الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

“هسهس الوجود”

مايو 02, 2026

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

 بقلم : الدكتورة سماء سليمان، متخصصة في الإنذار المبكر وإدارة الأزمات الدولية 

“هسهس الوجود”

في الخطاب الأمني الإسرائيلي المعاصر، لم يعد “التهديد الوجودي” مجرد توصيف استثنائي يُستخدم في لحظات الحرب أو المواجهة المباشرة، بل تحول إلى حالة ذهنية دائمة، تكاد تُشبه الهسهسة المستمرة في خلفية التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. هسهسة لا تهدأ، تُعيد إنتاج نفسها مع كل تغير إقليمي، وكل تقارب بين عاصمتين عربيتين أو إقليميتين، وكأن الوجود الإسرائيلي لا يستقر إلا حين يكون محاطاً بالفراغ أو التفكك.

تتجلى هذه الحساسية بوضوح في التحذيرات الأخيرة التي أطلقها اللواء احتياط يتسحاق بريك، أحد أبرز الأصوات الأمنية الإسرائيلية التي اعتادت نقد المنظومة العسكرية من الداخل. بريك لا يتعامل مع التطورات الإقليمية بوصفها تحولات طبيعية في بنية العلاقات الدولية، بل يقرأها باعتبارها حلقات في مسار تراكمي قد ينتهي—وفق تصوره—بإعادة صياغة ميزان القوة ضد إسرائيل.

في رؤيته، لا تبدو التحركات المصرية العسكرية، سواء التدريبات أو تطوير البنية الدفاعية في سيناء، مجرد نشاط سيادي لدولة إقليمية كبرى، بل تُقدم كإشارات مقلقة تُشبه، في مخيال المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ما سبق حرب أكتوبر 1973. المقارنة هنا ليست تقنية بقدر ما هي نفسية؛ أي أن الماضي لا يزال حاضراً بوصفه نموذجاً قابلاً للتكرار، وأن “الصدمة التاريخية” لم تُستوعب بعد بشكل كامل.

الأخطر في خطاب بريك ليس فقط ما يقوله عن مصر، بل ما يقوله عن الإقليم ككل. فهو يربط بين قدرات الجيش المصري المتنامية—من حيث التنوع في مصادر التسليح وتطور الكفاءة التقنية—وبين تصور مفاده أن هذه القدرات موجهة بطبيعتها ضد إسرائيل. وهنا تنتقل القراءة من تحليل توازنات القوة إلى افتراض نوايا ثابتة، وهو ما يشكل أحد أكثر عناصر التفكير الأمني الإسرائيلي حساسية وإشكالية.

ويذهب هذا المنطق أبعد من ذلك حين يربط بين القاهرة وأنقرة في تصور لتحالف إقليمي ناشئ، يشمل تعاوناً عسكرياً وصناعياً في مجالات الطائرات المسيرة وتطوير الصناعات الدفاعية. في هذا السياق، لا يُنظر إلى أي تقاطع مصالح بين دولتين إقليميتين كجزء من ديناميات طبيعية، بل كاحتمال لتشكّل “كتلة مانعة” قد تعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل.

هنا تحديداً يتكثف ما يمكن تسميته بـ”هسهس الوجود”: أي ذلك الإحساس المستمر بأن كل تقارب إقليمي، مهما كان محدوداً أو وظيفياً، يحمل في طياته مشروع تهديد كامن. وهو إحساس لا ينفصل عن البنية التاريخية للفكر الأمني الإسرائيلي، الذي تأسس على فرضية أن التفوق العسكري وحده هو الضامن الوحيد للبقاء. ما نحتاج توضيحه متى تشعر اسرائيل بأن وجودها غير مهدد؟ هل حين يكون الجوار العربي مفككاً؟ أم حين تكون الجيوش محدودة القدرات؟ أم حين تبقى العلاقات الإقليمية محكومة بسقف منخفض من التعاون؟.

إن تعريف “التهديد الوجودي” هنا يبدو مرناً إلى حد كبير، يتسع ويتقلص وفقاً للمعطيات السياسية، وليس بالضرورة وفق معايير عسكرية موضوعية. فالدول الإقليمية، بما فيها مصر، تتحرك في إطار سيادتها ووفق حساباتها الاستراتيجية الخاصة، لكن القراءة الإسرائيلية كثيراً ما تعيد تأويل هذه التحركات ضمن إطار واحد: إسرائيل كهدف نهائي.

في المقابل، يقدم الخطاب المصري المضاد، كما عبّر عنه بعض الخبراء الاستراتيجيين في القاهرة، قراءة مغايرة تعتبر أن هذه التحذيرات جزء من “تضخيم أمني” يهدف داخلياً إلى تعزيز الميزانيات العسكرية وتثبيت سردية الخطر الدائم. وهو ما يعكس بدوره فجوة إدراكية بين الطرفين: أحدهما يرى في كل تطور تهديداً، والآخر يراه ممارسة سيادية طبيعية.
المفارقة أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي، تبدو الأكثر انشغالاً بسؤال الوجود. ليس فقط وجودها المادي، بل وجودها بوصفه حالة مستمرة من القلق. هذا القلق يتحول إلى عدسة تفسيرية تُعاد من خلالها قراءة كل تغيير إقليمي، حتى لو كان في سياق غير عدائي.

إن “هسهس الوجود” بهذا المعنى ليس توصيفاً أدبياً فقط، بل هو تعبير عن بنية إدراكية ترى العالم من زاوية الخطر الدائم. لكن هذه البنية نفسها تعجز عن تقديم إجابة حاسمة: هل يمكن لإسرائيل أن تصل إلى لحظة تشعر فيها أن وجودها لم يعد مهدداً؟ أم أن شرط تأسيسها التاريخي يجعل هذا السؤال بلا نهاية، ويحول الأمن من هدف إلى حالة قلق دائمة؟
ربما تكمن المفارقة في أن كلما ازداد الاستقرار الإقليمي نسبياً، ازداد القلق الإسرائيلي من تحوله إلى توازن قوى جديد. وهكذا، يصبح “الاستقرار” نفسه جزءاً من معادلة التهديد، طالما أنه يعيد توزيع مراكز القوة.

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بما إذا كانت هناك تهديدات حقيقية أم مبالغ فيها، بل بكيفية تعريف التهديد ذاته داخل العقل الأمني الإسرائيلي. هناك، يبدو أن الوجود لا يُقاس بالواقع فقط، بل أيضاً بالهواجس—وهذه الهواجس، حين تتكرر بما يكفي، تتحول إلى نظام تفسير كامل للعالم.

رابط مختصر..  https://www.europarabct.com/?p=117885

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...