هل تعترف اوروبا بدمشق في حيثية مكافحة الارهاب ؟ بقلم صفوان داؤد

هل تعترف اوروبا بدمشق في حيثية مكافحة الارهاب ؟ بقلم صفوان داؤد

إعداد : صفوان داؤد، باحث مختص بالشأن السوري
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

في الوقت الذي تواصل فيه قوات التحالف الدولي لضرب داعش من جهة والجيش السوري وحلفاءه من جهة والجيش العراقي وحلفاءه من الجماعات الشيعية المسلحة،من جهة أخرى زحفها تجاه ما تبقى من جغرافية تواجد تنظيم داعش في سورية والعراق، وتواصل قوى عديدة في ليبيا محاربة هذا التنظيم والسيطرة على أغلب مناطق تواجده، بدأت الخشية من تدفق عناصر من التنظيم إلى بلدان أخرى، وخصوصاً إلى أوروبا.

اليوم اكثر من أي وقت مضى تبدو القارة الأوروبية قلقة من الوضع الامني لما بعد سقوط «تنظيم الدولة الاسلامية», وحادثة جنوب فرنسا التي حصلت خلال شهر مارس 2018في مدينة تريب وادت لمقتل 4 اشخاص هي ليست الاخيرة في سلسلة عميات هذا التنظيم. يعتقد اليوم معظم المسؤولين الامنيين أنّ هزيمة هذا التنظيم بالواقع الجغرافي لاتعني هزيمته من ناحية التأثير الارهابي، حيث بدأت بوادر تحول هذا التنظيم للعمل «السري» تظهر من جديد في بغداد (1) وربما يمتد على شكل عمليات انتقامية في العمق الاوروبي.

بوادر التعاون

“نحن لانرى بديلا شرعيا للأسد في سوريا” (2) في هذه الكلمات عدل الرئيس الفرنسي الحالي لغة التصريحات العدوانية الصريحة التي طالما دأب عليها الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند. وتكررت الاشارات حول امكانية حصول تعاون مع استخبارات النظام السوري اهمها حديث رئيس الاستخبارات الخارجية الألمانية برونو كاهل، الذي أكد على ضرورة الحوار مع الدولة السورية حول مكافحة الإرهاب، وقال أن جهازه “يحاول إجراء اتصالات مع سوريا، الغاية منها تفادي الأضرار الناجمة عن عودة الإرهابيين واستقرارهم في أوروبا”(3).

وبحسب صحيفة دير شبيغل حظيت خطوة نحو دمشق بتأييد “الحزب المسيحي الديمقراطي”، و”الحزب الاشتراكي الديمقراطي” وأحزاب أخرى مثل حزب “البديل لأجل ألمانيا” اليميني(4) الذي قام وفد منه بزيارة مفاجئة لدمشق بداية شهر مارس الفائت(5). وقال رئيس لجنة مراقبة الاستخبارات في البرلمان الألماني أرمين شوستر أن التواصل مع النظام السوري حول الإرهاب هو أمر صحيح, وأشار بأن اللجنة التي يترأسها سوف “تأخذ بعين الاعتبار الحساسية السياسية في تعامل جهاز “بي ان دي” مع نظام الأسد أو غيره من الأنظمة الديكتاتورية الأخرى”.

يذكر انه سبق وان حصل تعاون ناجح مع الحكومة السورية عام 2016 نتج عنه إطلاق سراح صحفية كانت تعمل لدى صحيفة «سوددويتش زيتونغ»(6).
يعود هذا التحول الى اسباب عدة منها تآكل تنظيم داعش ومصير مقاتليها, اذ أن هناك مؤشرات ميدانية واستخباراتية يأتي على رأسها خسارة تنظيم داعش لـ95% من إجمالي الجغرافية التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق وتشتت منظري الشريعة من صفه الاول وانهيار البنية الادارية المركزية له, اضافة إلى فقدان غالبية موارده المالية.

ويبدو ان موضوع المقاتلين الذين يحملون الجنسيات الاوربية المنضوين ضمن التنظيمات الاسلامية المتشددة في سوريا قد اصبح ضاغطاً جداً على الاجهزة الامنية في اوروبا خاصة منذ سقوط الموصل في العراق والرقة في سوريا, ويقدر عددهم بنحو 5000 مقاتل منهم نحو 650 يحملون الجنسية الالمانية(7), وحوالى 700 يحملون الجنسية الفرنسية عاد منهم 271 ارهابي بحسب تصريح وزير الداخلية الفرنسي جيرار كولوم لصحيفة دو ديمانش(8), وهو عدد كبير ويشكل خطر امني جدي في اوروبا التي عانت من عدة عمليات ارهابية العامين الماضيين.

ويشير تكرار الحوادث الارهابية في دول الاتحاد الاوربي كما حصل في برشلونة وجنوب فرنسا الى بقاء الخطر قائماً. ومن البديهي ان تلك العناصر الارهابية مهما كانت جنسيتها يمكن ان تضرب في اي مكان, كما ان الضحايا قد يكونوا من جنسيات مختلفة, حيث في اعتداء برشلونة مثلا كان هناك اكثر من 20 فرنسيا من بين المصابين.

من هنا تجد دولا فاعلة في الاتحاد الاوروبي مثل المانيا وفرنسا مضطرة الى مراجعة سياساتها الخارجية نحو الشرق الاوسط عموماً وسوريا خصوصاً لأسباب عدة, منها موضوع مصير العناصر الارهابية الذي يبقى عصيا عن الحل في المدى المنظور.

مهما يكن, الاتصالات بين اجهزة الاستخبارات حاضرة دائماً عند اي ظرف امني خطير, لذلك ليس من المستغرب ان تحصل اتصالات بين الحكومة السورية واجهزة استخبارات غربية.

ونعتقد بأن المشكلة لاتكمن في تجاوب الاجهزة السورية بقدر التقييد الحاصل على الاستخبارات الغربية من قبل مؤسساتها السياسية, ونعتقد ان التعاون الامني بين الطرفين هو شيء ايجابي ويحقق مصالح الطرفين, خاصة اذ كان هناك احتمالية سقوط ضحايا مدنيين جراء الاعتداءات الارهابية وهذا وارد في اي لحظة.

انّ معظم التطورات الخاصة بملف الإرهاب ومرحلة ما بعد تنظيم داعش في العراق وسورية وليبيا، بات فعلياً يهدّد المنظومة الامنية الأوروبية، ويؤكد أنّ الغرب بدأ يستشعر خطورة عودة هذا الإرهاب إلى أراضيه، والمرحلة المقبلة ستشهد بشكل مؤكد تطورات مهمة ودراماتيكية في ملف مرحلة ما بعد سقوط خلافة التنظيم، والنتائج الناجمة عن هذه المرحلة قد تكون تعاون اكبر مع الاجهزة الامنية السورية.

الهوامش

(1): تشير بعض التقارير الى مقتل 150 الى 200 عنصر امني عراقي على يد «تنظيم الدولة» منذ سقوط الموصل العام الماضي.
(2): ” الرئيس الفرنسي لا يرى بديلا شرعيا للأسد في سوريا”. وكالة رويترز, 21 يونيو 2017.
http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN19C2E5
(3): ” الاستخبارات الألمانية: حان الوقت للحوار مع الأسد”, تلفزيون الميادين, 21 فبراير 2018
(4): أنظر:
“Soll der BND mit dem Assad-Regime redden”, Der Tagesspiegel, 19 Feb. 2018
https://www.tagesspiegel.de/politik/kampf-gegen-den-terror-soll-der-bnd-mit-dem-assad-regime-reden/20978902.html
(5): اعتبر تلفزيون دوتشة الالماني بأن “الصورة “الوردية عن الوضع في سوريا تخدم بالأساس موقف الحزب الشعبوي المناوئ للمهاجرين الذي يطالب تصنيف سوريا دولة “آمنة”, حتى يتسنى ترحيل آلاف اللاجئين السوريين من ألمانيا إلى بلادهم”. تلفزيون دويتشة. http://p.dw.com/p/2tncY
(6): ” تحرير صحفية ألمانية ووليدها من الاختطاف في سوريا”, تلفزيون بي بي سي, 29 سبتمبر 2016
(7): الرقم بحسب تصريح وزير الداخلية الالماني توماس ميزايير لمحطة ZDF-Sendung بتاريخ 6 مارس 2015.
(8): أنظر:
Collomb sur les Français de retour de Syrie et d’Irak : “Nous en sommes à 217 majeurs et 54 mineurs”. Le journal du Dimanche, 6 aout. 2017.

http://www.lejdd.fr/politique/collomb-sur-les-francais-de-retour-de-syrie-et-dirak-nous-en-sommes-a-217-majeurs-et-54-mineurs-3404645

 

رابط مختصر  https://wp.me/p8HDP0-bAR

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الباحث صفوان داؤد

شارك المقال
Share on Facebook
Facebook
Share on Google+
Google+
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
اخر المقالات