داعش والجهاديوندراساتقضايا ارهاب

من هم الإرهابيون ألعائدون ألى أوروبا ؟ بقلم ألدكتور وليد الزيدي

اعداد : الدكتور وليد كاصد الزيدي

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

جزء اول من بحث بعنوان مخاطر إرتداد الارهاب الى أوربا بعد داعش .. فرنسا أُنموذجاً

يمثل الجيل الثالث من الجهاديين بؤرة الارهاب وقد سيطر منذ سنوات من خلال تنظيمات مختلفة ، لعل أبرزها تنظيم (داعش) الارهابي على أرض معركة تمتد عبر العراق وسوريا ، وهي منطقة لا تبعد عن أوروبا سوى بضع ساعات ، ولا تفصلها عن باريس وبروكسل ولندن سوى رحلة طائرة بكلفة منخفضة ، مما يسهل كثيرا عودة الأوروبيين الذين شاركوا في المعارك ممن قرر الرجوع الى موطنه .

تجدر الإشارة إلى أن انتشار الفكر الإسلامي المتطرف في صفوف الشباب ورحيل عدد منهم للقتال في صفوف تنظيمات مثل داعش والنصرة، ثم عودتهم إلى أوروبا هو أكثر ما يثير قلق المجتمعات الغربية، ويطلق العنان لمقولات وتيارات فكرية وسياسية تتحدث عن استيراد الإرهاب بسبب المهاجرين الوافدين من بلدان تلك المناطق، خصوصا وأن هناك من أسس نظريا لهذه الأفكار بالحديث عن صراع الحضارات بين الغرب المتقدم (المسيحي واليهودي) والشرق المتخلف (المسلم) .

في حين تُعَد فرنسا أكبر مصدر للمتطوعين الغربيين للجماعات الاسلاموية المسلحة في المنطقة، إذ أكد ذلك النائب الاشتراكي السابق (سيباستيان بيتراسانتا) أن من بين عدد يقدر بنحو 1000 جهادي متطوع غادروا فرنسا وهم موجودون الآن على أراضيها.

وقال بيتراسانتا: “بعضهم في السجن والبعض الآخر رهن الملاحظة القضائية”. مضيفا: “لدينا أدلة مادية تبين ان عددا من هؤلاء الذين عادوا من سوريا كان يمكن ان يمضوا قدما ويشنوا هجمات”. وقال إنه تجري مراقبة المقاتلين العائدين “على نطاق هائل”. منوها: “عندما تدرك أن الأمر يحتاج إلى 20 عنصر أمن لمراقبة شخص واحد فإن ذلك يعطيك الاحساس بالتحدي الذي تواجهه أجهزتنا الأمنية”.

ولعل عودة الجهاديين الفرنسيين من مناطق القتال بعد أن تلقوا التدريب يؤجج مخاوف من تكرار عملية (محمد مراح) ، الذي هدد الأمن في فرنسا منذ عدة سنوات ، كذلك ما قام به شاب فرنسي آخر من أصل جزائري في مارس /آذار2012 عندما شّن هجوماً عنيفاً في مدينة تولوز الفرنسية قبل أن تقتله الشرطة الفرنسية بعد مواجهة استمرت قرابة يومين ، وكان قد تحوّل من مجرم عادي إلى ناشط جهادي عنيف بعد تلقيه التدريب في باكستان .

قدّم وزير الداخلية الفرنسية السابق (برنار كازنوف) ، في عام 2014 بعض الأرقام عن عدد الجهاديين الّذين يحاربون في سوريا ما يسمح بمعرفة مكونات الجهاديين الفرنسيين ، إذ يمثل الأجانب نسبة 10 % من عدد مقاتلي “داعش” في سوريا ، حيث يوجد 8500 متطوّع أجنبي يقاتل في هذا البلد من بينهم 2000 أوروبياً .

يوجد من بينهم أكثر من 900 مقاتلاً فرنسياً ، منوها إلى أنه يوجد في العراق أيضا نحو 350 مقاتل فرنسي، من ضمنهم 63 امرأة و6 قاصرين. كما كشفت صحيفة اللوموند الفرنسية عن وجود 932 فرنسياً منخرطين في الشبكات الجهادية حتى تاريخ 15 أيلول 2014 بينهم 20% مُعتنقين للإسلام ، نصفهم غير معروف من قبل قوات الشرطة .

في حين قال أحد أعضاء البرلمان الفرنسي السابق ” أن نحو 100 متشدد ممن قاتلوا ضمن التنظيمات المعارضة في سوريا والعراق، عادوا إلى فرنسا عام 2015 وهو ما يحتاج الى موارد هائلة للمراقبة واتخاذ تدابير أمنية أخرى لمنع وقوع هجمات”.

ويرى خبير شؤون الإرهاب (شارل بريسارد) أن المهم هو استجواب هؤلاء الناس بمجرد التعبير عن رغبتهم في السفر لسوريا، ذلك أن اتخاذ الاجراءات حين عودتهم الى فرنسا سيكون قد فات الأوان، باعتبار أنهم تلقوا تدريباً على الأسلحة والمتفجرات التي من الممكن إستخدامها ضدنا .

ولعل هذه المعطيات تبين من هي الجماعات الارهابية ومن هم أفرادها الذين يقاتلون في العراق وسوريا ، وكم هي اعدادهم التي اعلنتها السلطات الأمنية في دولهم ، حيث عاد قسم كبير منهم الى مواطنهم الاصلية في أوربا ، وسأتناول في الفقرة التالية أهم أماكن انتاج الارهاب في القارة العجوز حيث يغادرونها للقتال خارج بلدانهم وتستقبلهم لدى رجوعهم اليها.

بؤر إنتاج الارهاب في أوربا

في كتابهما (مولينبيك على الجهاد)، الصادر في باريس 2017 – والذي يأتي صدوره بعد أربعة عشر شهرا من هجمات نوفمبر2015 – يقدم الصحفيين البلجيكي (جان بيير مارتن وكريستوف لامفالوسي) تحليلا شاملا لكيفية تحّوِلْ بلدة (مولينبيك) البلجيكية الصغيرة الى بوتقة للتطرف الإسلامي.

بعد تتبعهما لواقع ووضع البلدة وتطورات تنامي الراديكالية الاسلاموية فيها على مدى عشرين عاما، يتساءل الصحفيان : لماذا يغادر شباب مولينبيك البلدة لتنفيذ أعمال ارهابية في أوربا أو المشاركة في القتال خارجها ؟ ما ذا يفعلون في سوريا ولماذا يعودون أخيرا الى بروكسل ليهاجموها ، وهي المدينة التي عاشوا وترعرعوا فيها ؟ “ما الذي فاتنا، نحن البلجيكيين ؟” .

لعل الإجابة ليست بالسهلة ، فالعوامل السلبية التي أثرّت في تهاوي هذه البلدة الصغيرة المكتظة بالسكان التي يبلغ عدد نفوسها حوالي 100000 نسمة ضمن مساحة لا تزيد عن 6 كيلومتر مربع ¬، هي كثيرة ، إذ أسفر تحويل (مولينبيك) خلال أكثر من خمسين عاما الى مجتمع خليط ( بلجيكي/ مغربي) ، مما شكّلَ “بوتقة مثالية “” لجرائم متنوعة ، فضلا عن تطرف ديني ، ما أدى الى تطرف هذا المجتمع .

عنونة صحيفة اللوموند الباريسية : ” مولينبيك ، مختبر ما بعد الجهادية ” ، تحدث فيه مراسلها في بروكسل(جان بيير ستروبان) عن هذه البلدة التي تنطلق منها الهجمات القاتلة الى أغلب مناطق أوربا ، ومنها تلك التي نُفذت في مسرح (باتاكلان) بباريس، أو تلك التي حدثت في بروكسل ، وقد أصبحت “مصنع ومنطقة عبور” للجهاديين المغادرين للمشاركة في القتال في بلدان كالعراق وسوريا ، أو العائدين لتنفيذ هجمات ارهابية في أوربا ، عبر “محور” بقي وقتا طويلا خارج نطاق سيطرة السلطات الامنية البلجيكية التي أهملت مراقبة نمو وتحركات الارهابيين في البلدة حتى أصبحت خارج القانون .

في حين تُعد فرنسا من بين أكثر البلدان التي يزداد فيها عدد الجهاديين الإسلامويين في العالم ، ولاسيما في الضواحي الباريسية وبعض المدن الفرنسية التي تأوي هذه الجماعات وتعد أرض خصبة لتكاثر أفرادها ونمو نشاطاتها. ففي منتصف كانون الاول/ ديسمبر 2014، اعتبرت السلطات الفرنسية أن من بين 1400 من الفرنسيين أو المقيمين في فرنسا المتورطين في الشبكات الاسلامية المقاتلة في العراق وسوريا ،.

يوجد 390 منهم في مناطق القتال ، و231 متوجهين اليها، في حين غادر234 منهم سوريا بينهم 185 عادوا الى فرنسا. وقال رئيس وزراء فرنسا السابق (مانويل فالس) ، ” إن ذلك يشكل زيادة كبيرة في وقت قصير، كانوا ثلاثون عندما توليت منصب وزير الداخلية منتصف 2012″.

وواجهت فرنسا خلال تلك السنة زيادة كبيرة في عدد الراغبين في القتال ضمن صفوف المتشددين الإسلاميين الراحلين الى سوريا والعراق الذين قد يعودون لتنفيذ عمليات ارهابية في بلادهم ، إذ تضاعف عدد المتورطين بالانتماء الى شبكات المتشددين الإسلامويين منذ بداية عام 2014 حسب السلطات التي تقول انها فككت 13 خلية تجنيد كانت معدة للقتال في العراق وسوريا خلال عام 2014.

وتعتبر فرنسا مع بلجيكا، في طليعة البلدان الغربية التي إنطلق منها اكبر عدد من المتطوعين للقتال في صفوف تنظيم الدولة الاسلامية “داعش” .

وفي هذا السياق ، يتساءل الكاتب الفرنسي(فيغنو) قائلاً : ” كيف أصبح بلدنا ، في بضعة أشهر المصنع الاكبر للمجاهدين المتجهين الى العراق وسوريا ؟ السبب الاول هو كمي ، إذ يبلغ عدد المسلمين في فرنسا اكثر من أربعة ملايين.

وقد حلّ الاسلام في المرتبة الثانية بين الأديان العملية. إنّ ممارسة الشعائر الاسلامية يقود الى التطرّف الذي يؤسس الى مخاطر حقيقية ، في حين عبر وزير الداخلية الفرنسي السابق عن خشيته في عودة عدد من الجهاديين، رافضين قيم الغرب، وهم ينوون ارتكاب هجمات واسعة النطاق على الأراضي الفرنسية ، انهم ارهابيين محتملين ، وتبعاً لجهاز خدمات مكافحة الاٍرهاب الفرنسية ” إن الجميع مهيء للقتل ، بإسم الجهاد” .

وفي مكانٍ آخر من أوربا أظهرت المعطيات الدولية في السنوات الأخيرة إنتشار المتشددين الإسلامويين على المستوى الجغرافي والدولي، في دول البلقان أيضا التي تساهم بشكلٍ فعال في توفير الرصيد البشري والأيديولوجي للجماعات الإرهابية الناشطة ، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط وأهمها ما يسمى بالدولة الإسلامية ” داعش”.

وبعد أن تم القبض مرارا على أعضاء نافذين في تنظيمي النصرة وداعش في كل من كوسوفو وألبانيا والبوسنة ، أضحت منطقة البلقان محط أنظار جميع أجهزة الأمن والاستخبارات الدولية والأوروبية، وذلك في إطار تضييق الخناق المالي والتنظيمي والبشري على خلايا الإرهاب وفق توجهات دولية للقضاء عليه .

*حقوق النشر محفوظة الى المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق