دراساتمكافحة الإرهاب

هل نجحت #المانيا بالتعامل مع #التهديدات_الارهابية؟

خطر الإرهاب في ألمانيا.. هل زاد كما ونوعا فعلا؟

حسن ع. حسين

عمليات مداهمة هنا واعتقالات هناك: أجهزة الأمن الألمانية تكثف تحرياتها في عموم البلاد، أحدثها عملية قامت خلالها باعتقال مشتبه به تونسي في ولاية هيسن، فيما يشهد التعاون الأمني في أوروبا تحسنا ملحوظا، فما دلالات ذلك؟

اعتقلت السلطات الألمانية في ولاية هيسن الأربعاء (الأول من شباط/ فبراير 2017) شخصا تونسيا (36 عاما) يشتبه بأنه يجند أفرادا لصالح ما يعرف بتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في ألمانيا، ويبني شبكة من المؤيدين بهدف تنفيذ هجوم إرهابي في ألمانيا. كما أن هذا الشخص نفسه مطلوب في بلاده (تونس)  بتهمة المشاركة في الهجوم الإرهابي على متحف  باردو قرب تونس العاصمة، أوقع 21 قتيلا من السياح وعنصرا أمنيا.
وقبل ذلك، وخلال الأسبوع الماضي تم اعتقال شخص آخر في ولاية شمال الراين-ويستفاليا للاشتباه في التخطيط لعمل إرهابي وذلك بعد أن اعتقلت السلطات النمساوية شابا قيل عنه إنه كان يخطط لاعتداء في النمسا في مراحل متقدمة.

لكن الادعاء العام الاتحادي الألماني أعلن أن السلطات لم تعثر على أدلة على خطط لتنفيذ هجوم إرهابي وشيك في ألمانيا، خلال الحملة الأمنية التي شنتها السلطات في ولاية هيسن الألمانية. وقال المدعي العام في مدينة فيسبادن ألكسندر بادله، إنه وفقا للمعلومات الحالية لا توجد أدلة محددة لهجوم إرهابي في ألمانيا.
وإذا كان الأمر هكذا، كما أعلن المدعي العام الاتحادي، فكيف يمكن قراءة حملات المداهمة التي شهدتها مدن ألمانية مختلفة خلال الفترة المنصرمة؟ وهل هي أنباء سارة تشير إلى يقظة الأجهزة الأمنية، تعبر عنها بسرعة التحرك لإحباط مخططات إرهابية؟

هولغر شميدت، الخبير في شؤون الإرهاب بالقناة الأولى بالتلفزيون الألماني (ARD)، يحاول الإجابة على هذه الأسئلة خلال حوار أجرته معه DW عربية قائلا: “لا أعتقد أنها أنباء سارة، لأن ذلك يظهر مدى جدية المخاطر المحدقة بالبلاد، خصوصا فيما يتعلق بنوعية المخاطر التي تهدد ألمانيا. فقد أظهر اعتداء برلين في التاسع عشر من شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي أن خطر الإرهاب في البلاد واقعي وجدي بشكل ملموس.”

وهو أمر كشفته التحريات المتسارعة وعمليات المداهمة المتكررة، التي أمر المدعي العام الاتحادي بالقيام بها. فخلال شهر واحد أصدر المدعي العام الاتحادي الكثير من البيانات الصحفية بشأن التحقيقات، التي جرت والتي تجري حاليا، تجاوز عددها ما يصدره المدعي العام الاتحادي خلال ثلاثة أشهر في الظروف الاعتيادية.

“اعتداء برلين ربما يلهم آخرين”

لكن، ألا يولد ذلك انطباعا بأن حجم المخاطر الإرهابية قد زادت فعلا؟ خصوصا بعد اعتداء برلين؟ عن ذلك يقول الخبير شميدت: “قبل كل شيء لابد من الإشارة إلى أن حجم المخاطر قد ارتفع فعلا مقارنة مع الأعوام السابقة.” ويتابع  في حواره مع DW عربية  “إذا نظرنا إلى عامي 2006 و2007 كان هناك اعتداءان كبيران شغلا بال الرأي العام إلى جانب اهتمام الأجهزة الأمنية بالأمر. ففي عام 2006 كانت هناك محاولة لاعتداء فيما عرف باسم “قنبلة الحقيبة”، أما في العام التالي فكانت قضية ما سمي آنذاك “بمجموعة زاورلاند”  والتي لفتت الانتباه إلى ما مدى جدية مخاطر الإرهاب في البلاد.”

ولكن كان عدد المتورطين في القضيتين قليلا ولا يتجاوز عدد أصابع اليد. لكننا اليوم نقف أمام العشرات من المشتبه بهم، إن لم نقل المئات. ويشير شميدت إلى أن اعتداء برلين الأخير بحد ذاته والذي يشتبه أن يكون التونسي أنيس عامري قد نفذه “ربما يكون ألهم بعض الجهاديين للقيام بأعمال مماثلة”، ويوضح شميت أنه يجب تناول المشهد بالشكل التالي: البعض من الجهاديين أو من يتم تجنيدهم للقيام باعتداءات يلاحظون مدى “سهولة” تنفيذ اعتداء في البلاد وتحقيق “نجاح” مرتبط بذلك. أي أن اعتداء برلين أظهر للبعض مدى التأثير الكبير لمثل هذه الاعتداءات، حسب تعبيره.

تأثير هزيمة داعش في الشرق الأوسط

فهل يعود سبب زيادة حجم المخاطر الإرهابية إلى الهزائم التي مني بها تنظيم داعش في الشرق الأوسط ومحاولة البحث عن بدائل لإثبات حضوره؟ على الأقل على صفحات الجرائد وتصدر نشرات الأخبار العالمية؟
الخبير شميدت لا يربط بين الإخفاقات العسكرية لتنظيم داعش في الشرق الأوسط وبين زيادة حجم المخاطر في أوروبا عموما وفي ألمانيا خصوصا ويقول في هذا السياق: ” فكرة تجنيد أشخاص للقيام بأعمال إرهابية في دول العالم قديمة وقائمة حتى قبل ظهور تنظيم ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية”، فقد حاول تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن والجماعات التي انضمت إليه وتنظيمات أخرى إقامة علاقات مع أشخاص وجماعات تعمل ذاتيا وبشكل مستقل عن قيادات موجودة خارج مناطق تأثيرهم.”
ويتابع الخبير الألماني “فقد اكتشفت الجماعات الإرهابية مدى خطورة توجيه الخلايا الإرهابية “مركزيا”، حيث أن كل تحركاتهم باتت تحت مراقبة مكثفة وقوية لا يفلت منها شيء”. لذلك تعتمد الجماعات الإرهابية سياسة التوجيه العام للعمل الإرهابي من خلال “وضع إطار إيديولوجي لنوعية العمل وسبل تنفيذه والأهداف المرجوة منه، لكن موعد التنفيذ وطريقة التنفيذ واختيار الأهداف يتم تركه للأشخاص أو الجماعات التي تتمتع باستقلال ذاتي، إن صح التعبير”. وأظهرت الأحداث أن هذه الطريقة في العمل الإرهابي كانت “فاعلة وضعت الإرهابيين على صدارة الاهتمام الإعلامي والأمني ووضعت الأجهزة الأمنية أمام صعوبات معقدة”، كما يشير إلى ذلك هولغر شميدت.

تعامل عقلاني مع الخطر الإرهابي

من جانب آخر تشير الدلائل إلى تغيير كبير قد حدث فيما يخص وعي وإدراك المواطنين في التعامل مع الخطر الإرهابي. في هذا السياق يقول الخبير شميدت: “لست متأكدا تماما كم تغيرت طبيعة إدراك الناس لحجم المخاطر في ألمانيا، لكن المعلوم أن المواطنين كانوا يدركون دوما وبشكل واقعي حجم المخاطر وأنه يمكن أن يحدث في ألمانيا ما حدث في فرنسا وبلجيكا مثلا”، فقد أكدت أحداث عام 2016 تلك التوقعات وتعاملت معها وسائل الإعلام بشكل مكثف، فيما أظهر المواطنون قدرا كبيرا من التحمل والحفاظ على الهدوء والتعامل مع ظاهرة الإرهاب بشكل عقلاني يتجاوب مع متطلبات حالات الطوارئ أو ما شابه ذلك، هذا ما أثبتها أحداث بفاريا سواء في ميونيخ أو فورتسبورغ كما يرى الخبير هولغر شميدت.

التعاون الأمني الأوروبي بين النجاحات والإخفاقات

يعتقد البعض أن عمليات المداهمة والاعتقالات في ألمانيا وفي النمسا مؤخرا تعود بشكل كبير إلى تفعيل التعاون الأوروبي وتكثيفه في المجال الأمني، فهل جرى تغيير فعلي في هذا المجال؟
في هذا السياق يقول الخبير الألماني هولغر شميدت “إن الأجهزة الأمنية الأوروبية تعلم منذ زمن بعيد مدى قيمة نعمة التعاون الأمني بين أجهزة الدول المختلفة. وفي الوقت الذي نتحدث فيه عن تحقيق انجازات ونجاحات، نسجل أيضا إخفاقات في هذا المجل أو تلكؤ، إن جاز التعبير”. ويضيف شميدت “فلنأخذ مثلا ما حدث مؤخرا في النمسا عندما تم إلقاء القبض على شاب يشتبه بتخطيطه لاعتداء، ففي صباح ذلك اليوم تم إبلاغ الجهات الألمانية الأمنية بالخبر وبعد حوالي ساعتين تحركت الأجهزة الأمنية وداهمت بيوتا يشتبه بوجود راديكاليين مفترضين فيها وتم القبض على شخص كان على صلة بالشاب المحتجز في النمسا”. هنا يلاحظ سرعة التعامل مع المخاطر الأمنية على المستوى الأوروبي، وكم هو نافع ومجد عندما يتم التعامل مع المخاطر بهذه السرعة الفائقة، كما يعتقد شميدت.
ولكن إذا ألقينا نظرة على حادث مقتل أنيس عامري في ميلانو الإيطالية نلاحظ بطء التعامل الأوروبي مع الحادث، فقد استغرق ساعات طويلة للربط فعلا بين حادث برلين وبين عامري الذي قتل في منتصف الليل في ميلانو، وتم إبلاغ الجهات الأمنية في ألمانيا خلال ساعات ما بعد ظهر اليوم التالي، حسب رواية الخبير شميدت.

العمل الإرهابي يهدف إلى تسميم أجواء المجتمع

لكن الإرهاب كان يهدف دائما إلى دق الإسفين بين أفراد المجتمع الألماني واللاجئين، الذين استقبلتهم ألمانيا في العامين الماضيين، فهل نجح في ذلك؟ وكيف تعاملت وسائل الإعلام مع هذا الملف الشائك؟
يعتقد هولغر شميدت أن النقاش الذي جرى ويجري في هذا الخصوص تم عموما بشكل عقلاني ويقول: “لقد عبرت في الماضي وقبل اعتداء برلين عن مخاوفي من أن يتم وضع المسلمين عموما في دائرة الاشتباه العام إذا ما حدث اعتداء إرهابي، لكن حادث برلين اقنعي بشكل جلي أن وسائل الإعلام والرأي العام في ألمانيا قد تعاملت بشكل يثير الارتياح في هذا الشأن. إذ تم التعامل مع خطر الإرهاب بشكل عقلاني ومسؤول ولم يتم تعميم الاشتباه بعموم المسلمين أو اللاجئين في البلاد.
حسن ع. حسينDW
http://dw.com/p/2WoYL

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق