الإستخباراتتقاريردراسات

هل نجحت الموساد بتأهيل الإستخبارات التركية في المانيا ؟

إعداد: جاسم محمد، باحث في قضايا الإرهاب والإستخبارات

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات. المانيا و هولندا

تشهد العلاقات الالمانية التركية، توترا متصاعدا خلال الاشهر الاخيرة، وطفحت على السطح ملفات استخباراتية، كان يفترض بها ان لاتصل الى حد الاعلان عنها وتناولها في وسائل الاعلام، السؤال هو: هل كانت هذه التسريبات فعلا حقيقية ام كانت تسريبات مقصودة؟

في ظل التوتر الشديد في العلاقات الألمانية التركية على عدة مستويات، ألقى  وزير الخارجية الألماني زيغمار غابريل  يوم 20 يوليو 2017  كلمة قال فيها، إنه وبالتشاور مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ورئيس حزبه مارتن شولتس، الحزب الاشتراكي الديمقراطي، تعتزم ألمانيا انتهاج توجه جديد في سياستها الخارجية مع تركيا.

حذرت الشرطة الاتحادية الألمانية أعضاء بالبرلمان (البوندستاغ) يوم 28 يونيو 2017 من أن المخابرات التركية ربما تجسست عليهم، وقد يواجهة أخطارا أمنية محتملة من مواطنين أتراك. وفقا لصحيفة “دي فيلت”. وقالت الصحيفة: “أجرى مكتب الشرطة الجنائية الاتحادية “مناقشات أمنية”، مع أعضاء بالبرلمان “. و تركزت المناقشات على التجسس المحتمل للمخابرات التركية والأخطار الأمنية التي يمثلها المواطنون الأتراك”.

قالت صحيفة “زمان” التركية المعارضة في تقرير لها يوم 18 يونيو 2017، التابعة لمجموعة الداعية المعارض فتح الله غولن، إن “الداعشي صلاح أ. الذي قُبض عليه في ألمانيا زعم أنه عمل لصالح الاستخبارات في تركيا”، وأنه أوضح خلال إفادته أنه قدم إلى ألمانيا عبر تركيا وعمل من قبل لصالح الاستخبارات التركية.وصلاح أ. هو أحد الدواعش الأربعة الذين ألقت السلطات الألمانية القبض عليهم أثناء استعدادهم لشن هجوم على مركز مدينة دوسلدورف.

ووفقا لتقرير الدوتش فيللة الالمانية DW ،كشفت هيئة حماية الدستور الألمانية (الاستخبارات الداخلية) يوم 21 يوليو 2017 أنها تنظر إلى تركيا باعتبارها خصم بسبب أنشطتها الاستخباراتية داخل ألمانيا. وقال رئيس الهيئة، هانز-جيورج ماسن، اليوم الجمعة خلال أحد المؤتمرات في برلين: “لم نعد ننظر بصفتنا جهاز استخباراتي إلى تركيا منذ محاولة الانقلاب العسكري في الصيف الماضي والتغييرات في السياسة الداخلية التركية على أنها شريك فقط، بل أيضا كخصم في ضوء عمليات التأثير التي تمارسها في ألمانيا”.وذكر ماسن أن تركيا تمارس الكثير من أشكال النفوذ على الجالية التركية في ألمانيا، وقال: “هذا يثير قلقي للغاية”.

اتهمت النائبة الالمانية “ميشيل مونتفيرنغ” عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي تركيا بالتجسس عليها، في حديث لها مع الصحافة الالمانية يوم 29 مارس 2017 وقالت، أن الحكومة التركية “تخطت الحدود بكل وضوح”. التحقيقات اكدت بأن جهاز المخابرات التركية يعمل بالتجسس على معارضين اتراك في المانيا وعلى أنصار حركة غولن بالتصنت على الهواتف والمراقبة بالكاميرات.

وتنشط أعمال الاستخبارات التركية في ألمانيا لتشمل اعمال التجسس اكثر من 300 شخص و200 مدرسة وغيرها من النوادي، بعض التقديرات لاهداف الاستخبارات الالمانية تشير الى اكثر من الفي هدف. ماعدا عمليات التجسس فقد سبق ان قدم رئيس الاستخبارات التركية بتسليم قوائم لرئيس الاستخبارات الألمانية وطالب بالحصول على دعم، اي بمراقبة اهداف لصالح الاستخبارات التركية !

اين يتواجد عملاء الاستخبارات التركية في المانيا

يقول خبير الاستخبارات الالماني “شميت إينبوم”، باحث في شؤون أجهزة الاستخبارات ورئيس معهد أبحاث سياسات السلام،أن يخضع أتراك معارضون في ألمانيا للمراقبة فهذا ليس بالجديد. فقد كان حزب العمال الكردستاني المجموعة الأولى التي تم استهدافها. ويضيف شميت إينبوم بأن هناك عملاء يجلسون عادة في مكاتب الأسفار التركية لمراقبة حركة السفر أو داخل بنوك لمراقبة حركة تحويل الأموال من ألمانيا إلى تركيا. كما إنهم يوجدون في النوادي التابعة للمساجد، وعبر المدارس نشهد مجددا محاولة توظيف الأتراك في الخارج لخدمة جهاز الاستخبارات التركية.

وسبق ان مثل أمام المحكمة بمدينة كوبلنز غربي ألمانيا  يوم 9 سبتمبر 2015 ثلاثة أشخاص بتهمة التجسس لصالح المخابرات التركية ضد معارضين سياسيين يقيمون في ألمانيا. وذكر تقرير إعلامي أن أحد المتهمين كان مستشارا سابقا للرئيس رجب طيب أردوغان. التحقيقات الصادرة عن صحيفة “زود دويتشه تسايتونغ” وقناتي NDR وWDR   اكدت، أن المخابرات التركية تجسست على نطاق واسع على أشخاص داخل ألمانيا، يشتبه بأنهم من مؤيدي حركة غولن.

ردود افعال المانيا

ـ اكدت وكالة المخابرات الداخلية الألمانية الالمانية يوم 8 مارس 2017، بإن هناك زيادة كبيرة في التجسس التركي في ألمانيا، مع تصاعد التوترات داخل تركيا قبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية .

ـ  أعلن المدعي العام الاتحادي الالماني عن تحقيق في يناير2017 ، حول احتمال وجود نشاط تجسسي لرجال دين أرسلتهم أنقرة إلى ألمانيا. كما أبدى رئيس وكالة الاستخبارات الداخلية الألمانية هانز جورج ماسين، قلقه إزاء التوترات بين الأتراك اليمينيين وأنصار “حزب العمال الكردستاني” في ألمانيا. وكذلك حذر ماسين، من أن ألمانيا لن تتسامح مع عمليات المخابرات التركية داخل حدودها.

ـ دعا هانز كريستيان شتروبله عضو اللجنة المعنية بمراقبة أجهزة الاستخبارات الأجنبية، إلى طرد عملاء الاستخبارات التركية من الأراضي الألمانية، بعد تسرب معلومات عن نشاطهم داخل البلد. وكشف شتروبله عن معلومات جديدة، بامتلاك تركيا نحو 800 ضابط في أوروبا الغربية، غالبيتهم مقيمة في ألمانيا. واستخدام، ضابط او عميل، فان هذا الرقم يعتبر رقما كبيرا، فألحديث لم يعد عن مصادر معلومات بقدر، عن عمل كادر الاستخبارات التركية في المانيا ودول اوروبا.

ـ دعت لجنة الرقابة في البرلمان الألماني (يوندستاغ) إلى الكشف عن معلومات بشأن الأنشطة التي تقوم بها الاستخبارات التركية داخل ألمانيا. ويعتزم هانز- كريستيان شتروبله، عضو اللجنة المعنية بمراقبة الأجهزة الاستخباراتية، وضع هذا الموضوع على جدول أعمال لجنة الرقابة بالبرلمان الألماني. ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن هذا السياسي الألماني أنه من الضروري أن تفحص الاستخبارات الداخلية الألمانية والاستخبارات الخارجية الألمانية والشرطة تعاونها مع تركيا “وإلا ستتعرض لخطر أن تصبح مشاركة في المسؤولية الجنائية عند وقوع أحداث إجرامية”.

ومن جانبه قال رئيس لجنة الرقابة البرلمانية كليمنس بينينغر المنتمي لحزب المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) في تصريحات للصحيفة ذاتها إن اللجنة سوف تهتم بفحص التعاون الثنائي بين أجهزة البلدين.

التعاون الاستخباراتي بين المانيا وتركيا لا يزال قائما

صرح رئيس المكتب الاتحادي لحماية الدستور (الاستخبارات الداخلية في ألمانيا) يوم 26 مارس2017 بأن الاستخبارات التركية والألمانية لا يزالا يتعاونان مع بعضهما البعض على نحو وثيق في مكافحة الإرهاب، على الرغم من تصاعدة الازمة بين البلدين . وحسب وكالة (د.ب.أ) قال هانز جورج ماسن في تصريحات خاصة لصحيفة “فيلت أم زونتاج” الألمانية الأسبوعية: “إن الأجهزة هناك (في تركيا) شركاء مهمون فيما يتعلق بسورية والعراق وكذلك بالنسبة لتحركات سفر إسلاميين أوروبيين إلى هذه المنطقة وعودتهم منها”. وشدد ماسن على ضرورة استمرار التواصل على المستوى الاستخباراتي، حتى إذا ضاقت قنوات الاتصال السياسية. وفي الوقت ذاته أشار رئيس الاستخبارات الداخلية بألمانيا إلى أن السلطات الألمانية يمكنها إدراك أن وكالة الاستخبارات الوطنية التركية “إم أي تي” تتصرف في ألمانيا “خارج نطاق سلطاتها”.

الموساد مشغول بتأهيل الاستخبارات التركية

صرح “رومن بوتكيف” نائب رئيس حزب “أ.ب. و” البلغاري على حسابه الشخصي على تويتر عام 2016،  نقلا عن مصادر مطلعة في جهاز الإستخبارات التركي “MIT” “ميت”: بعد لقاء جمع رئيس الموساد (يوسي کوهن) ونائب وزير الخارجية التركي بصورة سرية في السويد، إزداد توافد الضباط الإسرائيليين نحو المطارات التركية وان اسرائيل مشغولة بتأهيل تركيا امنياً. وتطور جهاز الاستخبارات التركية بنسبة 7% في سنة 2016 من الناحيتين البنيوية وطاقم العمل وهذا التطور يندرج ضمن التوصيات نفذت بمشورة الموساد. وأضاف “بوتكيف”: نتيجة لهذه العمليات ستزداد اراقة الدماء والإنفجارات وستقوى تركيا من الناحية الأمنية. وكشفت النقاب، عن لقاء تم بين رئيس جهاز الموساد الإسرائيليّ يوسي كوهين ورئيس جهاز الاستخبارات التركي هاكان فيدان، لبحث أنشطة حركة حماس في تركيا.

النتائج

ـ وقعت الاستخباراتالالمانية بفخ الاستخبارات التركية، باعلانها قائمة الاهداف من شخصيات ومنشأت داخل المانيا سلمتها الاستخبارات التركية لها خلال اجتماع ميونخ للامن يناير 2017. ويكمن الخطأ: ان الاستخبارت التركية ارادت فعلا من تسريب المعلومات عبر الاستخبارات الالمانية  الى اهدافها داخل المانيا، وهي نجحت في ذلك لتحقيق مايلي:

اولا ـ  تحييد تلك الاهداف، عن تحقيق نشاطاتها المعارضة للحكومة التركية، هذا النوع من الاساليب ينفذ ضد اهداف ربما تكون عصية او صعبة على اجهزة الاستخبارات عامة، وهنا ينطبق على الاستخبارات التركية، اي انه رغم كثافة شبكة عملاء اجهزة الاستخبارات التركية في المانيا، الا انها عجزت عن تحقيق اهدافها  داخل المانيا، ربما يعود الى :

الحماية القانونية التي تتمتع بها المعارضة والافراد داخل المانيا.
قوة المعارضة التركية في الخارج، خصوصا المانيا.

ثانيا ـ ان تسريب الاستخبارات التركية المعلومات عبر الاستخبارات الالمانية، يبعث رسالة الى المعارضة، بانها موجودة، وقريبة منها، وانها تتعاون حتى مع الاستخبارات الالمانية بمتابعتها، وهذا يدفع المعارضة الى الشعور بانها ايضا متابعة من قبل الاستخبارات الالمانية في عقر دارها.

ثالثا ـ اثارة الخوف وعدم الثقة داخل المعارضة التركية في المانية.

رابعا ـ اثارة الشكوك حول جهاز الاستخبارات الالمانية، وهذا ماكشفته تصريحات المسؤولين في البرلمان الالماني التي طالبت بمراجعة ملف تعاون الاستخبارات الالمانية والتركية. مخاوف البرلمان تاتي تحسبا من تقديم الاستخبارات الالمانية تنازلات الى الاستخبارات التركية، بتقديم معلومات حول المعاارضة التركية مقابل تنفيذ الاتفاق الاوروبي التركي حول اللاجئين.

ـ ان استمرار التمثيل الاستخباراتي بين البلدين، اي وجود ممثل لجهاز الاستخبارات لكلا البلدين، وعادة التمثيل يختزل بالاستخبارات الخارجية للدول اكثر من الاستخبارات الداخلية، تكون مهامه تبادل المعلومات الاستخباراتية بين البلدين، وهذا مايحصل مابين المانيا وتركيا، رغم تصاعد الازمة السياسية. هذه الحقيقة تعكس، اهمية بل حاجة البلدين باستمرار التعاون والحصول على المعلومات.

ـ ماتحتاجه المانيا من تركيا الكثير من المهام، ابرزها تحرك المقاتلين الاجانب مابين اوروبا، وتركيا بالتداخل مع سوريا والعراق، وقضية تدفق المهاجرين غير الشرعيين، اضافة الى وجود قاعدة انجرليك في تركيا، التي تبقى المانيا بحاجة لها لتعزيز تواجدها داخل دول التحالف الدولي.

ـ ماتحتاج تركيا من المانيا، معلومات حول حزب العمال التركي وجماعة “غولن”الاسلامية والمعارضة التركي، بالاضافة الى معلومات التسلح وتقنية التجسس الفني.

ـ ان دور الموساد بالتدخل في شؤون الدول الاوروبية كان ومازال واضحا، وتعتبر الاستخبارات الفرنسية، نموذج لضحايا الموساد، ويبرز جهود الموساد اكثر بالتزامن مع مواقف دول اوروبا من سياسات اسرائيل في موضوع الاستيطان وانتهاكات حقوق الانسان ضد المدنيين الفلسطينين في الاراضي المحتلة. مايحصل في المانيا، من المرجح ان يكون للموساد دورا باعادة تأهيل الاستخبارات التركية وعملها في المانيا، والاساءة الى العلاقة مابين البلدين، والذي ينتج منها، تهديدات امن اوروبا واشغالها في موضوعات الامن اكثر من قضايا السياسة الخارجية، فليس مستبعد ان مايحصل بين تركيا والمانيا هو ضمن سياسة الموساد.

الاستخبارات، هي الحكومة الخفية، وماتقوم به من خطط واستراتيجيات، ليس بالضبط ان يتماشى مع تصريحات السياسيين والدبلوماسية، وممكا اعتماد نموذج العلاقات الالمانية التركية في مجال الاستخبارت مثالا على ذلك. بات متوقعا، ان العلاقات السياسية مابين البلدين سوف تشهد تصاعدا حادا اكثر،يستدعي مراجعة التعاون الاستخباراتي بين البلدين، رغم وجود اتفاقية امنية بين البلدين.

راب مختصر…. https://www.europarabct.com/?p=30438

رابط موضوع ذي علاقة : ماذا تبحث الإستخبارات التركية في المانيا ؟

https://www.europarabct.com/?p=26281

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق