اردوغان.

ماتسعى له المانيا، ايجاد توازن بعلاقاتها مع اردوغان، ان لايكون ضمن دول الاتحاد الاوروبي لكن تريده ان يبقى قريبا منه، ظنا منها ان هذه السياسة سوف لا تدفع اردوغان الى مزيد من “الديكتاتورية”، لكن يبدو هذه السياسة لم تجدي نفعا مع اردوغان، وهذا ماجاء في تصريحات غابريل وزير خارجية المانيا، توجه وسياسات جديدة  مع تركيا وهذا ما بات متوقعا.

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات