المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
روسيا والناتو ـ هل تتجه أوروبا نحو تعزيز الدبلوماسية مع موسكو ؟
يتزايد قلق أوروبا إزاء غيابها عن محادثات السلام الروسية الأوكرانية. وقد توسطت الولايات المتحدة في الجولة الأخيرة من المفاوضات في أبو ظبي دون مشاركة مباشرة من الاتحاد الأوروبي. وردا على ذلك، تصاعدت النقاشات داخل الاتحاد الأوروبي حول تعيين مبعوث خاص للتواصل مباشرة مع موسكو. خلال معظم فترة حرب أوكرانيا، ركز نهج الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا على ممارسة الضغط الاقتصادي والدعم العسكري لأوكرانيا. وقد اضطلعت الولايات المتحدة وتركيا بدور محوري في المفاوضات. وأي خطوة للتحدث مباشرة مع الرئيس فلاديمير بوتين عبر مبعوث منسق من الاتحاد الأوروبي ستمثل تحولا تكتيكيا.
تقول الخبيرة الاقتصادية والسياسية إيلينا ريباكوفا إن المشاركة الأوروبية ضرورية لتجنب تهميش المصالح الإقليمية. وأضافت: “بدون أوروبا، كنا سنشهد بالفعل ‘سلاما’ تجبر فيه روسيا، بمساعدة الولايات المتحدة، أوكرانيا على تقديم تنازلات”، مشيرة إلى أن “هذا من شأنه أن يقوض سيادتها ويعرض دولا أخرى في المنطقة لتأكيدات روسيا على أحقيتها المزعومة في منطقة نفوذها في أوروبا الشرقية”. في الوقت نفسه، لا يزال من غير الواضح ما الذي ستحققه دبلوماسية الاتحاد الأوروبي مع روسيا فعليا. وتشير ريباكوفا إلى أن التواصل مع موسكو سيكون في المقام الأول خطوة رمزية، ولكنه قد يسفر في نهاية المطاف عن نتائج ملموسة.
الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي
إلا أن أي مسعى دبلوماسي أوروبي يتعقد بسبب الانقسامات الداخلية. إذ تتباين الدول الأعضاء تباينا حادا في تقييماتها لكيفية التعامل مع روسيا. وقد دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الحفاظ على قنوات الحوار مع موسكو، حتى بعد النكسات الدبلوماسية المتكررة. ومؤخرا، أرسلت فرنسا دبلوماسيا رفيع المستوى للقاء نظيره الروسي. لكن ألمانيا غالبا ما تتبنى لهجة أكثر حذرا. فخلال مؤتمر ميونيخ الأمني 2026، أعرب المستشار الألماني فريدريش ميرز عن تردده بشأن التعامل مع روسيا، قائلا: “إذا كان الحوار مجديا، فنحن مستعدون له، لكن على الروس أن يعترفوا بأنهم راغبون فعلا في مناقشة وقف إطلاق النار، ثم وضع خطة سلام”.
تخشى دول أوروبا الشرقية من أن تؤدي التنازلات المبكرة إلى تشجيع موسكو. ولا تزال المجر وسلوفاكيا تعتمدان على الطاقة الروسية رغم حربها على أوكرانيا. تقول ريباكوفا، التي تعمل في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، ومركز الأبحاث بروجيل في بروكسل، ونائبة رئيس السياسة الخارجية في كلية كييف للاقتصاد، إن هذا الخلاف لا يعني بالضرورة ضعفا. وتضيف: “الانقسامات ليست سيئة. قد ترغب بعض الدول في الانحياز إلى جانب الولايات المتحدة، وبعضها الآخر إلى جانب روسيا، لكن هذه الدول لا تزال بعيدة عن أغلبية دول الاتحاد الأوروبي. ونتيجة لذلك، سيكون هناك ضغط من الاتحاد الأوروبي حتى وإن لم يكن بتوافق تام – للاعتراف بمصالح أوكرانيا”.
لكن ليس كل المحللين مقتنعين بأن تعيين مبعوث خاص من شأنه أن يوضح استراتيجية أوروبا. وقالت كريستي رايك من المركز الدولي للدفاع والأمن إن الاتحاد الأوروبي يحتاج أولا إلى تحديد أهدافه بوضوح قبل الدخول في أي حوار مع موسكو. لكن ريباكوفا تجادل بأنه “في عالم مثالي، سيكون من الرائع رؤية الاتحاد الأوروبي موحدا، لكننا لا نعيش في عالم مثالي”. أوضحت إن أوروبا المؤلفة من عدة كيانات كافية لحماية مصالح أوكرانيا وأوروبا في الوقت الراهن. وأضافت: “أخشى أكثر من موقف موحد يسمح لبوتين بضم أجزاء من أوكرانيا لم يسيطر عليها الجيش الروسي بعد، دون أي رادع”.
تعكس هذه التوترات المستمرة نقاشا أوسع حول كيفية عمل الاتحاد الأوروبي على الساحة الدولية. وكما تقول ريباكوفا، فإن تنوع التكتل يجعل التوصل إلى توافق كامل أمرا صعبا: “الدول متنوعة حقا. لذا، كحل وسط، أفضل فكرة الوحدة الأوروبية بشأن قضايا معينة كأعضاء في مجموعات ذات مصالح مشتركة قد توفر مثل هذه التحالفات المرنة مسارا استراتيجيا للمضي قدما عندما يبدو الإجماع صعبا.
ماهي خيارات الاتحاد الأوروبي؟
في الوقت الذي تتصاعد فيه المناقشات حول ما إذا كان ينبغي اتخاذ خطوات دبلوماسية، يستعد الاتحاد الأوروبي لحزمة العقوبات العشرين ضد روسيا بمناسبة الذكرى السنوية الرابعة لغزوها لأوكرانيا. تشمل الحزمة العشرون قطاعات الطاقة والتجارة والخدمات المالية. ووفقا لرئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، انخفضت عائدات الطاقة الروسية بنسبة 24% في عام 2025. وقالت: “هذا يؤكد ما كنا نعرفه بالفعل؛ عقوباتنا فعالة، وسنواصل استخدامها حتى تنخرط روسيا في مفاوضات جادة مع أوكرانيا من أجل سلام عادل ودائم”.
النتائج
يتجه المسار الأوروبي إلى مزيد من التعقيد المؤسسي والمرونة التكتيكية في آن واحد. ففي حال استمرت الولايات المتحدة في لعب دور الوسيط الرئيسي، سيجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام خيارين، إما الانخراط المباشر عبر قناة دبلوماسية موازية مع موسكو، أو تكثيف أدوات الضغط غير العسكرية لتعويض غيابه عن طاولة التفاوض. الاحتمال الأول قد يعزز الحضور الأوروبي، لكنه سيختبر تماسكه الداخلي، خاصة في ظل التباينات بين العواصم الغربية والشرقية. أما الاحتمال الثاني فسيكرس دور الاتحاد كفاعل اقتصادي عقابي أكثر منه وسيطا سياسيا مؤثرا.
من المرجح أن يواصل الاتحاد الأوروبي سياسة العقوبات التدريجية، مع السعي إلى سد الثغرات المتعلقة بقطاع الطاقة والالتفاف التجاري. غير أن فعالية هذه السياسة ستظل رهنا بمدى التنسيق مع واشنطن وبقدرة موسكو على إعادة توجيه تجارتها نحو أسواق بديلة. وفي حال تعثرت المفاوضات أو انهارت، قد تتصاعد الضغوط داخل أوروبا لتعزيز الدعم العسكري لكييف، ما يعمق الانخراط غير المباشر في الصراع.
من المحتمل تبلور صيغة أوروبية متعددة المسارات، دول تقود جهودا دبلوماسية محدودة مع موسكو، وأخرى تركز على الردع وتعزيز الجبهة الشرقية للاتحاد. هذا التوزيع الوظيفي قد يتحول من مصدر انقسام إلى آلية إدارة مرنة للأزمة. وفي المقابل، إذا أفضت المفاوضات إلى تسوية لا تراعي المخاوف الأمنية لدول شرق أوروبا، فقد تتجه هذه الدول إلى تعميق اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة بشكل أكبر. يظل مستقبل الدور الأوروبي مرتبطا بقدرته على تحويل تنوعه الداخلي إلى قوة تفاوضية، لا إلى عامل تآكل استراتيجي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115078
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
