اختر صفحة

نهاية معركة البادية السورية؛ حزب الله الحصان الرابح. بقلم صفوان داؤد

يناير 4, 2018 | داعش والجهاديون, دراسات

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

إعداد : صفوان داؤد، باحث مختص بالشأن السوري ـ سوريا

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

تعتبر منطقة البادية السورية التي تقدر مساحتها بضعفي مساحة بلجيكا تقريباً أغنى المناطق السورية على الاطلاق. تحوي حوالي 70% من عدد آبار الغاز واكثر من 90% من النفط المُستثمر, وما يقارب 98% من الفوسفات المستخرج في سوريا.

وتشكل حدودها الطويلة 650 كم مع محافظة الأنبار؛ القاعدة الشعبية الاهم للمجموعات الاسلامية المسلحة بما فيها «تنظيم الدولة الاسلامية», مصدراً اساسيا للدعم اللوجستي والعسكري للأعمال القتالية الارهابية في سوريا. تمتاز البادية السورية، بكثافتها السكانية المنخفضة وقلة عدد المدن والتجمعات السكانية فيها.

يقطنها حوالي 1.5 مليون نسمة منهم 550 الف نسمة تقريباً من البدو الرُحّل. واذ كانت هذه البادية في بداية الأزمة السورية مجرّد مناطق صحراوية مترامية الاطراف لا تمثل عبئًا استراتيجيًّا من الناحية العسكرية على النظام السوري، إلا انها تحولت في الاشهر الاخيرة الماضية الى عقدة استراتيجية في ظل التنافس الايراني الاميركي على فتح ممر جغرافي من عدمه يصل طهران ببيروت.

انخرط حزب الله كقوة عسكرية اساسية ولاغنى عنها في معارك البادية وشاركت عناصره في تحرير تدمر والميادين واسربا والعشارة وشولا وغيرها من البلدات والقرى. يتألف قوام الحزب من مشاة وقوات تدخل سريع وقوات نخبة, وراجمات صواريخ مختلفة القياسات, وقوات امداد ووحدات لوجستية وهندسية, اضافة الى نقاط طبية إسعافية عالية التجهيز (1).

وحرص حزب الله على ضوابط صارمة في اختيار خصومه في معركة البادية, فهو رفض إدخال عناصره الضفة الشرقية للفرات ومقاتلة القوات الكردية, سواء كانت «وحدات حماية الشعب الكردي» او «قوات سوريا الديمقراطية» (2). وقال احد القادة الميدانيين في حزب الله بحسب موقع المونيتور “الأكراد ليسوا أعداءنا, لقد عملوا معنا في العديد من الأماكن، ولا أعتقد أنه من المعقول أن تندلع أي حرب معهم”.

وينسق الحزب بشكل كامل مع حلفاءه من الميليشيات الشيعية العراقية والايرانية المختلطة والجيش السوري والقوى الجوية الروسية. إن زيادة المساحات التي سيطر عليها الجيش السوري والانضباط الكبير لعناصر حزب الله يمنع اي ظهور جديد للـتنظيمات الاسلاموية المسلحة في حواضر البادية إذ أن اي جغرافيا حاوية لهم ستكون ضيقة وسوف تستدعي ردّاً عسكرياً سريعاً.

يدعم هذا الوضع أن “ردّ الفعل (السنّي) ضدّ تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا كان أكثر حزماً مما كان عليه في العراق بعد حركة «الصحوة»” على حد قول هارون زيلين الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى. على العموم أثار التمدد الواسع لحزب الله في سوريا حفيظة الولايات المتحدة كونه جزء من (شبكة تهديد) ايرانية(3). وهو ماعبر عنه منسق وزارة الخارجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب، السفير نيثن سيل، في قوله أن “مواجهة حزب الله أولوية قصوى لإدارة ترامب” (4).
اهمية معركة البادية

إن اهمية معركة البادية السورية والتخطيط العسكري عالي المستوى الذي أنُجز بين الجيش السوري وحزب الله وبالتعاون مع سلاح الجو الروسي يقودنا الى الاستنتاجات التالية:

*تطور العقيدة الامنية لحزب الله

اعطت الحرب السورية بُعد موضوعي للسياسات الامنية لقيادات حزب الله والتي واكبت تطور المفاهيم الامنية لمابعد الحرب الباردة (5), وفيها رُبطت معايير الامن بحماية المدنيين من الاستهداف المُتعمد وتقييم مدى انتشار وحجم الجماعات المسلحة, وتأثير ذلك على البنى التحتية ومستوى التنمية للحواضن الشعبية.

في هذا السياق امنت معركة البادية لحزب الله على الصعيد الداخلي – وبالتعاون مع شركاءه خاصة التيار الوطني الحر وحركة امل- ايجاد نوع من التوازن السياسي في مقابل الكتلة السياسية الداعمة للمعارضة السورية المسلحة بزعامة تيار المستقبل, والتي كانت تنتظر هزيمة حزب الله, لاستثمارها داخلياً كتنازلات سياسية من قبله.

كما نجحت في قطع الطريق اللوجستي والعسكري والبشري عن القوى الاسلامية المتطرفة في طرابلس – لبنان, التي يمكن أن تهدد الدورة الاقتصادية والتنموية لحواضن حزب الله الشعبية المنتشرة في سهل عكار. إضافة الى نجاح الحزب في قطع منطقة جرود عرسال نهائياً عن الحواضن الشعبية للمجموعات الاسلامية المسلحة في العمق السوري.

*الرؤيا المشرقية

يعتبر المشرق الشامي- العراقي منطقة صراع على مر التاريخ، وشكل اندلاع الازمة السورية شمولية استثنائية لهذا الصراع في بعديه السياسي والطائفي. وبعد عام 2011, لم تعد القضايا العسكرية والأمنية محددًة فقط داخل الدولة السورية، بل أخترقها إطار إقليمي ومن ثم دولي، هو الآخر متأثر بمحددات جغرافية وأخرى اقتصادية لايمكن تجاهلها.

لذلك نعتبر تنفيذ حزب الله لعمليات عسكرية خارج حدود الدولة اللبنانية تكريس لسابقة تاريخية واعدة, بما يحمله هذا الموضوع من مضامين وعي عميقة بوحدة المشرق ومصيره. في المقابل حملت الازمة السورية تكريس خطر جديد, هو تمدد النفوذ الايراني في هذا المشرق من منظوريه السياسي والاقتصادي, مع مخاطر عالية في محايثته انتشار الايديولوجيا الدينية الشيعية معه؛ بدأت تتغلغل حتى في صورة النظام الحاكم في سوريا.

نلفت هنا مثلاً حدث مُعبّر هو حضور السفير الايراني لملتقى فكري- سياسي يناقش المواطنة والعروبة في دمشق! كان قد غطاها الاعلام الرسمي بقوة منتصف الشهر الفائت.

إن الأمن القومي لأي دولة هو قدرة هذه الدولة على حماية مصالحها السياسية والاقتصادية، ولا يحدث هذا سوى بتكامل عمل المؤسسات المختلفة الامنية وغير الأمنية داخل الدولة وبمشاركة المجتمع المدني. فالأمن القومي مسؤولية جماعية (6).

حتى الان تبدو قيادة حزب الله السياسية غير مدركة ان نجاحها العسكري لايكفي, وأن نجاحها في عيون المجتمع السوري مرهون بحل المشكلة الاساسية في سوريا, الا وهو احتكار القرار والدولة بيد النظام السوري. إن تهميش أطراف فاعلة مجتمعية وسياسية محلية سوريّة، سوف يؤدي عاجلا ام اجلاً الى بروز حركات عنفية جديدة قد تطيح حتى بمكاسب حزب الله في لبنان. يجب على قيادة حزب الله ان تقبل – ونحن نعتقد ان هذه القيادة واعية وبراغماتية- بتغيير في بنية النظام السوري نحو التعددية, حتى لو كان هذا على حساب قوة العلاقة بين الحزب والقيادة السورية.

مما لاشك فيه أن حزب الله يلعب اليوم دوراً مهماً لا بل محورياً في الحرب السورية، بداية في القلمون ثم البادية السورية والآن جنوب دمشق, وبدا واضحاً انه اللاعب الاساسي في تكريس حماية الممر الاستراتيجي الايراني من الحدود العراقية السورية الى بيروت.

ونعتقد ان الوضع الجيوسياسي الحالي في سوريا سيكون خاضع بشكل أو بآخر لتأثير القوة العسكرية لهذا الحزب ونظرته المستقبلية في ادارة الصراع في كل من لبنان وسوريا.

 

هوامش:

(1): تقول مصادر عسكرية أن حوالي 8000 عنصر من حزب الله يشاركون في القتال في سوريا. أنظر على سبيل المثال موقع سبوتنيك الروسي:
https://arabic.sputniknews.com/arab_world/201710161026809980
(2): هذه احدى الاختلافات الجوهرية بين حزب الله وحليفه النظام السوري الذي لاينفك يعلن انه سيقاتل القوات الكردية ان اقتضى الامر. أنظر مثلاً لقاء المستشارة السياسية والاعلامية لرئاسة الجمهورية السورية بثينة شعبان على تلفزيون المنار التابع لحزب الله 16 سبتمبر 201. http://www.almanar.com.lb/2615611
(3): أنظر:
“Deconstructing and Countering the Iran Threat Network”, Maj. Omer Carmi. The Washington Institute for Near East Policy. October 2017.
http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/deconstructing-and-countering-irans-threat-network
(4): أنظر موقع وزارة الخارجية الاميركية, 10 اكتوبر 2017:
https://www.state.gov/r/pa/prs/ps/2017/10/274726.htm
(5): أرتبط المفهوم التقليدى للأمن خلال الحرب الباردة بالبنى العسكرية للدولة العسكرية، واعتبر سباق التسلح مثلا البارامتر الضامن لضبط لتلك التهديدات الامنية أنظر:
J, Fisher (2014) Mapping Regional Security in the Greater Horn of Africa. Library of the Friedrich-Ebert-Stiftung, April 2014, P5-9. http://library.fes.de/pdf-files/bueros/aethiopien/10855.pdf
(6): أنظر على سبيل المثال
Svetlana Cebotar and Ionxe Nofontov,”Theoretical-Methodological Aproaches to Regional Security”, Post Modern Openings, Bucuresti, Sep, 2011, Vol7, P18-19

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

safwandawod@yahoo.com

الباحث صفوان داؤد

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك