مكافحة الإرهاب

منفذ اعتداء مانشستر جرى توجيهه و مساعدته من قبل عناصر فاعلة في ليبيا

منفذ اعتداء مانشستر التقى وحدة تابعة لـ«داعش» في ليبيا

الشرق ألاوسط ـ أفاد ضباط استخبارات حاليون ومتقاعدون بأن منفذ الاعتداء الذي استهدف حفلا موسيقيا بمدنية مانشستر الشهر الماضي والذي أسفر عن 22 قتيلا كان قد التقى في ليبيا خلية تابعة لتنظيم داعش على صلة باعتداءات باريس عام 2015. غير أن فحوى الاتصالات بين منفذ الاعتداء سلمان العبيدي والخلية الإرهابية لم يجر الكشف عنها، لكن احتمال أن يكون منفذ العملية قد جرى توجيهه أو مساعدته من قبل عناصر فاعلة في ليبيا، وليس سوريا، يوحي بأنه رغم تقلص إمكانات «داعش» في الشرق الأوسط، فعلى الأقل إحدى خلاياها البعيدة لا تزال تبتكر الحيل لمواصلة تنفيذ الاعتداءات في أوروبا.فعند زيارته طرابلس ومدينة صبراتة الساحلية، التقى عبيدي عناصر من «كتيبة البتار الليبي» التابعة لـ«داعش» التي بدأت عملياتها في سوريا قبل أن ينتشر بعض عناصرها في ليبيا.

تكونت الخلية في الأساس من ليبيين قدموا إلى سوريا للمشاركة في الحرب الأهلية الدائرة هناك، لكن سرعان ما اجتذبت المقاتلين الفرنسيين والبلجيكيين، وأرسل الكثير منهم لتنفيذ هجمات بالخارج. وأكثر الاعتداءات التي جرت في أوروبا دموية وشراسة، ومنها اعتداءات باريس 2015، كانت من تخطيط وتنفيذ خريجي تلك الخلية.

وبدأت الاتصالات بين العبيدي وأعضاء كتيبة «البتار» عندما توجه إلى ليبيا، تحديدا طرابلس وصبراتة، بحسب مسؤول كبير متقاعد في الاستخبارات الأوروبية طلب عدم ذكر اسمه. أضاف المسؤول السابق، أن العبيدي استمر في اتصالاته مع الكتيبة بعد عودته إلى مسقط رأسه مانشستر.

عندما كان العبيدي في بريطانيا كانت الاتصالات تجري أحيانا عن طريق الهاتف، وفق ضابط الاستخبارات المتقاعد، وفي حال كانت فحوى تلك المكالمات تتسم بالحساسية، كان يستخدم بعض الهواتف التي يمكن التخلص منها، وأحيانا كان يتلقى الرسائل في بريطانيا عن طريق صديق يعيش في ألمانيا أو بلجيكا.

وكانت اتصالات عبيدي مع عناصر كتيبة «البتار» قد أكدها مسؤولا استخبارات أميركيان طلبا عدم الكشف عن هويتهما، لكنهما لم يفصحا عن وسائل ومكان الاتصال. وأكد مسؤولا الاستخبارات أن العناصر المتعاونة مع العبيدي في ليبيا استمرت هدفا لتحريات مكثفة. واستمرت قيادة تنظيم داعش في التنسيق مع الموالين لها في ليبيا على الأقل منذ بداية عام 2015، وذلك بإرسال عناصر من سوريا للمساعدة في تأسيس مستعمرتهم الوليدة هناك، ونمت منطقتهم الليبية التي تتخذ من سرت قاعدة لها لتصبح الأهم بالنسبة لـ«داعش» خارج العراق وسوريا.

وبعد نحو عامين، خسر فرع التنظيم في ليبيا الأرض بعد أن دحرت قواته، لتبتعد عن الساحل بأكثر من 100 ميل، لكن هناك البعض ممن يرون أن التنظيم لم يتحطم نهائيا هناك، بل تشتت ولا يزال يحتفظ بقدرته على شن المزيد من العمليات.

في السياق ذاته، أفاد كاميرون كولكون، محلل سابق بهيئة الاتصالات الحكومية البريطانية، أن كتيبة «البتار» تشكلت على يد مقاتلين ليبيين ممن حاربوا في العراق وأفغانستان، وتعتبر الكتيبة من أولى المجموعات الأجنبية التي وصلت إلى سوريا عام 2012 عندما بدأت الثورة الشعبية في الانحدار لتصبح حربا أهلية بمشاركة جماعات إسلامية مسلحة. أضاف: «قضيت ثماني سنوات أبحث عن القاعدة، ومن ضمن الأشياء التي أتذكرها عندما كنت في الخدمة هي أن أكثر الناس شرا في القاعدة كانوا ليبيين»، مشيرا إلى دراسة أجريت اعتمادا على ملفات شخصية حصل عليها «مركز مكافحة الإرهاب» بمدينة ويست بوينت أظهرت في عام 2007 أن نحو 20 في المائة من أعضاء الجماعات الإرهابية في العراق قدموا من ليبيا. أضاف كولكون الذي يدير حاليا مركز نيو كاونتي للمعلومات الاستخباراتية بلندن: «عندما نظرت إلى (داعش) لاحظت الشيء نفسه»، فقد كانوا الأكثر قسوة والأعنف، والأكثر رغبة في التطرف، وفي المضي لتنفيذ ما يترفع عنه غيرهم. يحتل الليبيون كتائب الصفوة، ولذلك عولت «داعش» عليهم كثيرا، وبدأت سمعة كتيبة «البتار» في جذب منتسبين جدد، وبخاصة من أنبوب ضخ المجندين المعروف باسم «الشريعة من أجل بلجيكا»، وهي جماعة تأسست في بروكسل وأغرت بعض البلجيكيين والفرنسيين للانضمام لنصرة هذه القضية. أحد هؤلاء كان عبد الحميد أباعود، ابن بائع مغربي انتقل إلى بلجيكا وأدار لاحقا تنفيذ هجمات باريس.

أصبحت كتيبة «البتار الليبي» بمثابة قوات الصدمة بالنسبة لـ«داعش» نظرا لتخصصها في استخدام البنادق الآلية الهجومية والأحزمة الناسفة. ويقاتل عناصر «البتار» طالما أن بإمكانهم الاستمرار، وهدفهم ذرع متفجراتهم في الأماكن الحيوية عندما يفشلون في التسلسل ببنادقهم، وهو ما حدث في الاعتداء الذي جرى في صالة «باتلكان» بباريس.

وفي سياق متصل، أفاد أيمن جواد التميمي، باحث بمركز «ميدل إيست فورم» والذي يحتفظ بأرشيف كامل عن تنظيم داعش منذ بدايته، بأن الكتيبة الليبية تعد من أهم الوحدات القتالية التي تمثل بلادها، لكن بعد أن أعلن «داعش» تأسيس دولة الخلافة عام 2014، جرى حل الكتيبة؛ إذ شرع «داعش» في محاولة منع ظهور كتائب اعتمادا على الجنسية أو العرق.

ورغم حل كتيبة «بتار ليبيا» في السابق فقد استمرت في العمل، وعاد بعض أعضائها إلى ليبيا للمساعدة في تأسيس ما يمكن أن يصبح فرع «داعش» في ليبيا، بحسب رسالة أرسلها التميمي بالبريد الإلكتروني، في حين يلعب بعض منتسبي تلك الكتيبة دور «المخططين الخارجيين» من خارج ليبيا.

وذكر كولكون في بحثه، أنه اكتشف أن اليبيين العائدين أسسوا معسكرات تدريبية لتعليم صناعة المتفجرات والتدريب على استخدام الأسلحة، وافتتحوا «غرفة عمليات» للنشاطات الإرهابية، كانت مهمتها حماية كبار قادة «داعش»، وكذلك الفرق التي تتولى عمليات الاستهداف والاغتيالات.

شرعت الكتيبة أيضا في شن اعتداءات إرهابية في المنطقة، منها الاعتداء الذي جرى على شاطئ بمدينة سوسة التونسية عام 2015، واعتداء متحف باردو بتونس، اللذان راح ضحيتهما 60 قتيلا، غالبيتهم من السياح الأجانب.

وكشفت التحقيقات لاحقا، عن أن الجناة في اعتدائي تونس تلقوا تدريبات بمعسكرات «داعش» بمدينة صبراتة الليبية، المدينة نفسها التي يعتقد أن العبيدي زارها للقاء عناصر كتيبة «بتار ليبيا».

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق