
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم ـ هند السويدي
الجنرال الفرنسي المتقاعد ميشيل ياكوفليف يقول : ” إن دعوة ترامب للناتو للعمل في مضيق هرمز وتأمين الملاحة أشبه بقائد سفينة تايتنيك الذي يحاول بيع تذاكر عشاء رخيصة بعد أن إصطدمت السفينة بجبل الجليد “. في لحظةً جيوسياسيةٍ بالغة الحساسية ، لم يكن طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من حلف شمال الأطلسي ( الناتو) التدخل من أجل حماية الملاحة عبر مضيق هرمز مجرد دعوة عسكرية عابرة ، بل هي الإختبار الحقيقي لصلابة الكتلة الغربية .
على الرغم من الصعوبات العملياتية والتشغيلية والتقنية التي تجعل هناك صعوبة من تدخل الناتو في المعركة لأن الأمر سيعني في حال تدخل الناتو أن تكون القيادة لدى الحلف وهذا ما لا يتماشى مع فكرة ” لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً ” ووفق ذلك فقد برزت إلى السطح مؤشرات على التصدع الداخلي الذي قد يقود إلى إنفراط عقد الحزب .
طلب واشنطن جاء في سياق التصعيد في منطقة الخليج وعدم قدرة الولايات المتحدة على فتح المضيق أمام الملاحة البحرية ، إذا رفضت الدول الأوروبية المشاركة العسكرية مبررةً الأمر بتعقيدات الموقف والخشية من الإنجرار نحو حرب مفتوخة مع إيران ، هذا الرفض لم يكن مجرد موقف تكتيتي ، بل نجد أنه يعكس التحول في الرؤية الأوروبية لدور الحلف.
على الصعيد الألماني نجد ان لهم موقف واضح وهو رافض لأي تدخل هسكري في مضيق هرمز ضمن إطار حلف الناتو مؤكدة أن الحلف لديه عقيدة قتالية ” دفاعية ” وليس أداة لعمليات خارج نطاق أراضيه ، وفي هذا الإطار فقد أكد المستشار الألماني يجب أن يكون الحل دبلوماسياً عبر التفاوض مع إيران ولا يمكن أن يكون عبر التصعيد العسكري .
على صعيد بريطانيا الحليف الأكبر للولايات المتحدة الأمريكية أعلن رئيس الوزراء البريطاني ستارمر أم بلاده لن تنجر إلى حرب واسعة مع إيران مؤكداً على أن مهمة تأمين مضيق هرمز ليست من إختصاص حلف الناتو . أما فيما يتعلق بفرنسا فقد أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبشكل قاطع ” فرنسا لن تُشارك أبداً ” في عمليات فتح مضيق هرمز مشدً على أن فرنسا ليست طرفاً في النزاع ، وأن فرنسا لن تلعب أي دور إلا بعد تهدئة الأوضاع وهذا المنهج سار عليه العديد من قادة دول أوروبا وهو متوقع ولا سيما بعد تلك المعاملة التي يتلقونها واللغة المتعجرفة التي يتحدث بها فريق ترامب تجاه قارة أوروبا وكيف أن القارة الأوروبية إستفادة من مظلة الحماية الأمريكية في تحقيق رفاهيتها.
الأشد خطورة في هذا الأمر أنه لم يكن فقط حول ” المشاركة ” ، بل حول فلسفة التحالف نفسه ، فمن وجهة نظر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – والذي قالها صراحة ستندمون – أن ” مسؤولية حماية المضيق تقع على عاتق الدول التي تستفيد من النفط والغاز الخليجي ” . على الصعيد الأخر فإن قادة أوروبا يرون أن الإنخراط العسكري خارج الإطار التقليدي للحلف يهدد بتوريطها في النزاعات التي لا تخدم مصالحها بصورة مباشرة ومن هنا يظهر لنا الإختلاف : الولايات المتحدة تتجه نحو ما يمكن تسميته بـــ ” تحالف المصلحة ” بينما أوروبا تتمسك بـ ” تحالف القيم الدفاعية “.
الطلب والرفض كشفا هشاشة مبدأ الدفاع الجماعي الذي طالما شكل حجز الزاوية في الناتو فمن وجهة نظر ترامب إذا كانت دول الحلف تتردد في دعم الولايات المتحدة في قضية استراتيجية بهذا الحجم الذي يؤثر على العالم برمته فكيف يمكنه ذلك من التعويل عليها في مواجهة أي تهديدات مستقبلية ؟وهذا السؤال يعيد إلى الواجهة الشكوك التي أثارها ترامب نفسه حول جدوى المادة الخامسة ومدى إلتزام الحلف بها . إن ما يحدث اليوم لا يمكننا إعتباره خلافاً عابراً ، بل هو تحول بنيوي في طبيعة العلاقات داخل حلف الناتو .
فهذا الحلف الذي تم تأسيسه في سياق الحرب الباردة لمواجهة تهديد واضح وهو الإتحاد السوفيتي ، يجد نفسه الآن أمام عالم تتعدد فيه الأقطاب ، حيث تختلف أولويات أعضاءه بشكل حاد. ومع تزايد النزاعة الإنعزالية الأمريكية ومحاولة السيطرة على جزيرة ” جرين لاند” ، يصبح التماسك الداخلي أكثر صعوبة من أي وقت مضى. قد لا يكون حلف الناتو قد تفكك فعلياً ، إلا أن أزمة مضيق هرمز كشفت أن وحدته لم تعد صلبة كما كانت ، ومع إستمرار الهوةِ في الرؤى والمصالح ، فإن الحلف لا يمكن ان ينهار بشكل مفاجئ بل سيتآكل بشكل تدريجي من الداخي وصولاً إلى الإطار الشكلي الذي يفقد روحه الإستراتيجية .
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116448
حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
