اختر صفحة

Khalid Okashaنص رسالة أبو بكر البغدادى لأنصار بيت المقدس

بقلم ـ العميد خالد عكاشة ـ خبير امني

شهدت الساعات الأولى ليوم الأربعاء الماضى وتحديدًا فى السابعة صباحًا هجومًا

إرهابيًا واسعًا على مدينة الشيخ زويد وقبلها مجموعة من النقاط والارتكازات الأمنية، حيث شن مسلحون تابعون لتنظيم أنصار بيت المقدس سلسلة هجمات منسقة، بينها مجموعة هجمات بسيارات مفخخة على نقاط تفتيش تابعة للجيش تقع جنوب مدينة الشيخ زويد مما أسفر عن وقوع إصابات وجرحى فى صفوف قوات الجيش المتواجدة فى هذه النقاط، وذكر المتحدث الرسمى بعد نحو ساعتين من هذا الهجوم أن 10 جنود سقطوا ما بين قتيل وجريح فى 5 هجمات فى سيناء، فى نفس هذا التوقيت المبكر من اليوم بدا شىء غريب يتم تسريبه بهدوء لم يلتفت إليه أحد فى لهفة متابعة الأحداث أن تلك الأرقام المشار إليها يتم تحريكها إلى أعلى فى أكثر من وسيلة إعلامية أجنبية ومصرية، فقد زادت عدد النقاط الأمنية من خمس نقاط إلى نحو خمس عشرة نقطة، وهناك من وصل بها إلى عشرين نقطة أمنية فى توقيت واحد، وانتقل هذا التحريك إلى أعداد شهداء ومصابى رجال الجيش فقد وصل قبل حلول عصر اليوم إلى ما يتجاوز رقم الـ 70 ومئات الجرحى والمصابين.
 وفى استكمال لهذه الصورة وعلى غير المعتاد والمتوقع أعلن تنظيم «ولاية سيناء» الذى هو فى الأصل تنظيم «أنصار بيت المقدس» قبل انضمامه لتنظيم «داعش» مسئوليته عن تلك الهجمات فى بيان نشر على تويتر، وجاء هذا التبنى لعملية مازالت فى منتصفها والصراع المسلح يدور بين قوات الجيش وبين التنظيم، لم يكن ما سبق نوعًا من التخبط فى تداول أرقام لشهداء القوات المسلحة ولا تعجل غير محسوب فى تبنى عملية وهجوم إرهابى ما زال لم يفصح عن نتائجه بعد، فقد كان الأمر مقصودًا أن يتم بهذه الكيفية تمامًا وفق الخطة الموضوعة لهذا الهجوم.

خطة تنظيم “انصار بيت المقدس”

فالخطة الرئيسية لهذا الهجوم الإرهابى كانت تعتمد على مجموعة من التكتيكات التى سيتم تنفيذها على الأرض، وأخرى سيتم استخدام الفضاء الإعلامى العالمى والمحلى فى ترويجها وتداولها بالشكل الاحترافى الذى يضمن انتشارها بأكبر قدر ممكن، التكتيكات الخاصة بالعمل على الأرض تلخصت فى تجهيز أعداد تراوحت ما بين 250 إلى 300 عنصر مسلح استخدمهم التنظيم فى القيام بمجموعة من الهجمات المكثفة بأسلحة متنوعة بدأت بقذائف الآر بى جى وامتدت لتصل إلى مدافع مضادة للطائرات، وكانت عملية قصف نقاط الإرتكاز العسكرى بقذائف الهاون وفى بعضها بسيارات مفخخة والتى يقع معظمها جنوب الشيخ زويد بقصد شد انتباه القوات العسكرية وتشتيت جهودها، فضلًا عن رغبة الإرهابيين فى خروج القوات المرتكزة لحماية مدينة الشيخ زويد من أجل تقديم الدعم والمساندة للنقاط التى تتعرض لهذا الهجوم الإرهابى المكثف، وكانت مراهنة الإرهابيين أنه فى حال نجاح تلك الخطوات السابقة سيتم تكليف الجانب الأكبر من تلك المجموعات الإرهابية للتوجه سريعًا ناحية قلب مدينة الشيخ زويد فى محاولة للسيطرة على المدينة وهو ما تم تنفيذه بالفعل.

الهدف ماوراء هجوم الشيخ زويد

المجموعات الإرهابية التى تقدمت إلى قلب مدينة الشيخ زويد كان لها هدف محدد هو محاصرة قسم شرطة الشيخ زويد باعتباره يقع فى «صرة المدينة»، كما أن رمزية قسم الشرطة فى حال تمكن المجموعات من السيطرة عليه ورفع علم التنظيم كان سيحقق الهدف الإعلامى الذى بدأ فى الترويج له بالفعل، وفق شهود العيان من سكان مدينة الشيخ زويد والقاطنين فى الحى السكنى الملاصق للقسم تحدثوا عن اعتلاء الإرهابيين للمبانى المجاورة للقسم، وتقدم مجموعة متخصصة قامت بزرع الألغام فى الطريق القادم من العريش غربًا، وكان ذلك مقصودًا أن يتم أمام أعين الجميع حتى تصل المعلومة لقوات الجيش المتمركزة فى العريش فلا تتقدم لتحرير ونجدة وسط المدينة من هذا الحصار المباغت، وكانت المعلومة قد وصلت بالفعل لقوات الجيش ولم تتقدم الآليات العسكرية بالفعل حتى لا تتكبد خسائر غير محسوبة، واستبدل الجيش خطة مواجهته عن طريق استخدام طائرات الآباتشى التى وفرت لقيادة العمليات صور تفصيلية للوضع داخل المدينة حتى يمكن دفع وحدات القوات الخاصة وخبراء المفرقعات الذين وصلوا للمكان وبدأوا فى التعامل مع الموقف، فرق المفرقعات بدأوا فى التعامل مع عبوات وألغام وصل عددها لنحو الـ 50 عبوة ولغم لتوفير ممر آمن للقوات الخاصة التى دخلت بالفعل للتعامل مع الإرهابيين وجها لوجه، ووفق نفس الرواية لشهود العيان الملاصقين للمشهد استغرق الاشتباك المسلح ما بين وحدات الجيش والإرهابيين نحو ساعتين فى عملية تطهير محيط وسط المدينة والمناطق المحيطة بقسم الشرطة، وأحبطت بكفاءة عالية محاولة السيطرة على قسم الشرطة، وكان القتال يدور فى شوارع المدينة التى بدا للإرهابيين أنهم يواجهون جحيمًا حقيقيًا وانقلب الموقف ضدهم ليصبحوا فى مأزق خانق وهم يرون بعضهم البعض يتساقطون ويفقدون مواقعهم سريعًا.

إستقطاب اعلامي

هذه الفترة الزمنية التى كان من المنطق أن تستغرقها العملية السابقة سمحت لوسائل إعلامية ووكالات أنباء عديدة أن تتداول أخبار مغلوطة حول استيلاء الإرهابيين على مدينة الشيخ زويد، وكان الإرهابيون يحلمون بتوافر صورة واحدة يمكن دفعها لوسائل الإعلام تؤكد هذا الوضع لكن سرعة المواجهة وشراسة النيران التى واجهتهم أسقطت تلك المراهنة، ولم تتمكن الجهات التى تحدثت عن السقوط وعن أسر بعض من قوات الجيش والشرطة أن تبث صورة واحدة، كان التخطيط يتشابه كثيرًا مع السيناريوهات الداعشية التى تم انتهاجها فى كثير من المدن العربية التى سقطت فى أيدى التنظيم بالعراق وسوريا وهو يأخذ خطوات متدرجة من خلال البث الإعلامى الذى ينهك ويدمر الحالة المعنوية تمامًا لكل من القوات والأهالى الموجودين فى هذه المدن، فبمجرد الإعلان عن وصول طلائع تنظيم داعش إلى أى من المدن المستهدفة حتى تتوالى النشرات الإخبارية التى تنقل تفاصيل السقوط العسكرى أو الأمنى وانسحاب الجميع واستيلاء التنظيم على المعسكرات والمعدات وطوابير من الأسرى تزين الصور التى تبث للعالم من مواقع الحدث.

داعش يتحرك على شكل ارتال

هذه الصورة السابقة التى لم تتحقق للمجموعات الإرهابية هى ما تفسر تواجد هذه المجموعة من سيارات الدفع الرباعى التى كانت موجودة فى قرية أبو طويلة على مسافة 10 كم غرب مدينة الشيخ زويد، أثناء تحليق الآباتشى لإدارة ساحة المعركة من الجو التقطت هذه المجموعة وهى تمسح المنطقة فبدا الشكل لها احتفاليًا من قبل التنظيم الإرهابى، وهكذا جاء التفسير على لسان المتحدث العسكرى، لكن حقيقة الأمر أن هذا الرتل من سيارات الدفع الرباعى المدججة بالإرهابيين والتى ترفع أعلام تنظيم داعش بصورة مكثفة كانت تستعد للتوجه إلى شوارع مدينة الشيخ زويد للتصوير فيها وهم يسيرون على هيئة الطابور الداعشى الشهير، استهدفت تلك المجموعة سريعًا من قبل الآباتشى فى موقعها على تلك المسافة من مدينة الشيخ زويد مما رفع كثيرًا من أعداد الخسائر البشرية التى تكبدها التنظيم فضلًا عن ضحاياه فى العديد من المناطق الأخرى.

فى السادسة من مساء هذا اليوم الطويل خفتت أصوات الطلقات التى ظلت تدوى طوال هذه الفترة الزمنية الطويلة بمفهوم العمليات الإرهابية وعادت القوات والطائرات إلى مواقعها، حصاد الخسائر من عناصر التنظيم وردت فى بيان المتحدث العسكرى تفصيليًا وذكر البيان الرسمى الذى صدر بعد المغرب مباشرة تصحيحًا كبيرًا وفارقًا لكل ما تم تداوله فى وسائل الإعلام طوال هذا اليوم، والذى لابد أن نذكر هنا بالأسف الشديد أن كثيرًا من المواقع الإخبارية المصرية قد سقطت فى هذا الفخ الإعلامى وتحت سطوة سرعة النشر تورطت فى إذاعة تلك البيانات المغلوطة والأرقام الكاذبة، حتى بدا الأمر بعد ساعات أن الطعم قد تم التقاطه وأن من سيقوم بتداول هذه الأخبار سيكون ناقلًا عن مواقع مصرية وفى البعض منها للأسف الأشد يطلق عليه حكوميًا أو قوميًا !!
فى مساء الخميس اليوم التالى لهذه العملية وصل لقيادات تنظيم أنصار بيت المقدس رسالة سرية من التنظيم الأم «داعش» وطلب منهم أن يعقدوا محاضرات لعناصر التنظيم فى سيناء لإبلاغهم به، هذا نصه كما وصل إلينا…..
« ما حدث اليوم فى سيناء، هو بروفة بالحديد والنار، ومناورة فى الميدان، للسيطرة على مدينة الشيخ زويد والاستيلاء عليها، هكذا ينظر تنظيم داعش لما جرى بالأمس، فالاستيلاء على مدينة الشيخ زويد سيعتبر نقلة استراتيجية عظمى فى الحرب،

ومن حيث المبدأ ستحقق 3 أهداف:

    تحقيق نصر إعلامى مدو، سيدفع بأكثر من 10 آلاف مقاتل للالتحاق بصفوفها، وإعلان مدينة الشيخ زويد كقاعدة للقتال فى سيناء.
•    محاصرة الجيوش التى تقوم الآن بتدمير البيوت فى رفح وتهجير سكانها، حصارًا كاملًا من الجنوب والغرب، وإجبارها على الاستسلام.
    الوصول لمشارف مدينة العريش، كخطوة أولى نحو قطفها وإلحاقها بالشيخ زويد، وهو ما يعنى سقوط سيناء بالكامل، أو معظمها فى يد الدواعش.
ما حدث اليوم ليس مقصودًا بذاته ولا لذاته، ما حدث اليوم هو بروفة، لتهيئة العناصر المقاتلة، للانتقال من مرحلة حرب العصابات فى الصحراء، لمرحلة السيطرة على الأرض، والدفاع عنها، ثم اتخاذها قاعدة للانطلاق.
انتهى بيان التنظيم الأم الذى يتم تدارسه الآن بين عناصر التنظيم فى سيناء والذى يحاول بالفعل أن يرفع من روحهم المعنوية بعد تلك الضربة القاصمة التى تلقوها على أيدى القوات المسلحة، فهم لم يتكبدوا هذا العدد من الخسائر البشرية من قبل فى يوم واحد ولم تدمر لهم هذه الكمية من الأسلحة والذخائر فى عملية واحدة، لكن كلمات هذا البيان الخطير والذى وصل إلى سيناء بعد ساعات معدودة من نهاية هذا اليوم الدامى يحتاج من القيادات العسكرية والأمنية إلى كثير من الفحص والدراسة، ورسم الخطط المستقبلية التى تقطع الطريق على هذا المخطط الذى أفصح عن نفسه أكثر من مرة وبأكثر من عملية إرهابية سابقة.

نشرت في الصباح المصرية يوم 4 يونيو 2015