دراسات

هل تستغل أيران الشرط الكردي في الشمال السوري

018725301 30300 copyهل  تستغل ايران الشرط الكردي في الشمال السوري
بقلم ـ صفوان داؤد
ألمركز الأوربي العربي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبار

لم تزل الولايات المتحدة منذ أن اصبحت اللاعب الاكبر بعد الحرب العالمية الثانية تدير النزاعات في الشرق الاوسط. لكن مع بروز ايران كقوة اقليمية وبروز “تنظيم الدولة الاسلامية في الشام والعراق” كقوة أصولية عابرة للدول, بدا المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة أنه يواجه تحديات حقيقية.
يشكل الوضع في سوريا تحدياً حقيقياً للنظام العالمي والاقليمي العربي, لكن بشكل مستمر دأبت الإدارة الأمريكية إلى عدم التدخّل المباشر. بالمقابل، بقي حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الاوسط بشكل خاص المملكة العربية السعودية وتركيا على هامش من التحرك تجانب فيه القرارات الاميركية، وتستثمر من خلاله تدخل صريح في الازمة السورية لمنع تمادي ايران للسيطرة على المشرق العربي. ونستطيع أن نفسر أن عدم وجود رؤية اميركية واضحة لمستقبل سوريا, الى أنها لاتعود الى توافقات ضمنية, او اي شكل من أشكال التعاون مع ايران لإدارة المنطقة, وإنما الى الطبيعة البراغماتية البحتة للسياسة الاميركية. وأخذها بعين الاعتبار بقرار ذاتي مصالح روسيا، التي تَعتبر دمشق حليفاً أساسيّاً لها في المنطقة.

التقاطعات الكردية:

تسيطر على الجانب السوري من الحدود التركية الممتدة على طول حوالى 900 كم، عدد من الجهات الفاعلة بما فيها «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش), و«جيش الفتح», الذي تهيمن عليه «جبهة النصرة». و«حزب الاتحاد الديمقراطي» أهم حزب كردي في سوريا والمعروف بدوره النافذ في هذه المنطقة وهو النظير السوري من حزب العمال الكردستاني في تركيا. وماتزال المعارك العسكرية مستمرة بين التنظيمات الكردية المُمثلة بشكل رئيسي بوحدات «حماية الشعب الكردي» مع «تنظيم الدولة الاسلامية», ويشكل هذا الأخير خطر وجودي حقيقي على التركيبة القومية والاثنية الموجودة حالياً. لكن تبقى للديموغرافيا في اقصى الشمال السوري الدور الحاسم في تطور الاحداث مع الكثافة الكردية العالية فيه.
حالياً يسيطر «حزب الاتحاد الديمقراطي» على ثلاثة قطاعات معزولة في سوريا، هي منطقة عفرين في شمال غرب البلاد, ومدينة كوباني (عين العرب) في شمال-وسط سوريا, ثم منطقة الجزيرة في شمال شرق البلاد. وفي ايار مايو الماضي، استولى «حزب الاتحاد الديمقراطي», بمساعدة الغارات “التحالف الدولي ضد داعش”, على مساحة تقرب من 100كم2 من الأراضي الواقعة تحت سيطرة «تنظيم الدولة الاسلامية» بين قطاعي الجزيرة وكوباني, وهو حالياً يقيم حكم ادارة ذاتية على منطقة في الشمال السوري تبلغ مساحتها تقريباً 40 الف كم2. وتخشى تركيا الآن من أن يقرّر الحزب الربط بين القطاعات الثلاثة, بمساعدة ايران والنظام السوري, من خلال التحرّك أكثر نحو الغرب السوري والاستيلاء على مساحات جغرافية بين مدينتي إعزاز وجرابلس.

من المعلوم أن المكون الكردي المُمثَل بالمجلس السياسي الكردي في سوريا هو الاكثر خبرة واستعداداً في مواجهات عسكرية وصياغة توازنات مطلوبة لمثل هكذا وضع عسكري في الشمال، بحكم علاقته مع النظام السوري, و«حزب العمال الكردستاني» في تركيا, وأيضاً المكونات الكردية الفاعلة في كردستان العراق. ويتكون المجلس السياسي الكردي في سوريا من 8 احزاب كردية هي: «حزب آزادي», «الحزب اليساري الكردي», «الحزب الديمقراطي الكردي», «الحزب الديمقراطي الكردي» (البارتي) جناح الدكتور عبد الحكيم بشار, «الحزب الديمقراطي الكردي» (البارتي) جناح نصر الدين ابراهيم, «حزب اليكيتي الكردي», «الحزب الوطني الديمقراطي الكردي», «حزب المساواة الديمقراطي الكردي» في سوريا. يعتبر حالياً «المجلس السياسي الكردي في سوريا» الممثل الأوسع للأكراد في سوريا وعلاقاتهم قوية مع اخوتهم على طرفي الحدود مع تركيا والعراق. لذلك يبدو الأكراد الأتراك متحمسون الى التطورات خارج الحدود التركية؛ فالأكراد في العراق يديرون شؤونهم داخل «حكومة إقليم كردستان» شبه المستقلة، ومنذ اندلاع الازمة السورية، أنشأ الأكراد السوريون مناطق مستقلة بحكم الأمر الواقع في الشمال السوري، بدأت بعض مراكز البحوث الاميركية, على سبيل المثال معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى, بتسميتها «كردستان الغربية» أو «روج آفا». 

لكن نشوء مثل هكذا كردستان جديدة ليست بهذه البساطة, ذلك أنه حتى لو كان باستطاعة «حزب الاتحاد الديمقراطي» بسط سيطرته العسكرية على حزام أعزاز- جرابلس بدعم جوي أمريكي، إلا أنه قد يواجه صعوبة في الاحتفاظ بهذه المناطق نظراً للغالبية العربية التي تقطن فيها. وحول هذه النقطة يقول يوسف شيرو وهو صحفي محلي في “ائتلاف ثورة النوروز في سوريا” أنه في حال شنت المجموعات الكردية المسلحة حملة تطهير عرقية, بموافقة ضمنية من ايران, كما حصل في بعض مناطق ريف الحسكة فإنه على الأرجح سينجح الكرد في الاحتفاظ بهذه المناطق. لكن هناك من يرفض بشدة اي اتهامات للاكراد بالتطهير العرقي, إذ قال ريدور خليل المتحدث باسم «وحدات حماية الشعب» الكردية في تصريحات لرويترز “أن الانتصار على داعش في الحسكة ساعد على جذب العرب للانضمام لصفوف الوحدات”, وقال خليل “هناك طلب للانضمام لوحدات حماية الشعب الكردية سواء من الكرد أو العرب أو أي أقلية أخرى”. على العموم في حال حصول اي اتصال جغرافي بين المناطق الكردية فإنه من المفترض أنه سيدفع تركيا الى استباق ما تعتبره طوقاً محتملاً من قبل «حزب العمال الكردستاني» على حدودها الجنوبية, وربما تقوم بعملية عسكرية واسعة النطاق في الشمال السوري.

لقد خلق الخلل الاستراتيجي بين سوريا وتركيا, نفوذ كبير لايران في الصراع في سوريا, وفاتحاً للاكراد فرصة تاريخية وغير مسبوقة للتقدم في مشروعهم القومي, حيث أعطى انسحاب مظاهر الدولة عن مناطق انتشار الاكراد في الشمال السوري, دوراً كبيراً في تكريس هذا الفراغ لصالحهم, واستغلال ذاتي عالي  للتناقضات، واستثمار الدعم الدولي سواء السياسي كان أم العسكري عبر غارات التحالف الدولي ضد «تنظيم الدولة», مما يعطي الانطباع بأن الدولة الكردية قادمة لامحاله, وهو ماعبر عنه صراحة رئيس استخبارات اقليم كردستان مسرور بارزاني بقوله “نحن لا نضغط باتجاه الانشقاق بالقوة، بل نتحدث عن انفصال ودي”.

حيث أنه وبالرغم من التقهقر واسع النطاق الذي حصل لقوات البيشمركة امام عناصر «تنظيم الدولة» في زحفهم نحو اراضي كردستان العام الماضي, إلا أن «حكومة إقليم كردستان» استعادت زمام المبادرة  واستطاعت أن تفرض على الغرب أنها قوة اساسية في الاقليم لمواجهة هذا التظيم الارهابي, وهي ضامنة للاستقرار في المنطقة, خاصة مع وجود فجوة هائلة بين الشرعية الدولية ومنظومة الامن العربي الهشة من جهة, وأهم اوراق النفوذ الايراني في منطقة المشرق العربي مُمثلة بالتحالف مع النظام السوري من جهة أخرى, والتي وصفها رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام علي اكبر ولايتي بقوله في اغسطس اب من هذا العام بأن “سوريا كانت ولازالت الحلقة الذهبية في محور (المقاومة)؟!”.

بالنتيجة استطاع الاكراد استثمار التناقضات بشكل فعال لأهدافهم القومية, وبدأت عدد من الدول، وخصوصاً الأوروبية منها، بناء علاقات دبلوماسية واقتصادية طويلة الامد مع أقليم كردستان ومنحه دعماً عسكرياً مباشراً وغير مباشر. وعلى الرغم من أن الادارة الاميركية الحالية مازالت تتعامل على أن وحدة العراق هي اولوية لمصالحها, الا أن البراغماتية الاميركية لن تتجاهل الصعود القومي الكردي المتكامل عسكرياً واقتصادياً, وسوف تتعامل معه في النهاية ككيان مستقل. وربما تدعم مطالبه باسترداد حقوقه, خاصة وأن الكرد هم بالاساس حلفاء تاريخيين للولايات المتحدة.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق