محاربة التطرف في ألمانيا ـ جدلية الإسلام والإسلام السياسي. ملف

سبتمبر 4, 2022 | الاتحاد الأوروبي, الجهاديون, اليمين المتطرف, تقارير, دراسات, دراسات مشفرة, محاربة التطرف, مكافحة الإرهاب

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
يمكنك الاشتراك بالدراسات والملفات المشفرة مقابل اشتراك شهري قدره 30 يورو
بارسالك رسالة عبر البريد الإلكتروني. info@europarabct.com

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ المانيا  و هولندا

 

محاربة التطرف في ألمانيا ـ جدلية الإسلام والإسلام السياسي . ملف

1 ـ محاربة التطرف في ألمانيا ـ هل الإسلام جزء من ألمانيا  ؟ 

تعد ألمانيا نموذجا للتعدد الديني الذي يكفله الدستور والقانون ما جعلها مساحة آمنة للكثيرين من المهاجرين المسلمين في الاستقرار والعمل على مدار العقود الماضية، وكان الأتراك والمغاربة هم أول القادمين للعمل في المدن الألمانية الكبيرة في الفترة ما بين ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وتدريجيا استقبلت ألمانيا المهاجرين اللبنانيين والفلسطينيين لظروف الحرب في بلادهما.

وبالتوازي نشأت الجمعيات الخيرية والمراكز الإسلامية في برلين وفرانكفورت وشتوتغارت وماربورغ وميونيخ وآخن، بهدف العمل الإنساني والخدمي لهؤلاء المهاجرين، الأمر الذي سهل لقيادات جماعة الإخوان المسلمين التغلغل داخل المجتمع الألماني لاسيما مع تمدد عمل المؤسسات التابعة للتنظيم الدولي للإخوان في عدد من العواصم الأوروبية في الوقت نفسه، ما وضع ألمانيا اليوم أمام معضلة محاصرة نشاط هذه الجماعة وجمعياتها التي باتت تهدد أمن المجتمعين الألماني والأوروبي معاً.

الجاليات المسلمة في ألمانيا ـ محاربة التطرف

رغم توافد المهاجرين المسلمين إلى ألمانيا منذ سنوات طويلة، إلا أن عام 2015 كان نقطة تحول باستقبال ألمانيا مليون ونصف المليون لاجئ أغلبهم قادمين من سوريا، ما أدى لارتفاع أعداد الجاليات المسلمة بنسبة (20%)، وفي الوقت نفسه تراجعت نسبة المسلمين الأتراك من (67%) إلى (50%) مقابل زيادة أعداد المسلمين القادمين من منطقة الشرق الأوسط.

وقدرت أعداد المسلمين في ألمانيا خلال عام 2020، ما بين (5.3) إلى (5.6) مليون مسلم ما يمثل نسبة (6.4%) إلى (6.7%) من إجمالي عدد السكان ويتمركز ثلثهم في ولاية شمال الراين وستفاليا غرب ألمانيا، ويمثل عدد المسلمين المنحدرين من تركيا (45.1%)، وتتساوى نسبة المسلمين المنحدرين من جنوب شرق أوروبا بنسبة القادمين من منطقة الشرق الأدنى وتبلغ (19.2%) ، وتصل نسبة المسلمين المنحدرين من الشرق الأوسط  (8.8%)، وتصل نسبة المسلمين القادمين من شمال أفريقيا (7.6%).

وساعدت الهجرة من الشرقين الأوسط والأدنى على تنوع الطبيعة السكانية للمسلمين بألمانيا، وتشير التقديرات إلى تراوح أعداد المسلمين في العاصمة الألمانية برلين ما بين (250) ألف إلى (300) ألف مسلم ما يمثل (9%) من سكانها، بينما يقيم نحو (120) ألف مسلم في كولونيا الواقعة غرب ألمانيا.

ممارسة الشعائر الدينية

تنص المادة الرابعة من الدستور الألماني على حرية المعتقد الديني ما يضمن حرية ممارسة الشعائر الدينية، وتؤكد القوانين الاتحادية على أنه لا يجوز إكراه أحد على المشاركة في الخدمة العسكرية بما يتعارض مع معتقداته. وحرصت السلطات الألمانية على تشييد المساجد بمختلف طرازها المعماري ووصلت أعدادها إلى (2800) مسجد، وتنوعت بين (350) مسجد مشيد بمئذنة أو قبة وفقا للتصميم المعماري التركي لكثرة أعداد المسلمين الأتراك، ومساجد أخرى كبيرة تتسع لأكثر من (1000) شخص في كبرى المدن مثل بريمن ودويسبورغ وكولونيا إضافة إلى مساجد مصممة تصميم بسيط في المدن الصغيرة.

ولا تخضع فقط المساجد لمواصفات بناء محددة، بل تطبق تلك الشروط على كافة دور العبادة بألمانيا، نظرا لأن حقوق الأقليات محفوظة وتعد حقوق أساسية غير مسموح للأغلبية إلغائها أو المساس بها. وسمح لبعض المساجد رفع صوت الأذان بصوت مسموع خارجها، وكانت كولونيا واحدة من المدن التي طبقت تجربة رفع الأذان بصوت مسموع أثناء الصلاة أيام الجمعة عبر مكبرات الصوت، وفي 13 أكتوبر 2021 أطلق عمدة المدينة المشروع بشرط ألا يتعدى الأذان خمي دقائق مع وضع ضوابط لمستوى علو الصوت وفقاً لموقع المسجد في المدينة التي تضم (45) مسجداً.

وبهذه التجربة المطروحة للتقييم خلال عاميين من إطلاقها، تسعى كولونيا نشر مفاهيم التسامح والتنوع وتقبل الآخر بالسماح لسماع صوت الأذان بجانب أجراس الكنائس بالمدينة، مستندة على القوانين الألمانية التي تنص على أن نداء الصلاة بمكبرات صوت حق من الحقوق الأساسية للفرد وضمن الحريات الدينية، وتراعي القوانين في الوقت نفسه تجنب أي أضرار تلحق بالمجتمع جراء تطبيق هذه الحقوق بناء على قانون ” الحرية الدينية السلبية” لذا تضع ضوابط لممارسة الشعائر الدينية في الأماكن العامة.

ولم تكن تلك القواعد حديثة بل يعود تاريخ رفع الأذان بصوت عالي إلى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي في مدينة دورن الواقعة غرب ألمانيا وسمحت وقتها بإسماع صوت الأذان ثلاث مرات من اليوم بمسجد الفاتح، وبالمثل سمحت مدينة غلزنكيرشن سماع صوت المؤذن بمسجد حي هاسل كل يوم جمعة خلال عام 2001.

مواقف الأحزاب السياسية الألمانية من المسلمين والإسلام السياسي

يبدو أن الخلاف داخل الحكومة الائتلافية التي تضم ” الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الديمقراطي الحر وحزب الخضر” لا يتعلق فقط بالسياسة المالية، بل يمتد إلى التعامل مع قضايا المسلمين الألمان من ناحية ودرجة التقارب مع تيار الإسلام السياسي من ناحية أخرى.

ويصبح ملف الجاليات المسلمة في كل انتخابات بألمانيا أهم النقاط التي تركز عليها الأحزاب لاسيما وأن نصف المسلمين لهم حق التصويت بالانتخابات. وفي الانتخابات البرلمانية لعام 2021 وعد الحزب الاشتراكي بتقديم سياسات تضامنية مع قضايا المهاجرين ومكافحة العنصرية، وبالمثل أعلن حزبا الخضر واليسار نفس التوجه رغم الانتقادات الموجهة لهما بشأن التعاون مع الجماعات المتطرفة التي تهدد أمن المجتمع الألماني وفي مقدمته المسلمين، وطالب الحزب الليبرالي الحر بأهمية دمج المسلمين بالمجتمع.

وتقوم برامج حزبي الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي على تطبيق سياسة الاندماج والتحذير من التطرف، وتعود سياسيات الحزبين إلى فترة حكمهما بزعامة المستشار الألمانية السابقة أنغيلا ميركل لألمانيا باتباع توجه مناهض للجماعات الداعمة للإسلام السياسي، وفي 13 أبريل 2021 طرحت الكتلة المحافظة مقترحا لقطع جميع الإعانات المقدمة للجماعات الإسلامية، الأمر الذي يفسر انقسام مواقف أعضاء الحزب الاجتماعي المسيحي بشأن رفع الأذان، ما بين مؤيد للقرار لتحقيق انسجام المسلمين بالمجتمع ومعارض للأمر لاعتباره دخيل على تقاليد المجتمع الغربي.

بينما وقف حزب البديل من أجل ألمانيا على الجانب الآخر من باقي الأحزاب، برفضه استقبال المهاجرين ومعارضته لتدريس الدين الإسلامي بالمدارس ورفع صوت الأذان في مكبرات الصوت، ويبرر مواقفه بأن تزايد أعداد المسلمين يهدد وجود دولة القانون.

وأثارت قضية تدريس مادة التربية الإسلامية بولاية بافاريا جنوب ألمانيا في 6 يوليو 2021 الجدل بين السياسيين، وانتقد حزب الخضر القانون مستندا على أنه مجرد درس أخلاقي بتوجيه إسلامي ولن يقدم تعليما دينيا للتلاميذ المسلمين، ويعود هجوم الخضر لعلاقته بالتيار الإسلامي خاصة وأن القانون لم يسمح للجمعيات الإسلامية بالتدخل في المنهج أو اختيار المعلمين.

الإسلام جزء من ألمانيا

مازال تصريح ” المسلمون والإسلام جزء من ألمانيا” الذي أدلت به المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في 16 مارس 2018 محط نقاش بين الأحزاب الألمانية. وقالت ميركل إن “البلاد تريد إسلاماً قائماً على أساس الدستور، ويتعين علينا بذل الجهود لصياغة حياة مشتركة على نحو جيد بين الأديان”، وتوافقت تصريحات ميركل مع كلمات الرئيس الألماني الأسبق كريستيان فولف خلال عام 2010 الذي أكد فيها على أن الإسلام جزء من بلاده.

وجاءت تصريحات ميركل تعقيبا على تصريح وزير الداخلية الألماني وقتها هورست زيهوفر حول الإسلام، والتي أشار فيها إلى أن” بلاده تتميز بشدة الطابع المسيحي واليهودي، وهناك 4 ملايين مسلم يعيشون فيها وهذا لا يعني تخلي ألمانيا عن تقاليدها”.

وانتقد الساسة من أحزاب الاشتراكي والمسيحي الديمقراطي والخضر واليسار موقف زيهوفر، وأرجعه البعض إلى محاولة لكسب أصوات انتخابية من حزب البديل المعروف بمواقفه المتشددة ضد المسلمين، مؤكدين على أن دعم التكاتف بالمجتمع سياسة دولة يحميها الدستور.

المجلس الأعلى لمسلمي ألمانيا بطرد منظمات إخوانية 

في تطور جديد، قام المجلس الأعلى لمسلمي ألمانيا بطرد منظمات إخوانية من صفوفه وتجريد قيادي إخواني بارز من كل مناصبه داخل المجلس. وقام المجلس مساء  يوم 17 سبتمبر 2022 بطرد كافة الواجهات الإخوانية من عضوية المجلس، وفي مقدمتها المركز الإسلامي في ميونخ واتحاد الطلبة التابع للإخوان المسلمين، كما قام بتجريد إبراهيم الزيات المعروف بـ”وزير مالية الإخوان” من كافة مناصبه داخل الاتحاد.وجاءت هذه القرارات في أعقاب الانتخابات التي عقدها المجلس ووسط توجهات جديدة تقضي بإقصاء الواجهات الشرعية لجماعة الإخوان والتي يتم استخدامها كأدوات للعمل لصالح الجماعة.  كان المجلس قد وافق  وفي يناير 2022 ، على إسقاط عضوية جمعية “التجمع الإسلامي الألماني”، التي تصنفها السلطات الأمنية بأنها تابعة للإخوان المسلمين أيضاً. ووفق المعلومات التي تكشفت، فإن القيادي الإخواني إبراهيم الزيات كان له دور بارز في الإشراف على منظمات الإخوان بألمانيا كلها، ثم زاد دوره بعد زواجه من صبيحة أربكان ابنة شقيق نجم الدين أربكان مؤسس حزب الرفاة التركي. وأنشأ مع بعض معاونيه ما يسمى المجلس الأوروبي لفتوى والأبحاث كمصدر للفتوى الدينية للمسلمين في أوروبا، ووسيلة للتغطية الدينية لعمليات جمع أموال الزكاة.

المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا ZMD..   المهام والعلاقات

يعود تاريخ إنشاء المجلس الأعلى للمسلمين بألمانيا إلى عام 1994 تحت رئاسة ” نديم إلياس” بهدف متابعة شؤون الجالية المسلمة في ألمانيا، حتى أنه تبنى منذ عام 1997 يوم 3 أكتوبر من كل عام يوم ” المسجد المفتوح” للحد من التحيز ضد الإسلام، ويشارك في عضويته نحو (10) آلاف شخص أغلبهم من المسلمين الأتراك. ويضم نحو (4) اتحادات إسلامية كبرى بألمانيا و(20) منظمة متعددة الانتماءات يتبعها نحو (300) مسجد.

ورغم محاولات المجلس للبعد عن شبهة التورط مع جماعة الإخوان المسلمين، لكن مازالت الانتقادات توجه ضده بشأن اختراق الجماعة لأنشطته، لذا وجه دعوة لمنظمات ألمانية وأئمة وسياسيين ورجال دين للمشاركة في أسابيع مناهضة العنصرية خلال الفترة من 14 إلى 17 مارس 2022 للتأكيد على موقفه المناهض للتطرف والعنصرية والتزامه بقيم المجتمع الألماني من الاحترام والتسامح.

وفي 31 يناير 2022 أنهى المجلس علاقته بأهم أعضائه المؤسسين ” التجمع الإسلامي الألماني DMG” والذي عرف في السابق باسم ” الجمعية الإسلامية في ألمانيا” باستبعاده رسميا بعد أن علق عضويته خلال عام 2019، وجاءت الخطوة لنفي أي علاقة تربطه بجماعة الإخوان بعد تصنيف جهاز حماية الدستور ” الاستخبارات الداخلية” التجمع الإسلامي جزء من الشبكة العالمية للإخوان ومنظمتهم المركزية في ألمانيا.

ويعد التجمع الإسلامي أضخم جمعية تضم الإخوان في ألمانيا ومنحته العضوية بالمركز الإسلامي فرصة للتواصل مع بعض القنوات السياسية، لذا شهد مؤتمر الإسلام في ألمانيا لعام 2007 واقعة غريبة بحضور رئيس التجمع آنذاك إبراهيم الزيات مع وفد المجلس رغم عدم توجيه الداخلية دعوة للأول.

ومنذ هذه اللحظة وقعت الداخلية في مأزق لعلاقتها القوية بالمركز الإسلامي الذي نجح في الحصول على أموال لتمويل مشروعاته والتواجد سنويا في ” مؤتمر الإسلام في ألمانيا” تحت رعاية وزارة الداخلية بهدف دمج المسلمين في المجتمع، واتجهت الأنظار إلى علاقة التجمع الإسلامي بالإخوان ما دفع الاستخبارات لاتخاذ إجراءات مباشرة ضده.

تقييم واقع المسلمين وعمل المجلس الإسلامي بألمانيا ـ محاربة التطرف

تنعكس التركيبة السكانية للمسلمين بألمانيا على درجة تأثيرهم في المجتمع والحياة السياسية، فالنسبة الأكبر من المسلمين من أصول مهاجرة، ويحمل (2.6 )مليون مسلم الجنسية الألمانية وتتراوح أعمار نصفهم ما بين 18 و29 عاماً، بينما تبلغ نسبة من هم ستون عاماً أو أكثر أقل من (5%) . وطوال السنوات الماضية لم يكن هناك تأثير مباشر من المسلمين في المجتمع الألماني، ويعود الأمر إلى تراجع المستوى التعليمي لبعضهم لطبيعة ظروف الهجرة وبالتالي تراجع المستوى الاجتماعي وظروف الإقامة، وبالرغم من هذا لمس المسلمون بألمانيا تحسن في مستوى المعيشة مقارنة بحياتهم السابقة لذا يشعرون بالرضا تجاه أداء الحكومات نظرا للثقة في تطبيق القانون داخل المجتمع. أما على المستوى السياسي يميل المسلمون إلى الحزب الاشتراكي ومن بعده حزبي الخضر واليسار بينما تتراجع لديهم شعبية حزب البديل، ورغم صغر أعمار الناخبين المسلمين لكن لا يقبلون بالشكل المتوقع على التصويت.

وينقسم عمل المجلس الأعلى للمسلمين إلى جانبين، الجانب الأول يرتبط بدوره كحلقة وصل بين المسلمين والمؤسسات بألمانيا كونه الصوت الإعلامي الأكثر تواجداً بين باقي المنظمات الإسلامية والأكثر تواصلاً مع وزارة الداخلية، ويرغب المجلس في أن يصبح له تواجد بشكل فعلي بين المسلمين خاصة وأن (16%)  فقط يدركون دوره ما يشير إلى فجوة كبيرة في الدور المتوقع منه حول دمج المسلمين في السياسة. أما الجانب الثاني تثار حوله الشكوك نظراً للعلاقات التي ربطته بالتجمع الإسلامي وجماعة الإخوان من ناحية، والاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية من ناحية أخرى، لاسيما مع تقارب الأفكار الإيدلوجية في مدينة آخن غرب ألمانيا بين قيادات المجلس المتأثرين بإخوان سوريا وقيادات التجمع المتأثرين بإخوان مصر، لذا يتحفظ المجلس الإعلان عن أعضائه ويعتمد على هيكل غير مركزي للبعد عن المراقبة الأمنية.

**

2 ـ الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ مشاريع قرار للحد من أنشطة الجماعة

توالت التحذيرات في الآونة الأخيرة حيال تزايد أنشطة جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا بشكل ملحوظ، بداية من رصد أكثر من (150) قيادياً إخوانياً وصولاً إلى إحكام سيطرة الجماعة على الكثير من الجمعيات والمساجد، الأمر الذي يهدد ألمانيا بأن تصبح نقطة التمركز الثانية للإخوان المسلمين في أوروبا بعد المملكة المتحدة. ومن هنا تكثف الاستخبارات الألمانية الداخلية جهودها في جمع المعلومات عن طبيعة العلاقات المستترة بين الإخوان المسلمين والمنظمات الإسلامية من جانب، والإخوان وباقي التنظيمات المتطرفة مثل تنظيمي داعش والقاعدة لنشاطهما في بعض المدن الأوروبية.

ثقل الإخوان في ألمانيا؟

نجحت جماعة الإخوان المسلمين في تكوين شبكة علاقات قوية مع الاتحاد الإسلامي التركي والمجلس الأعلى للمسلمين ومن ثم التجمع الإسلامي ومنظمة الجالية المسلمة بألمانيا، ما منحها فرصة التواجد بين المسلمين الألمان والسيطرة بشكل أوسع على المساجد ونشر أفكارها بشكل تدريجي بهدف عدم إثارة الشكوك حولها، مع الاعتماد على مصادر تمويل مستترة من خلال الجمعيات الخيرية بألمانيا وخارجها واستغلال القوانين الألمانية لبناء اقتصاد قوي، إضافة إلى محاولة كسب ثقة المجتمع والساسة الألمان والنأي بنفسها عن الأفكار المتشددة الصادرة من باقي التنظيمات المتطرفة، والعمل عبر خلايا سرية لاستقطاب الشباب والفئات غير القادرة على الاندماج بالمجتمع والفئات الأقل تعليما، ليصبح للجماعة ثقل كبير وممتد داخل المجتمع الألماني منذ عقود طويلة، ما ينذر بخطورة بالغة من استخدام الجماعة الجالية المسلمة كورقة ضغط على الحكومة لتحقيق مصالحها باختراق مؤسسات المجتمع التعليمية والثقافية مستغلة التشريعات الألمانية.

مشاريع حظر الإخوان بألمانيا.. ما مصيرها؟

مع تزايد مخاطر تمدد نفوذ الإخوان المسلمين، تعالت الأصوات داخل البرلمان وبعض الأحزاب الألمانية للمطالبة بإصدار قرار حظر نشاط الجماعة وتعقب أنشطتها المتطرفة. وفي 15 مارس 2022 قدم حزب البديل من أجل ألمانيا للبرلمان مشروع قرار يستهدف تشديد الرقابة على مصادر تمويل تيار الإسلام السياسي وتجفيف منابع تمويل جماعة الإخوان المسلمين. ونشر البرلمان الألماني في 9 يونيو 2022 وثيقة عن طلب إحاطة من قبل حزب البديل عن بعض منصات الإسلام السياسي، وكشفت الوثيقة عن وجود داعمين داخل الحكومة وبعض مؤسساتها الإعلامية وحزبي اليسار والخضر، مستندة على أن غياب فحص المنصات المسجلة وعلاقاتها مع المنظمات الأخرى وطبيعة خلفية العاملين بها والخلط بين الحق في الحريات والتطرف ساهم في تعاون الإخوان مع هذه المؤسسات.

وبالمثل قدم حزب اليسار للبوندستاغ في 19 يوليو 2022 طلب إحاطة يتعلق بتمدد الإخوان داخل ألمانيا وعبر الحدود مع النمسا، وتشابه هذا الطلب مع ما كشفته الاستخبارات الألمانية من وجود روابط بين إخوان النمسا وإخوان ألمانيا وتورطهما في تنفيذ هجمات إرهابية على أوروبا خلال عام 2020 و 2021، بعد رصدها لتزايد أعضاء الجماعة الأساسيين إلى (1450) في ألمانيا خلال عام 2020.

حظر جماعة ” أنصار الدولية

أقدمت ألمانيا على حظر جماعة ” أنصار الدولية” المعروفة بعلاقتها القوية بالإخوان في 6 مايو 2021، لتمويلها الإرهاب ولقيامها بدور الوسيط بين الإخوان والمتطرفين في ألمانيا، وتشير هذه الروابط إلى احتمالية اكتساب الإخوان مهارات تجنيد الشباب من الجماعات المتطرفة، وتعلم الثانية أساليب التخفي عن أعين الأجهزة الأمنية مثل الإخوان لذا تعد خطوة حظر هذه الجماعات بداية لحظر الإخوان في ألمانيا.

وتركز الاستخبارات على تتبع مصادر تمويل الإخوان لتضييق الخناق على أنشطتهم، لإدراكها فشل سياسة الانخراط الحذر التي اتبعتها مع الإخوان واكتفائها بوقف تواصلهم مع الجماعات الإسلامية خارج أوروبا لتحجيم وجودهم، خاصة وأن منظمة “يوروب تراست” الأداة المالية للإخوان في أوروبا ومقرها بالمملكة المتحدة تمكنت من الاستحواذ على عقار بقيمة 4 ملايين يورو في حي ويدينج ببرلين الذي يضم جمعيات أخرى ممولة للإخوان.

ورغم المشاريع المقدمة للبرلمان لحظر الإخوان والمعلومات التي تتحصل عليها الاستخبارات بشأن تورط الجماعة في نشر التطرف، إلا أن حظر نشاطها مازال خطوة معلقة لسببين، السبب الأول يرتبط بأن مسألة تجهيز المقترح وجمع الأدلة ومناقشتها داخل الحزب تمهيدا لطرحه على البرلمان كمشروع قرار يتطلب وقت، علاوة على أن تقاطع المصالح بين بعض الأحزاب والإخوان يمثل عقبة لعملية المناقشة داخل الحزب وإقراره أمام البرلمان.

ويتعلق السبب الثاني بطبيعة القوانين الألمانية التي تتطلب أدلة دقيقة وواضحة للإقدام على قرار بحجم قرار حظر الإخوان نهائيا، وتتمثل الأدلة في إثبات تمويل الجماعة للهجمات الإرهابية وتواصلها الدائم مع تنظيمات متطرفة ورصد تحركاتها داخل المساجد ومؤسسات الدولة، وتصعب هذه المهمة على الاستخبارات لاتباع الإخوان سياسة التحايل على القوانين والتستر وراء جمعيات خيرية.

النشاط الناعم للإخوان أخطر من الجماعات “الجهادية

” الذئاب في ثياب الحملان” هكذا وصفت الاستخبارات الألمانية الإخوان المسلمين في تقريرها الصادر في 10 يناير 2022 عن خطورة الجماعة المتطرفة، نظرا لارتفاع أعداد الجمعيات الإسلامية إلى (960) جمعية ومحاولاتهم المستمرة لتأسيس نظام سياسي واجتماعي متطرف في ألمانيا، باعتمادهم على سياسة اختراق مؤسسات الدولة لخلق كوادر وساسة يصبحون صناع قرار في المستقبل يستطيعون من خلالهم تكريس العنف والتطرف. واتبع الإخوان استراتيجية مختلفة في ألمانيا عن باقي أوروبا، بالتبرؤ من علاقاتهم بالتنظيمات المتطرفة والترويج لأفكارهم عبر رسائل مزدوجة تحمل معاني خفية حتى يصعب على الأجهزة الأمنية كشفها، حتى أنه وصل الأمر صياغة الرسائل باللغتين التركية والعربية والمراوغة في حالة كشفها بأنها تفسيرات خاطئة للمعني ليس أكثر.

ويعد” التجمع الإسلامي الألماني DMG ” نموذجا لهذه السياسة، وتتمثل خطورته في عدد أعضائه الذي يبلغ نحو (1450)  شخصا وعمله الذي يطلق عليه ” الطيف القانوني” الذي يعتمد على إحداث تغيير على المدى البعيد بالمجتمع وإقامة أنظمة سياسية إسلامية لا تتوافق مع مبادئ الحرية والديمقراطية وليس بتنفيذ هجمات إرهابية، الأمر الذي دفعه لتغيير اسمه عدة مرات هربا من رقابة المكتب الاتحادي لحماية الدستور ومحاولة لتجميل صورته أمام الرأي العام الألماني.

وطدت الجماعة تعاونها مع المراكز الإسلامية ليس بهدف التمويل فقط بل للحصول على مساحة الظهور إعلاميا في الفعاليات العامة ومصافحة الشخصيات العامة لتصحيح صورتها مع ارتفاع وتيرة الهجمات الإرهابية في أوروبا ونفي أي تحذيرات أمنية بشأن خطورتها على المجتمع بهدف خلق أزمة ثقة بين الألمان ومؤسسات الدولة.

ولم يكف الإخوان عن الترويج لخطاب أن الجماعة أقلية تتعرض للتمييز وأن هذا الحال يتشابه مع أوضاع الجالية المسلمة في ألمانيا بنشر وقائع مزيفة مغلوطة لاستقطاب الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتطرح الخلايا الإلكترونية مناقشة بعض القضايا الشائكة مثل المرأة أو حقوق الأقلية أو المشاركة السياسية أو العنصرية في المجتمع الألماني وتتسلل من خلالها لكسب ود بعض الفئات من الجالية المسلمة التي تؤمن بالحريات الدينية ويصعب الوصول إليها عبر المراكز الإسلامية والمساجد.

قراءة مستقبلية 

رغم تحفظ الاستخبارات الألمانية في الإعلان عن التحقيقات الجارية بشأن جماعة الإخوان المسلمين والجمعيات ذات الصلة بها، لكن تصبح هذه التحركات الأمنية دافعاً كبيراً للأحزاب الألمانية لتقديم مزيد من الأدلة في طلبات الإحاطة المقدمة للبرلمان لحظر الجماعة، وتحمل هذه الطلبات مؤشرات واضحة للألمان بتغيير الدولة سياساتها في التعامل مع هذا الملف الشائك واتخاذ خطوات جادة لتضييق الخناق على الأفكار المتطرفة.

وتعد التساؤلات الأخيرة عن مصادر تمويل الإخوان بألمانيا والمطالبة بتجفيف منابع هذه الأموال سواء من داخل أو خارج ألمانيا جرس إنذار للمؤسسات الاقتصادية والمراكز الإسلامية والأحزاب السياسية المتورطة في دعم الجماعة للنأي بنفسها عن جماعة الإخوان والتوقف فوراً عن تقديم أي دعم من أي نوع لها من ناحية، وتحذير شديد اللهجة للجماعة نفسها بضرورة الكف عن أساليب التخفي والتغلغل في المؤسسات التعليمية والمساجد من ناحية أخرى، ما يجبر الجماعة على إعادة ترتيب أوراقها من جديد ورسم استراتيجيات جديدة في التمويل واستقطاب عناصر لها والتسلل للمجتمع الألماني، ومن هنا لحين الانتهاء من هذه التغييرات تتراجع أنشطة الجماعة نوعا ما تحسبا لتحركات الأجهزة الأمنية.

**

3 ـ محاربة التطرف في ألمانيا ـ جدلية التكامل والاندماج الأجتماعي

مع تزايد مخاطر تيار الإسلام السياسي في ألمانيا، تصبح قضية دمج المسلمين في المجتمع الألماني من أولويات عمل الحكومة ومنظمات المجتمع المدني لسد أي ثغرات في العلاقات بين الجالية المسلمة وباقي فئات المجتمع الألماني، وصد محاولات جماعة الإخوان المسلمين لاستقطاب فئات الشباب نحو التطرف باستغلال ممارسات جماعات اليمين المتطرف العنصرية ضد المسلمين واتهام الحكومة بالتقصير في الرد على هذه الوقائع الفردية. وتحرص ألمانيا على الربط بين عمل المؤسسات المعنية بعملية دمج المسلمين في المجتمع ودور المراكز الإسلامية المنوطة بمتابعة شؤون الجالية المسلمة، بهدف تحقيق اندماج أكثر للمسلمين في المشاركة المجتمعية والحياة السياسية.

 مؤسسات ألمانية معنية بالاندماج والتكامل الاجتماعي

يقع على عاتق المؤسسات الألمانية المعنية بالاندماج والتكامل الاجتماعي دور كبير في احتواء الجالية المسلمة في ألمانيا، وفي مقدمة هذه المؤسسات وزارة الداخلية التي ينقسم دورها بين إقامة الفعاليات الخاصة بدمج المسلمين والتواصل المستمر مع المراكز الإسلامية المتابعة لأحوال الجالية المسلمة في ألمانيا، علاوة على القيام بمهام الرقابة على عمل المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين.

وأطلقت ألمانيا منذ عام 2006 مبادرة ” مؤتمر الإسلام في ألمانيا” برعاية وزارة الداخلية، ويعد المؤتمر حلقة نقاشية مستمرة حول التعاون بين مؤسسات الدولة والمسلمين في البحث عن مخرج لقضايا الدمج ومشاركة الجالية المسلمة في المجتمع، ونجح المؤتمر في طرح أمور مشاركة المسلمين في السياسة ودرجة تأثيرهم من حيث مشاركة النخبة والناخبين في الانتخابات إضافة إلى طرح القضايا الجدلية المتعلقة بتدريس التربية الإسلامية في المدارس وتشييد المساجد ورفع الأذان بمكبرات الصوت بالمدن الألمانية.

ويعد المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين ” بامف” التابع لوزارة الداخلية واحد من أهم المؤسسات المسؤولة عن عملية دمج المسلمين في المجتمع عبر إعداد الإحصائيات والدراسات المتخصصة عن أعداد الجالية وأحوالهم وخطوات الدمج، وتنفيذ سياسة دمج المسلمين بتقديم دورات الاندماج وتعلم اللغة الألمانية وتوفير المراكز الاستشارية للرد على استفسارات الجالية فيما يخص صعوبات الاندماج بالمجتمع ونظام التعليم وطبيعة فرص العمل المتاحة، لا سيما مع توسيع الحكومة الألمانية نطاق التدريب اللغوي وربطه مع الخطوات التي تتخذها وكالة التوظيف الفيدرالية.

كما يمثل المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا نقطة تواصل بين المؤسسات والجالية المسلمة، ما يجعل دوره الرئيسي يرتكز على تقريب وجهات النظر بين المسلمين والمجتمع الألماني فيما يتعلق بقضايا ممارسة الشعائر الدينية وبناء المساجد، وتعتمد عليه وسائل الإعلام في معرفة توجهات المسلمين في الحياة العامة والمشاركة السياسية نظرا لأنه يعد صوت الجالية المسلمة في ألمانيا بتقديمه التكامل الاجتماعي، إضافة إلى أنه المركز الإسلامي الأكثر تواصلا مع الإعلام بحضور الفعاليات وعلاقاته الوطيدة مع وزارة الداخلية. وتعول المؤسسات الحكومية على المجلس في اتخاذ خطوات جادة في دمج المسلمين بالمجتمع وفتح آفاق جديدة لمشاركتهم في الانتخابات وطرح الصعوبات التي تواجههم في الانخراط في الحياة العامة.

ما هي قدرة المسلمين على الاندماج في المجتمع؟

رغم تزايد أعداد المسلمين في ألمانيا خلال السنوات الماضية، إلا أن محاولات اندماجهم وتأهيلهم في المجتمع تبدو أنها متفاوتة بناء على عدة عوامل من بينها المستويين الاجتماعي والتعليمي وطبيعة العمل وفترة الإقامة، وتختلف هذه العوامل ومن ثم درجة التجاوب مع سياسات الدمج في المجتمع بين المسلمين الذين ولدوا في ألمانيا والمسلمين من أصول مهاجرة.

كان تقدير مهارات اكتساب اللغة الألمانية والمستويين التعليمي والمهني لدى المسلمين المولدين في ألمانيا بنسب عالية جداً،  وصلت إلى (65%)  من المسلمين الذين شملتهم الأبحاث لديهم علاقات قوية مع الأصدقاء، إضافة إلى أن المسلمين مواليد ألمانيا لا ينتمون بأي شكل للمراكز الإسلامية ولا البلاد التي قدمت منها عائلاتهم.

وأن مشاكل اندماج المسلمين في ألمانيا لا ترتبط بالدين، خاصة وأن (15.8%) من المسلمين من أصول مهاجرة لم يكملوا تعليمهم ونحو (74.6%) من المسلمين المهاجرين لا يمتلكون مهارات للعمل نظرا لأن ظروف الهجرة دفعتهم لعدم استكمال دراستهم، وبالمقارنة كانت نسبة (21.8%) من المسلمين الذين ولدوا في ألمانيا لا يمتلكون مهارات للعمل، ووصل عدد الرجال المسلمين من أصول مهاجرة ويعملون إلى  (61%) بينما بلغت نسبة المسلمات المهاجرات وتعملن (41%).

وتبدو أن محاولات المؤسسات الألمانية في تحقيق سياسات الدمج من خلال إقرار برلمان بافاريا مشروع تدريس مادة التربية الإسلامية واعتماد بعض المدن مشروعا أمنيا خاصا بحماية المساجد لم تؤتِ بثمارها، فالتطور في هذه القضية بطيء في ألمانيا مقارنة ببعض الدول الأوروبية، لتباين المجتمعات والمستويات الثقافية التي قدم منها المسلمون من أصول مهاجرة وتنوعت بين (23) دولة مسلمة ما يجعل عملية التوعية بضرورة التمثيل في الحياة العامة والسياسية صعبة للغاية، واقتصار دور بعض المؤسسات المعنية بشؤون الجالية المسلمة على الأمور الدينية فقط دون التطرق إلى أهمية الانخراط في المجتمع والسياسة.

ورغم عدم تحقيق سياسات الاندماج الهدف المرجو منها السنوات الماضية، لكن تعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة مؤشرا لبعض التغييرات المتعلقة بنسب مشاركة الجالية المسلمة في الحياة السياسية، خاصة وأن (81%) من المسلمين الألمان يرون أن الديمقراطية الحل الأمثل للحكم ما يعني اختلاف رؤية المسلمين نحو النظام السياسي وأهمية المشاركة في المؤسسات الديمقراطية. وارتفعت نسبة المسلمين المرشحين في قوائم الأحزاب السياسية في انتخابات سبتمبر 2021 مقارنة بالاستحقاقات الانتخابية السابقة، وحملت أيضا الانتخابات الأخيرة مؤشراً جديداً بشأن انتماءات المرشحين المسلمين الحزبية، وتنوعت ما بين أحزاب اليسار والخضر والاشتراكي الديمقراطي المهتمين بقضايا المهاجرين وحزبي الليبرالي الحر والمسيحي الديمقراطي. 

الإسلاموفوبيا” وعنصرية اليمين المتطرف ضد المسلمين

في ظل تنامي وجود تيار الإسلام السياسي تصاعدت أصوات جماعات اليمين المتطرف، ما يثير المخاوف من ارتفاع العنصرية ضد المسلمين وانتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا في المجتمع الألماني. وفي 23 يونيو 2021 أبرزت الاستخبارات الألمانية لأول مرة خطورة اليمين المتطرف ووسائله الخفية، فهو تيار يغذي ثقافة يمينية متطرفة تهدد الدستور الألماني بانتهاك مبادئ الكرامة الإنسانية وسيادة القانون، ويقدم نفسه كحركة وطنية محافظة تنتمي للطبقة الوسطى ويروج لمواقف راديكالية عنصرية معادية لليبرالية والديمقراطية.

وتتبنى جماعات اليمين المتطرف نظرية المؤامرة للتحريض ضد المسلمين بزعمهم وجود خطط لإحلال المهاجرين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بدلا من العرق الأبيض. وقبل هذا التقرير السنوي بنحو شهرين، وجه الادعاء العام الألماني في 13 أبريل 2022، تهما لإحدى الجماعات اليمينية المتطرفة بمعاداة الأجانب وصل إلى حد التخطيط لحيازة أسلحة والهجوم على مساجد.

وكشفت دراسة ألمانية حديثة أن هناك 90% من الألمان يؤكدون على وجود عنصرية وحالات تمييز في أماكن الإقامة والعمل، وأن هناك نحو 45% واجهوا حوادث عنصرية لمرة واحدة، بينما تعرض 58% من المشاركين بالدراسة لحوادث عنصرية لمرة واحدة على الأقل، وكان الشباب الفئة الأكثر عرضة لهذه المواقف بنسبة 73% مقابل 24% من كبار السن.

وأشارت الدراسة المنشورة في 5 مايو 2022 إلى أن ثلث المشاركين يرون أن “ضحايا العنصرية” لديهم قلق مفرط تجاه بعض المواقف وتفسير خطأ للمصطلحات المقصود بها مجاملة كممارسات عنصرية، مع إبداء 70% من المشاركين الرغبة في مكافحة العنصرية، ما يعني أن إصدار القوانين لمكافحة الإسلاموفوبيا وتعزيز الحريات الدينية ستجد مساندة كبيرة من قبل المجتمع الألماني، الأمر الذي يدفع المؤسسات المتخصصة لرصد دائم لقياس العنصرية ومعرفة أسبابها ودرجة تمددها بالمجتمع.

 واقع المسلمين والإسلام السياسي في ألمانيا

يعيش أغلب المسلمين الألمان خارج الهياكل التقليدية المسؤولة عن متابعة أحوالهم الأمر الذي يجعلهم أكثر ليبرالية في طبيعة نمط الحياة لابتعادهم عن المراكز الإسلامية والجمعيات ذات الصلة بتيار الإسلام السياسي من ناحية، وأقل تأثيرا في الحياة العامة والسياسية لغياب أطر الاندماج في المجتمع من ناحية أخرى. ويصبح الرهان على الشباب في عملية دمج المسلمين في المجتمع، لارتفاع نسبة الوعي لديهم بأهمية المشاركة السياسية وضرورة إحداث التغيير في ملفات الهجرة والمشاركة في سوق العمل والاندماج والهوية ومكافحة التطرف والعنصرية إضافة إلى القضايا البيئية والاقتصادية، ونتج هذا التطور الملحوظ في النقاشات عبر مواقع التواصل الاجتماعي وداخل مؤسسات المجتمع المدني لسببين، السبب الأول ظهور خطاب عنصري ضد المهاجرين من أصول مسلمة من قبل جماعات اليمين المتطرف، والسبب الثاني اختراق الإسلام السياسي لعمل المراكز الإسلامية ونشر خطابه المتطرف.

وفي المقابل يتمدد نفوذ الإسلام السياسي في ألمانيا عبر الجمعيات المتطرفة التي تروج لخطاب متشدد يتناقض مع قيم المجتمع الألماني ومفاهيم الاندماج التي تسعى المؤسسات الألمانية لتحقيقها بين الجالية المسلمة ومؤسسات الدولة. وتكمن خطورة تيار الإسلام السياسي في تمويل المساجد والمراكز الدينية والتدخل في اختيار أئمة المساجد ما يعني تغلغل الخطاب المتطرف بين المؤسسات الدينية ومن ثم بين أبناء الجالية المسلمة، إضافة إلى تحركات التيار عبر مواقع التواصل الاجتماعي وسعيه لتجنيد الشباب عبر تقديم ممارسات اليمين المتطرفة بأنها رفض مجتمعي لاندماج المسلمين به. وتستغل جماعات الإسلام السياسي ثغرة عدم اندماج المسلمين بالمجتمع الألماني، في التواصل مع أنصارها داخل وخارج ألمانيا لتوسيع شبكتها الدولية بتمويل واحد وخطاب متطرف موحد يخدم هدفها الرئيسي في فرض نفوذها على المؤسسات الألمانية تدريجيا كمرحلة أولى في خطتها لتغير النظام السياسي في ألمانيا، بينما ستعتمد في المرحلة الثانية من خطتها على علاقاتها بالتنظيمات المتطرفة للسيطرة على جميع شرائح المجتمع الألماني.

**

التقييم

تظل قضية المسلمين بألمانيا معضلة كبيرة يصعب احتواء أبعادها على المدى القريب، نظرا لتزايد أعدادهم السنوات الأخيرة وتعقد الأزمات المصاحبة لهذه الزيادة، بداية من مواجهة الأفكار المتطرفة من جانب السياسيين اليمنيين وتحجيم أنشطة الجمعيات الإسلامية ذات الصلة بجماعة الإخوان المسلمين وصولا إلى دمج هؤلاء المسلمين داخل المجتمع والحياة السياسية بشكل فعال.

وربما أساءت بعض المؤسسات الألمانية تقديرها لقدرة المجلس الأعلى للمسلمين على تحقيق التوازن بين طرح مشاكل المسلمين على الدولة وعرض الواجبات المفروضة عليهم تجاه المجتمع، حتى أن قرار استبعاده للتجمع الإسلامي لا ينفي بقاء إخوان مسلمين بداخله ولا يعيد الثقة كاملة من جديد في قياداته. وتبقى أمام الحكومة الألمانية أمور جدلية معلقة ترتبط برفع الأذان بمكبرات صوت وتدريس التربية الإسلامية بالمدارس وسط مخاوف من تدخلات جمعيات الإخوان المسلمين واعتراضات من قبل الأحزاب ذات الصلة بالإسلام السياسي.

**

يسعى السياسيون في ألمانيا صدور قرار حظر جماعة الإخوان والحد من أنشطتها ومحاصرة مصادر تمويلها مع تصاعد التحذيرات الاستخباراتية من خطورة الإخوان المسلمين على المجتمع الألماني، الأمر الذي يمثل ضغط كبير على السلطات المنوطة بهذا الدور في ظل عراقيل واضحة أمام تحركاتها، بداية من طبيعة التشريعات الألمانية والحاجة إلى شواهد قوية تثبت تورط الجماعة في أعمال تطرف ودعم تنظيمات “جهادية” وصولا إلى تخادم أحزاب سياسية مع الإخوان.

وتتطلب معطيات الوضع الحالي للإخوان وحجم انتشارهم داخل المساجد وعبر مواقع التواصل الاجتماعي بين الجالية المسلمة في ألمانيا، مراقبة الخطاب المقدم من قبل الجماعة وتحليل فحوى الرسائل الضمنية التي تبعث بها أفكار متطرفة وترسخ لهدفها الأساسي في إقامة نظام سياسي متطرف يتعارض شكلاً ومضموناً مع القانون والدستور الألماني، مع ضرورة تتبع خطوات وأنشطة الجمعيات الإسلامية التي تضم إخوان بداخلها وتمثل لهم مأوى ومظلة شاملة أمام أجهزة الأمن والرأي العام مثل الاتحاد الإسلامي التركي الذي تربطه علاقة قوية بالإخوان ومعروف بخطابه المتشدد.

كما يصبح التعاون بين الاستخبارات الألمانية والأجهزة الأمنية في دول أوروبية عديدة مثل المملكة المتحدة والنمسا وفرنسا وهولندا، وسيلة أخرى للحصول على أدلة أكثر دقة تثبت تورط الجماعة في التطرف عبر كشف قنوات الاتصال مع الإخوان خارج ألمانيا ومصادر التمويل المشتركة بينهم، ما يمهد الطريق للتوصل إلى أنشطة الإخوان داخل المؤسسات الألمانية وتجفيف منابع تمويلها داخل ألمانيا.

**

تواجه ألمانيا في الوقت الراهن خطرين لا يقلان أهمية عن بعضهما البعض، الخطر الأول هو تصاعد نفوذ جماعة الإخوان المسلمين وسيطرتها على أكبر المراكز الإسلامية، والخطر الثاني يتمثل في انتشار جماعات اليمين المتطرف وممارساتها العنصرية ضد الأقليات وبالأخص الجالية المسلمة، ما يؤكد على أهمية مضي المؤسسات الألمانية قدما في سياسات الاندماج والتكامل الاجتماعي لاحتواء المسلمين داخل المجتمع ومواجهة الجماعات المتطرفة المهددة لأمن واستقرار المجتمع الألماني.

وتساعد عملية دمج المسلمين على حل المشاكل الاجتماعية الخاصة بالعمل والإقامة والتعليم والجنسية واللغة ما يجعلهم مؤهلين للمساهمة في الحياة السياسية والاستحقاقات بشكل أوسع ويزيد من شعورهم بالانتماء للمجتمع والدولة، وتدريجيا مع شمول سياسات الاندماج لشرائح وفئات أكثر داخل الجالية المسلمة تفشل محاولات جماعة الإخوان المسلمين لتجنيد الشباب وتغلق الأبواب أمام ممارسات اليمين المتطرف العنصرية.

وفي الوقت نفسه يسهم التوسع في سياسات الاندماج خضوع المراكز الإسلامية للرقابة بشكل أكبر ما يعني تقليص نفوذ جماعة الإخوان المسلمين بداخلها خاصة وأن هذه المراكز واحدة من المؤسسات المنوطة بعملية دمج المسلمين وإشراكهم في السياسة، وتفعيل دورها في هذه المهمة يجعلها على تواصل وتعاون مستمر مع مؤسسات الدولة ويحجم من علاقاتها مع جماعات الإخوان التي باتت تسيطر على أغلبها بالتمويل والأفكار.

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

رابط مختصر …https://www.europarabct.com/?p=83663

الهوامش

صوت آذان مساجد مدينة كولونيا يثير جدلا واسعا في ألمانيا!
https://bit.ly/3AkVgO3

Muslims in Germany: Religion not a good gauge of integration
https://bit.ly/3QgUx5L

ZMD Asks Islamic Associations to Participate in Int’l Weeks Against Racism
https://bit.ly/3pdQECW

ميركل معارضةً وزيرَ داخليتها.. الإسلام جزء من ألمانيا
https://bit.ly/3PuUYbK

باحث ألماني: ممارسة شعائر الإسلام لا علاقة لها بالإسلام السياسي
https://bit.ly/3pgSEKx

دراسة: ارتفاع عدد المسلمين بشكل ملحوظ في ألمانيا
https://bit.ly/3PyDsDc

**

The Muslim Brotherhood: Strategies and Approaches in Germany
https://bit.ly/3PAD7zY

German intelligence reveals the Muslim Brotherhood funding sources
https://bit.ly/3waVULp

ألمانيا تحظر «حلقة وصل» بين المتطرفين و«الإخوان»
https://bit.ly/3K1AV3i

How the Muslim Brotherhood threatens Europe’s security
https://bit.ly/3QUkDvA

Germany’s Evolving Counter-Extremism Policy Towards the Muslim Brotherhood
https://bit.ly/3QTENWa

وثيقة البرلمان الألماني 20/2171
https://bit.ly/3QODt78

**

تحليل: هل تحمل الانتخابات تحولا في مشاركة مسلمي ألمانيا؟
https://bit.ly/3QppnZY

العنصرية في ألمانيا.. أشكالها وأسبابها وكيف يمكن مكافحتها؟
https://bit.ly/3QvgPRn

Muslims in Germany: Religion not a good gauge of integration
https://bit.ly/3QHMZt0

موقع المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين
https://bit.ly/3dMmjJa

ألمانيا.. جماعة متطرفة “خططت” لقتل مسلمين ومهاجمة مساجد
https://bit.ly/3QP8us3

“اليمين الجديد” في ألمانيا. أفكاره وأذرعه؟
https://bit.ly/3CuMG0m

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...