المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مفاوضات أوكرانيا ـ هل دخلت مرحلة الجمود؟
يقول دبلوماسيون ومحللون إنه مع اقتراب حرب أوكرانيا من الذكرى السنوية الرابعة، فإن الصراع يتسم بشكل متزايد بمواقف متشددة وقيود هيكلية لا تترك مجالا يذكر لتحقيق اختراق تفاوضي. أكد الخبراء إن العقبة الرئيسية أمام إحراز تقدم في حل أكبر حرب برية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية لا تكمن في غياب المشاركة الدبلوماسية، بل في عدم رغبة موسكو في إعادة النظر في أهدافها الحربية. يوضح كورت فولكر، الذي شغل منصب الممثل الخاص للولايات المتحدة لشؤون أوكرانيا خلال الإدارة الأولى لدونالد ترامب، إن روسيا “لا تتفاوض بحسن نية” وليس لديها “رغبة في إنهاء الحرب” في ظل الظروف الحالية. “هذه المفاوضات لن تصل إلى أي نتيجة”.
يرى فولكر أن إجراء محادثات جادة بشأن وقف إطلاق النار أو تسوية سياسية يتطلب تحولا جذريا في دوافع الكرملين، مثل تكثيف الضغط الدولي أو تقليل القدرة على دعم العمليات العسكرية. كما يرى فولكر أن هيكل المحادثات يأتي في المرتبة الثانية بعد مضمونها. وقال: “لا يهم الشكل، المهم هو المضمون”، مشيرا إلى أن واشنطن قد تسعى لتغيير حسابات موسكو من خلال أدوات مثل العقوبات الثانوية أو زيادة شحنات الأسلحة إلى أوكرانيا، وهي خطوات يعتقد أنها لم تستغل بالكامل بعد.
الانقسام بين كييف وموسكو يعكس الأسباب الكامنة وراء الحرب
يقول جيمس جيلمور، الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في عهد ترامب، إن الانقسام العميق بين كييف وموسكو يعكس الأسباب الكامنة وراء الحرب. تسعى روسيا إلى الاحتفاظ بالأراضي التي استولت عليها واكتساب أراض لا تزال أوكرانيا تسيطر عليها، بينما تقاتل أوكرانيا من أجل بقائها كدولة ذات سيادة. وتابع: “في رأيي، أهداف روسيا وأوكرانيا متعارضة تماما لدرجة أنه من غير الواقعي توقع حدوث اختراق”. رفض الاقتراحات التي تدعو كييف إلى التنازل عن أراض كجزء من ترتيبات السلام، واصفا هذه التنازلات بأنها “ليست أساسا جيدا لإنهاء الصراع”، ومؤكدا أن التهديد الروسي لا يزال العائق الرئيسي أمام التوصل إلى تسوية دائمة. أكد المسؤولان السابقان إنه ينبغي توجيه المزيد من الضغط إلى موسكو بدلا من كييف إذا ما أريد تهيئة الظروف لدبلوماسية جادة. ووصف فولكر أدوات السياسة الأمريكية بأنها غير مستغلة بالشكل الأمثل، بينما قال جيلمور إن روسيا لم تواجه بعد حوافز كافية لإعادة النظر في أهدافها.
الدبلوماسية المتعثرة
أكدت الجهود الأخيرة التي رعتها الولايات المتحدة على حالة الجمود. فقد فشلت المحادثات التي عقدت في جنيف فبراير 2026 في تضييق الخلافات حول الأراضي والضمانات الأمنية. قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن المفاوضين العسكريين اتفقوا على آليات محتملة لمراقبة وقف إطلاق النار في حال تحققت الإرادة السياسية. لكن الخلافات السياسية الجوهرية، ولا سيما المطالب الإقليمية الروسية، لا تزال دون حل. وصف المفاوض الروسي الرئيسي، فلاديمير ميدينسكي، المناقشات بأنها “صعبة ولكنها عملية”. في غضون ذلك، هاجم زيلينسكي بشدة، مشيرا إلى أن ميدينسكي، وهو مؤرخ تنقيحي ووزير ثقافة سابق، قد أدخل نوعا من التفسير المتنازع عليه للتاريخ في المحادثات.
واتفق الطرفان فقط على مواصلة المحادثات، دون الإعلان عن موعد للجولة التالية. وفي الوقت نفسه، تسلط الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة الروسية المستمرة على البنية التحتية الأوكرانية الضوء على الفجوة بين المناقشات الدبلوماسية والواقع على أرض المعركة.
القيود الهيكلية
وبعيدا عن المأزق السياسي المباشر، يشير بعض المحللين إلى عوامل هيكلية طويلة الأجل تشكل كلا من الحرب وآفاق السلام. يقول جورج بيبي، المتخصص السابق في شؤون روسيا لدى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والذي يشغل حاليا منصب مدير الاستراتيجية الكبرى في معهد كوينسي، إن تعهدات الغرب بدعم أوكرانيا “طالما استدعى الأمر” تستند إلى افتراضات قد تتلاشى بمرور الوقت. ويقيد انخفاض عدد سكان أوكرانيا ومحدودية قدرتها على إنتاج أسلحة رئيسية، بما في ذلك صواريخ الاعتراض للدفاع الجوي، قدرتها على خوض حرب طويلة الأمد دون التزامات غربية أعمق.
أشار بيبي إلى أنه حتى لو عززت روسيا سيطرتها على الأراضي المحتلة، فإنها ستظل تواجه تحالف الناتو الأكبر والأكثر توحيدا، وهو تحد استراتيجي لا يمكن للمكاسب الميدانية وحدها حله. أشار إلى أن التكاليف المتزايدة على جميع الأطراف قد تخلق في نهاية المطاف حوافز للتوصل إلى حلول وسط. لكنه قال إن أي مفاوضات ستكون على الأرجح طويلة ومعقدة، وتتطلب ترتيبات أمنية مبتكرة، على سبيل المثال، ضمانات مدعومة أوروبيا مصممة لحماية أوكرانيا من أي عدوان مستقبلي دون منحها عضوية في حلف الناتو.
وفي حديثه في منتدى استضافه معهد كوينسي، قدم جون ميرشايمر، من جامعة شيكاغو، وجهة نظر أكثر تشككا. وقال إن إصرار موسكو على حياد أوكرانيا وفرض قيود على القدرات العسكرية لكييف يعكس ما يعتبره الكرملين تهديدا وجوديا من توسع حلف الناتو. وقال ميرشايمر: “بدون تخلي روسيا عن هذه المواقف الأساسية، ستظل المفاوضات ذات المغزى مجرد وهم”.
حساب التفاضل والتكامل في موسكو
يتفق المحللون عموما على أن مسار السلام يتوقف على القرارات المتخذة في موسكو. ويقولون إنه ما لم تغير روسيا مسارها أو تواجه تكاليف متزايدة بشكل حاد، فمن المرجح أن يقتصر التقدم الدبلوماسي على الترتيبات الفنية مثل آليات وقف إطلاق النار المحدودة بدلا من التسوية السياسية الشاملة اللازمة لإنهاء حرب تستمر خسائرها البشرية ومخاطرها الاستراتيجية في التزايد. وقد نفى مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية، متحدثا شريطة عدم الكشف عن هويته في 20 فبراير 2026، فكرة استنفاد مساحة التوافق. وقال المسؤول: “على الرغم من وضوح التحديات، فإننا لا نزال ملتزمين باستكشاف كل السبل الممكنة. وسيستمر الجهد المبذول لإيجاد أرضية مشتركة، حتى وإن كان التقدم بطيئا وصعبا”.
رابط مختصر… https://www.europarabct.com/?p=115340
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
