المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا،ECCI
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ القيادات، شبكات العمل والتدابير . ملف
نسخة الملف PDF ملف الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ القيادات ، شبكات عمل والتدابير
يشكّل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا إحدى القضايا الأمنية الأكثر تعقيدًا داخل المشهد الأوروبي، إذ لم يعد هذا الحضور مقتصرًا على النشاط الدعوي أو الاجتماعي، بل تحوّل إلى شبكات منظمة يقودها أفراد بارزون يتحركون بمرونة بين العمل المؤسسي العلني والارتباط الفكري بالتنظيم الدولي.
ويكتسب ملف الإخوان في ألمانيا أهمية من كونه يكشف عن طبيعة البنية التنظيمية غير المعلنة، وآليات إدارة النفوذ عبر واجهات قانونية ومؤسسات تعليمية وخيرية وإعلامية، فضلًا عن دور القيادات النسائية والشبكات الشبابية في تعزيز هذا الامتداد.
إن تحليل هذه الشخصيات وأدوارها وشبكاتها لا يتيح فقط فهم ديناميات عمل الجماعة داخل المجتمع الألماني، وإنما يسلّط الضوء أيضًا على تداخل المحلي بالإقليمي والدولي، وعلى التحديات المستقبلية التي قد تحدد مسار الإخوان في أوروبا عمومًا وفي ألمانيا على وجه الخصوص.
1 ـ الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكات التي أسستها الجماعة منذ منتصف القرن العشرين، وإنما بسبب الطبيعة المركبة لعلاقتها بالدولة والمجتمع. فبينما يقدم الإخوان أنفسهم كجماعة دعوية وخيرية تعمل في إطار القانون، تكشف متابعة الأجهزة الأمنية أن هذا الوجود يتجاوز النشاط الاجتماعي ليشكّل بنية شبكية متكاملة، قوامها شخصيات قيادية بارزة تتحرك بين المستويات المحلية والإقليمية والدولية. هذه البنية تعتمد على واجهات قانونية ومؤسسات رسمية، لكنها في الواقع ترتبط بخطاب وأهداف الجماعة الأم، وتستفيد من الدعم المعنوي والمادي الذي توفره مراكز القيادة في الخارج.
تمثل دراسة القيادات الحالية للجماعة في ألمانيا مدخلًا رئيسيًا لفهم ديناميات حضور الإخوان في الغرب عمومًا. فالتركيز على الأسماء والأدوار يكشف عن آليات القيادة غير المعلنة، وعن طرق المناورة التي تُمكّن هذه الشبكات من الاستمرار رغم الرقابة والضغوط. كما أن تحليل العلاقة بين هذه القيادات والتنظيم الدولي يوضح كيف يتقاطع المحلي مع الإقليمي، ويبرز التحديات التي ستحدد مستقبل الإخوان في ألمانيا خلال العقد القادم.الإخوان المسلمون ـ كيف تمثل تهديدًا لأوروبا؟
من هم أبرز قيادات الإخوان في ألمانيا؟
– إبراهيم الزيات من أكثر الشخصيات التي ارتبط اسمها بالإخوان المسلمين في أوروبا. وُصف في تقارير هيئة حماية الدستور بأنه “مهندس الشبكات الإسلامية” في ألمانيا، حيث تولى قيادة منظمات شبابية مثل الاتحاد الإسلامي في ألمانيا، ولعب أدوارًا في مؤسسات تعليمية وخيرية لها امتدادات عابرة للحدود.
تشير تقارير عديدة إلى أن الزيات استخدم خبراته في الإدارة والتمويل لبناء شبكة من المؤسسات القانونية الشكل، لكنها متصلة فكريًا بخطاب الإخوان. ورغم محاولاته الظهور بصفة شخصية عامة ملتزمة بالقانون الألماني، فإن المراقبين يربطون بين أنشطته وبين النفوذ المستتر للجماعة.
– حمد طه صبري : يعد من أهم قيادات الإخوان المسلمين في ألمانيا وأحد كوادر “المركز الثقافي للحوار”، والآن هو إمام مسجد السلام في حي “نويكولن” في برلين.
– خضرعبد المعطي : لعب دوراً هاماً في دعم تنظيم الإخوان المسلمين أثناء وصولهم للحكم في مصر. ومن أهم القيادات الإخوانية على المستوى الدولي ويعد المنسق العام للمجلس الأوروبي للأئمة والوعاظ في أوروبا.
– فريد حيدر وخالد صديق: أحد قيادات “المركز الثقافي للحوار” التابع للإخوان المسلمين في ألمانيا. ويلعبا دوراً هاماً في جذب واستقطاب وتجنيد شباب الجاليات المسلمة واللاجئين والمهاجرين.
– جعفر عبدالسلام: ترأس مركز “الرسالة” لتعليم اللغة العربية ومقره برلين وحرص “جعفر” على تنامي أنشطة تنظيم الإخوان وتوسيع نفوذهم من خلال المركز واستغلال الأطفال والجاليات المسلمة.
أما على المستوى المحلي، فتظهر أسماء متعددة تمثل واجهة المراكز الإسلامية في مدن ألمانية كبيرة. هؤلاء القادة يعملون كرؤساء جمعيات وأئمة ومدراء لمؤسسات تعليمية، ويشكلون ما يمكن تسميته بـ “واجهة الشرعية” لشبكات الإخوان، حيث يتحدثون في الإعلام ويمثلون مجتمعات محلية، بينما يبقى الارتباط الفكري والتنظيمي أوسع من مجرد الدور العلني.
قيادات الإخوان النسائية في ألمانيا
– رشيدة النقزي: تعد أبرز القيادات النسائية لتنظيم الإخوان المسلمين في أوروبا. تونسية الأصل و تقيم في مدينة “ Bonm” تترأس قسم المرأة باتحاد المنظمات الإسلامية واحد أهم القيادات النسائية قى جماعة الإخوان المسلمين.
– ليديا نوفل: أشار الباحث في شؤون التنظيمات الإسلامية “كارستن فريرك” في 2 أبريل 2021 أن الناشطة ليديا نوفل تلعب أدواراً متشعبة لكنها متكاملة، لخدمة أهداف الإخوان في ألمانيا حيث شاركت في شاركت نوفل في تأسيس مجموعة العمل الإسلامية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، لتسمح للإخوان باختراق ثاني أكبر أحزاب ألمانيا.
– نينا موهي: تعد ثاني وجه نسائي في الإخوان يخترق مؤسسة ألمانية. وتلعب موهي دوراً أخطر عبر منظمة “كليم”، التي تُستخدم من قبل جماعة الإخوان في مهاجمة منتقديها وشيطنة مواقفهم، والضغط على الحكومة الألمانية لتحقيق أهدافها، عبر ادّعاء المظلومية والتعرّض لانتهاكات واعتداءات عنصرية.
ما هي آليات القيادة الفعلية؟
بخلاف التنظيمات التقليدية، لا يظهر للإخوان في ألمانيا هيكل قيادي رسمي واضح. بدلاً من ذلك، يعتمدون على آليات قيادة معمّاة، تشمل مجالس استشارية غير معلنة، ومجالس أمناء تتحكم في التمويل والتعيينات داخل الجمعيات، إضافة إلى شبكات طلابية ومهنية تعمل في الجامعات. هذه البنية تتيح للجماعة التكيّف مع الضغوط الأمنية والسياسية، وتمنحها مرونة عالية في استبدال القيادات أو إعادة توزيع الأدوار. يتضح ذلك من خلال ظاهرة الاستبدال المتكرر للأدوار، حيث ينتقل القادة من مواقع محلية إلى إقليمية أو أوروبية، أو من مؤسسات خيرية إلى مؤسسات تعليمية ودينية. هذا النمط يعزز نفوذ الجماعة ويمنع تركيز الانتباه على شخص واحد يمكن استهدافه أو محاسبته. وفي أحيان كثيرة، تُمنح بعض المناصب لشخصيات شابة تتلقى التدريب والتأهيل في مؤسسات فكرية مرتبطة بالتنظيم الدولي.
ما أبرز شبكات التمويل والموارد؟
يصعب فهم أدوار القيادات دون التطرق إلى شبكات التمويل التي تمنح الجماعة قدرتها على البقاء. تعتمد الإخوان في ألمانيا على مصادر متعددة:
– الجمعيات الخيرية التي تجمع التبرعات تحت غطاء العمل الإنساني.
– التمويل القادم من الخارج، سواء عبر تبرعات فردية من رجال أعمال مرتبطين بالجماعة في الخليج أو من خلال دعم غير مباشر من بعض الدول الداعمة للتنظيم.
– المؤسسات التعليمية والثقافية التي تحصل على منح أو رسوم من الطلاب، وتُعاد توجيه جزء منها لدعم الأنشطة التنظيمية.
تقارير هيئة حماية الدستور أكدت مرارًا أن بعض هذه الموارد تُستخدم في تعزيز أنشطة ذات صلة بخطاب الإسلام السياسي، ما يجعلها محل متابعة ورقابة. وتُظهر الدراسات أن التمويل ليس هدفًا اقتصاديًا بحتًا، بل أداة لبناء النفوذ داخل المجتمع المسلم، سواء عبر تقديم خدمات تعليمية أو مساعدة اجتماعية، تمنح الجماعة شرعية محلية وتعزز قدرتها على التجنيد.
ما أبرز موجات الخلاف والانشقاق بين الإخوان في ألمانيا؟
لم يكن المشهد الإخواني في ألمانيا موحدًا دائمًا. فقد أدت التباينات الأيديولوجية والتكتيكية إلى انقسامات داخلية، حيث اتجهت بعض المجموعات نحو مسارات أكثر اندماجًا مع المجتمع الألماني، بينما تمسكت مجموعات أخرى بخطاب أكثر انغلاقًا ومحافظة. هذه الانقسامات انعكست على مستوى القيادة، حيث ظهرت خلافات حول طرق التعامل مع السلطات الألمانية، أو حول مسألة التعاون مع جمعيات إسلامية غير إخوانية. في بعض الحالات، أفرزت هذه الخلافات انشقاقات واضحة، كان أبرزها انسحاب بعض المراكز من الأطر التمثيلية، أو انتقال شخصيات إلى العمل المستقل. ورغم ذلك، فإن الجماعة أظهرت قدرة على تجاوز هذه الأزمات، من خلال إعادة تدوير القادة وتوزيع الأدوار بما يحافظ على التماسك العام للشبكة.مكافحة الإرهاب ـ كيف يستغل المتطرفون منصات التواصل لنشر محتواهم؟
ما علاقة الإخوان في ألمانيا بالتنظيم الدولي؟
تُظهر الدراسات أن الإخوان في ألمانيا ليسوا مجرد فرع مستقل، بل جزء من التنظيم الدولي للجماعة، مع روابط فكرية وتنظيمية واضحة. وتتمثل هذه الروابط في:
– المشاركة في المؤتمرات الدولية التي تنظمها الجماعة في أوروبا وتركيا.
– الدعم المعنوي والمادي عبر شخصيات قيادية في لندن وإسطنبول.
– التنسيق في إعداد الكوادر ونقل الخبرات.
وتُعد بريطانيا مقرًا تاريخيًا لقيادات التنظيم الدولي، حيث استقرت شخصيات بارزة في لندن منذ التسعينيات. في المقابل، صعدت تركيا خلال العقد الأخير كمركز بديل، خصوصًا بعد “الربيع العربي”، حيث قدمت أنقرة دعمًا سياسيًا وإعلاميًا مباشرًا للجماعة. هذا التنافس التركي ـ البريطاني انعكس على الفروع الأوروبية ومنها ألمانيا، إذ وجد بعض القادة أنفسهم أقرب إلى التوجه التركي الأكثر صدامًا، بينما فضّل آخرون التمسك بالواجهة البريطانية الأكثر انفتاحًا على العمل القانوني.
ما تداعيات الانشقاقات الدولية على ألمانيا؟
الانقسامات بين التيارين التركي والبريطاني لم تبقَ على المستوى الدولي فحسب، بل انعكست مباشرة على الساحة الألمانية. فقد أدى اختلاف الخطاب إلى ارتباك في التمثيل المؤسسي للجماعة أمام السلطات، كما أثر على توزيع الموارد المالية. بعض الجمعيات تبنّت خطابًا أكثر تصعيدًا قريبًا من النهج التركي، بينما سعت أخرى للحفاظ على الاعتدال النسبي لتأمين استمرارها القانوني في ألمانيا. هذا الانقسام قلل من وحدة الإخوان في ألمانيا، لكنه في الوقت نفسه لم يُضعف حضورهم بالكامل، بل جعلهم أكثر مرونة في توزيع الأدوار وتجنب الاستهداف المباشر. ومع ذلك، تشير التقديرات الأمنية إلى أن استمرار هذه الانقسامات قد يضعف قدرة الجماعة على تقديم نفسها كفاعل إسلامي موحد داخل ألمانيا.إبراهيم الزيات وزير مالية الإخوان في ألمانيا. جاسم محمد
**
2 ـ الإخوان المسلمين في ألمانيا واقع التنظيم، الهيكل، وحجم النفوذ
تشكل ظاهرة الإخوان المسلمين في ألمانيا أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في النقاشين الأمني والسياسي. فالوجود الإخواني لا يتخذ شكلاً صريحًا، بل يعمل وفق نمط قانوني شبكي يستفيد من مساحة الحرية التي يتيحها النظام الديمقراطي الألماني. تقارير مكتب حماية الدستور (BfV) تشير بانتظام إلى أن الإخوان يمثلون “تيارًا إسلاميًا قانونيًا” يلتزم بالشكل الظاهري للقوانين، لكنه يحمل مشروعًا بعيد المدى يقوم على التأثير الثقافي والسياسي في المجتمع الألماني، بما قد يتعارض مع القيم الديمقراطية الأساسية. وتزداد أهمية هذا الملف بالنظر إلى أن ألمانيا تضم ما يقارب 5.5 مليون مسلم، ما يجعل الساحة الإسلامية متنوعة وثرية لكنها أيضًا بيئة قد تستغلها الحركات الأيديولوجية. وعلى الرغم من أن الإخوان لا يُعتبرون تنظيمًا محظورًا، فإن أجهزة الأمن تتعامل مع أنشطتهم كعامل تهديد محتمل للاستقرار الاجتماعي والتعايش السلمي.
ما طبيعة البنية التنظيمية وطرق العمل؟
يشير رصد الأجهزة الأمنية الألمانية إلى أن الإخوان في ألمانيا لا يعملون وفق نموذج مركزي موحد، بل يعتمدون على آلية الشبكات اللامركزية. هذا النمط يسمح لهم بالعمل في أطر قانونية متباينة، من خلال تسجيل جمعيات محلية ودينية، فتح مساجد، إنشاء مراكز ثقافية، وإدارة مدارس.الجماعة تستثمر في بيئة القوانين الألمانية التي تحمي الحريات الأساسية، وتقدم نفسها كفاعل اجتماعي وديني يهدف إلى خدمة المجتمع المسلم. غير أن التقارير الأمنية مثل تقارير هيئة حماية الدستور (BfV) تحذر من أن هذه الأنشطة تخفي أهدافًا بعيدة المدى تتعلق بإعادة إنتاج مشروع سياسي إسلامي على الأراضي الأوروبية. تُدار الأنشطة بأسلوب “التغلغل الناعم” ، حيث يتم دمج الأجيال الشابة في مسارات تعليمية ودعوية، وتهيئة بيئة فكرية مواتية لخطاب الإخوان. غياب القيادة المركزية المعلنة يخلق مرونة عالية، بحيث لا يؤدي حظر أو تفكيك جمعية بعينها إلى إضعاف كامل للشبكة، بل يتم تعويضها عبر واجهات أخرى.
يشير غيدو شتاينبرغ، الباحث في معهد الشؤون الدولية والأمنية في برلين، إلى أن جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا تعتمد على استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى ترسيخ وجودها الاجتماعي والسياسي عبر شبكات من الجمعيات والمراكز الإسلامية. ويرى شتاينبرغ أن التحدي الرئيسي الذي تواجهه السلطات الألمانية يكمن في صعوبة التمييز بين الأنشطة الدعوية والاجتماعية المشروعة وبين الأبعاد الأيديولوجية التي تسعى الجماعة لترسيخها، الأمر الذي يجعل الموقف الرسمي تجاهها مترددًا، خاصة فيما يتعلق بمسألة التمويل الخارجي ومراقبة المنظمات الإسلامية المرتبطة بها.محاربة التطرف ـ كيف تمثل جماعة الإخوان المسلمين تهديدًا للأمن الفرنسي؟
ما هي أهم المنظمات والواجهات؟
IGD / DMG الجماعة الإسلامية في ألمانيا” : أبرز الكيانات التي ربطتها التقارير الأمنية بالإخوان في ألمانيا منظمة “الجماعة الإسلامية في ألمانيا” (IGD) التي تأسست في ستينيات القرن الماضي. هذه المنظمة عُدت الذراع الرئيسية للجماعة في ألمانيا، قبل أن تغيّر اسمها إلى “الجماعة المسلمة الألمانية” (DMG) في محاولة لإعادة التموضع وإخفاء الارتباط المباشر بالإخوان. أعلنت في أواخر عام 2018 تغيير اسمها رسميًا إلى “الجماعة المسلمة الألمانية” (DMG). وقد فُهمت هذه الخطوة على نطاق واسع بوصفها محاولة لتخفيف حدة الربط المباشر بينها وبين الإخوان، وتقديم صورة أكثر “ألمانية” واعتدالاً أمام الرأي العام وصناع القرار. تؤكد مراجعة مسار المنظمة أن عملية تغيير الاسم من IGD إلى DMG لم تكن مجرد خطوة شكلية، بل مثّلت جزءًا من استراتيجية أوسع للجماعة لإعادة التموضع وتخفيف الضغط الأمني والإعلامي. ومع ذلك، تستمر أجهزة الاستخبارات الألمانية في توصيف DMG باعتبارها إحدى أبرز أذرع الإخوان في البلاد ألمانيا.
تدير هذه الجمعيات شبكة من المساجد والمراكز التعليمية التي تعتبر منصات رئيسية لنشر خطاب الجماعة. إلى جانبها، تظهر منظمات تركية مثل “ميلي غوروش” (Milli Görüş)، والتي رغم اختلاف أصولها الفكرية، إلا أنها تشترك أحياناً مع الإخوان في أنشطة اجتماعية وسياسية وتشكّل تحالفات ظرفية داخل الساحة الإسلامية الألمانية. هذا التعدد التنظيمي يخلق ما يمكن وصفه بـ “الواجهة المزدوجة”: مؤسسات مسجّلة قانونيًا تعلن تقديم خدمات اجتماعية، لكنها في الواقع تعمل كقنوات للتأثير الفكري والسياسي. هذا ما دفع بعض الولايات الألمانية إلى تشديد الرقابة على هذه الكيانات، خاصة في ولايات مثل شمال الراين-وستفاليا وبرلين حيث يتركز نشاطها.
تشير التقديرات الأمنية إلى أن هذه التنظيمات لا تعمل بشكل منفصل، وإنما تشكل شبكات مترابطة تقوم على تبادل الموارد والقدرات. فالتمويل يتم تأمينه أساسًا عبر المساجد والمؤسسات الدينية التابعة لها، ويعاد توجيهه لدعم أنشطة دعوية وفكرية مشتركة بما يضمن توحيد الخطاب الإخواني داخل أوروبا. كما يعزز تبادل المعلومات والتنسيق التنظيمي قدرة هذه الشبكات على التحرك بمرونة وتجاوز الضغوط الحكومية. وإلى جانب ذلك، يمثل البُعد الإعلامي أحد أخطر أدوات الجماعة، حيث يتم توظيف القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي في نشر رسائلها وتوسيع قاعدة التأثير. وتستعين الجماعة بكيانات وسيطة مثل “المنتدى الإسلامي” الذي يعمل كواجهة بحثية لإنتاج مقالات وأبحاث تخدم أجندتها السياسية والفكرية، ما يعكس استراتيجية متكاملة للتغلغل والتأثير بعيد المدى. الإخوان المسلمون في أوروبا، تحوّلات في السياسات الأمنية . ملف
ماذا عن القيادات؟
يبقى ملف القيادات الإخوانية في ألمانيا من أكثر الملفات حساسية، إذ يتجنب التنظيم الإعلان بشكل صريح عن هياكله القيادية أو الشخصيات المتحكمة في مسار الجمعيات والمراكز التابعة له. غير أن تقارير أمنية وإعلامية تشير إلى أن إدارة هذه المؤسسات تقع غالبًا في يد شخصيات من أصول عربية وتركية، ممن يمتلكون شبكة علاقات واسعة داخل أوروبا. أبرز الأسماء التي ارتبطت بقيادة منظمات ذات صلة بالإخوان: إبراهيم الزيات، الذي يعد شخصية محورية داخل “الجماعة الإسلامية في ألمانيا” (IGD)، ويُنظر إليه كأحد أبرز ممثلي شبكة العلاقات الإخوانية على المستوى الأوروبي. إلى جانبه يبرز سمير فلاح، وهو قيادي بارز في IGD وعضو في المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ما يمنحه دورًا مزدوجًا يجمع بين البعد التنظيمي والفكري. كما برزت أسماء أخرى، خاصة في صفوف المنظمات الطلابية الإسلامية، ما يعكس اعتماد الجماعة على استقطاب القيادات الشابة وتوزيع الأدوار عبر منصات مختلفة لضمان استمرارية حضورها وتأثيرها.
ما تقديرات الحجم والتأثير؟
وفق تقديرات هيئة حماية الدستور الألمانية لعام 2024، يبلغ عدد الأفراد المرتبطين بشكل مباشر أو غير مباشر بالإخوان وشبكاتهم في ألمانيا نحو 1450 شخصًا، فيما تشير تقارير بحثية إلى أن الأعداد الفعلية قد تكون أعلى بكثير إذا ما أُخذت في الاعتبار العضويات غير المعلنة والأنشطة غير الرسمية.
التأثير يتجاوز البعد العددي إلى ما يمكن وصفه بـ “التأثير النوعي”. فالجماعة تسيطر على عدد من المساجد الكبرى وتدير مدارس ومراكز شبابية، وتتمتع بحضور مؤثر داخل الاتحادات الإسلامية التي تمثل المسلمين أمام السلطات الألمانية. هذا التغلغل يمنحها قدرة على صياغة خطاب ديني وسياسي يتنافس مع تيارات أخرى أكثر اندماجاً في المجتمع الألماني. كما تشير تقارير أكاديمية إلى أن الإخوان يسعون إلى “إعادة تعريف الهوية الإسلامية” في ألمانيا بطريقة تجعلها أكثر ارتباطاً بمشروع الجماعة الأم، ما يثير قلق السلطات من إمكانية خلق مجتمعات موازية تعيق جهود الاندماج الاجتماعي والسياسي.الإخوان المسلمون ـ تقييم أيديولوجية الإخوان في ضوء القيم الأوروبية
ما هي مصادر التمويل؟
يُعد التمويل أحد الركائز الاستراتيجية لوجود الإخوان في ألمانيا. ويمكن التمييز بين ثلاث قنوات رئيسية:
الجمعيات والتبرعات المحلية: تعتمد المراكز والمساجد على اشتراكات الأعضاء وتبرعات المصلين، فضلاً عن تنظيم حملات لجمع التبرعات خلال المناسبات الدينية. هذه القناة توفر موردًا مستدامًا للنشاط اليومي.
التمويل الخارجي: تاريخيًا، لعبت التبرعات دورًا بارزًا، سواء عبر مؤسسات خيرية أو عبر شبكات وقفية. هذا التمويل غالبًا ما يُعلن أنه مخصص لدعم مشاريع تعليمية واجتماعية، لكنه محل متابعة أمنية بسبب احتمال استخدامه كغطاء لأنشطة سياسية.
المؤسسات الوسيطة: مثل منظمة “الإغاثة الإسلامية” (Islamic Relief) التي تعرضت لانتقادات وقيود بسبب صلات مزعومة بالإخوان. هذه المؤسسات تعمل كقنوات تمويلية وواجهات داعمة للمشاريع المحلية.
السلطات الألمانية لم تلجأ إلى حظر شامل للجماعة بسبب غياب الأساس القانوني الكافي، إذ إن أغلب التمويلات تجري ضمن أطر شرعية معلنة. بدلاً من ذلك، يتم اللجوء إلى التدابير الرقابية مثل فرض الشفافية المالية، ومراقبة التحويلات الأجنبية، وتقييد بعض المؤسسات المشبوهة.
ما هي أساليب التأثير؟
الإخوان في ألمانيا يستخدمون ثلاث آليات رئيسية للتأثير:
العمل المجتمعي: إدارة مدارس ومراكز شبابية ودور تحفيظ القرآن، إضافة إلى تقديم مساعدات اجتماعية وخدمات للاجئين. هذا يمنحهم موقعًا اجتماعيًا بارزًا داخل التجمعات المسلمة.
التأثير الفكري والدعوي: نشر خطاب ديني يتبنى مفاهيم الجماعة حول الهوية الإسلامية والعلاقة مع المجتمع الغربي. هذا الخطاب يُقدّم أحياناً بواجهة معتدلة لكنه يحمل في جوهره مشروعاً سياسياً بعيد المدى.
شبكات التمويل والعلاقات الخارجية: توظيف الدعم القادم من الخارج لتقوية البنية الداخلية، وبناء علاقات مع منظمات أوروبية ودولية تمنحهم غطاءً إضافيًا.
هذا المزيج يجعل من الإخوان فاعلاً متعدد الأبعاد، قادراً على الجمع بين الشرعية القانونية والتأثير الخفي، وهو ما يصعّب على الأجهزة الأمنية مهمة التصدي لهم.
**
3ـ الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ التدابير الحكومية، ولماذا لا يُحظر الإخوان في ألمانيا؟
تتعامل الدولة الألمانية مع جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها أحد أخطر تحديات الإسلام السياسي، ليس لأنها منظمة محظورة أو تمارس العنف بشكل مباشر، بل لأنها تعمل بمرونة عبر واجهات قانونية ودينية وثقافية تبدو مندمجة مع المجتمع، بينما تحمل في بنيتها الداخلية أهدافًا طويلة الأمد لإعادة تشكيل وعي الجاليات المسلمة وفق رؤية أيديولوجية مغلقة. في هذا السياق، يظل ملف الإخوان في ألمانيا مختلفًا عن التجارب الأوروبية الأخرى: فبينما لجأت دول مثل النمسا إلى سنّ تشريعات حاسمة ضد الجماعة، اختارت برلين نهجًا أكثر تعقيدًا يقوم على الرقابة الاستخباراتية والتجفيف المالي والقيود المؤسسية بدلًا من الحظر الشامل.
هذه المقاربة تعكس طبيعة النظام القانوني والسياسي الألماني، حيث يشكل مبدأ “النظام الديمقراطي الحر” (FDGO) الأساس الدستوري الذي يمنح السلطات حق المراقبة، لكنه في الوقت ذاته يفرض قيودًا صارمة على إجراءات الحظر. وبذلك، يظل السؤال مفتوحًا: كيف يمكن لألمانيا أن تواجه جماعة تنشط بخطاب معتدل في العلن، لكنها تسعى في العمق إلى بناء مجتمع موازٍ يتعارض مع قيم الديمقراطية؟الإخوان المسلمون في أوروبا، تحوّلات في السياسات الأمنية . ملف
ما هي أدوات الدولة الألمانية للرقابة والمواجهة؟
المراقبة الاستخباراتية
تضطلع هيئة حماية الدستور (BfV) بدور مركزي في متابعة نشاطات الإخوان. ففي تقاريرها السنوية المنشورة 2024، تشير الهيئة إلى وجود ما يقارب 1450 شخصًا مرتبطًا بالشبكة الإخوانية في ألمانيا، معتبرة أن هذه الشبكات تشكل تهديدًا طويل الأمد بسبب قدرتها على بناء نفوذ داخل المؤسسات التعليمية والجمعيات الثقافية. المراقبة تشمل تتبع تحركات القيادات البارزة، ومراقبة الخطب داخل المساجد، وتحليل أنشطة الجمعيات الخيرية. هذه الأدوات سمحت بكشف محاولات متكررة لتوظيف التمويل الأجنبي في دعم مشاريع محلية ذات توجهات أيديولوجية.
قطع التمويل العام
بدأت السلطات منذ 2019 في تشديد الرقابة على مصادر الدعم المالي، خصوصًا في ولايات مثل بافاريا وبرلين. فالجمعيات التي يُشتبه في تبعيتها للفكر الإخواني حُرمت من الحصول على منح تعليمية أو عقود مع البلديات. مثال بارز تمثل في إيقاف تمويل بعض المبادرات الشبابية بعد أن تبين ارتباطها غير المباشر بجمعيات تخضع لمراقبة BfV. هذا الإجراء لا يعاقب الأفراد، لكنه يحدّ من قدرة الشبكات على التمدد عبر أنشطة تبدو اجتماعية في ظاهرها.
إنهاء التعاون المؤسسي
على مستوى الولايات والبلديات، اتخذت خطوات واضحة نحو استبعاد الجمعيات المقرّبة من الإخوان من المجالس التمثيلية التي تتعامل مع الدولة باسم المسلمين. ففي برلين، أنهت بعض المؤسسات الرسمية التعاون مع جمعيات بعد تحقيقات صحفية وأمنية أثبتت ارتباطها بالخطاب الإخواني. هذه الخطوة مثّلت تحولًا مهمًا، لأنها سحبت من الجماعة إحدى أدواتها الأساسية في اكتساب الشرعية داخل المجتمع.
الإجراءات القانونية
رغم محدودية المحاكمات المباشرة بحق شخصيات إخوانية، فإن القانون الألماني يتيح فتح تحقيقات جنائية في حال وجود شبهات بتمويل الإرهاب أو غسل الأموال. وقد شهدت ولايات مثل نوردراين وستفاليا عمليات مداهمة لبعض المراكز الإسلامية، شملت مراجعة وثائق مالية وحجز أرشيف إلكتروني. ومع ذلك، فإن تحويل هذه القضايا إلى أحكام قضائية نهائية يظل صعبًا بسبب إتقان الإخوان لآليات العمل داخل الإطار القانوني.
مع تزايد مخاطر تمدد نفوذ الإخوان المسلمين، تعالت الأصوات داخل البرلمان وبعض الأحزاب الألمانية للمطالبة بإصدار قرار حظر نشاط الجماعة وتعقب أنشطتها المتطرفة. وفي 15 مارس 2022 قدم حزب البديل من أجل ألمانيا للبرلمان مشروع قرار يستهدف تشديد الرقابة على مصادر تمويل تيار الإسلام السياسي وتجفيف منابع تمويل الإخوان. ونشر البرلمان الألماني في 9 يونيو 2022 وثيقة عن طلب إحاطة من قبل حزب البديل عن بعض منصات الإسلام السياسي، وكشفت الوثيقة عن وجود داعمين داخل الحكومة وبعض مؤسساتها الإعلامية وحزبي اليسار والخضر.
التوازن بين الرقابة والاندماج
ترى الحكومة الألمانية أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي لاحتواء نفوذ الإخوان، لذلك يتم تطبيق سياسة مزدوجة تقوم على الرقابة الصارمة من جهة، ودعم الاندماج المجتمعي من جهة أخرى. الهدف هو منع الجماعة من احتكار تمثيل المسلمين أو استغلال الثغرات داخل برامج الاندماج. على سبيل المثال، تعمد بعض الولايات إلى دعم منظمات بديلة تعلن التزامها بالدستور والقيم الديمقراطية، وتشجع الحوار مع الجاليات بعيدًا عن هيمنة الإخوان. هذا النهج يعكس إدراك السلطات الألمانية أن مواجهة الإخوان ليست مجرد قضية أمنية، بل قضية اجتماعية وثقافية تحتاج إلى أدوات ناعمة موازية للأدوات القانونية.
لماذا لا يُحظر الإخوان في ألمانيا بشكل كامل؟
غياب كيان قانوني موحد
الإخوان في ألمانيا لا يتخذون شكل جمعية واحدة يمكن حظرها، بل يعملون عبر شبكة واسعة من الجمعيات والمراكز. هذا التفكك الهيكلي يعقّد أي محاولة لتطبيق قانون الحظر الذي يستلزم وجود كيان رسمي محدد. نجحت جماعة الإخوان المسلمين في تكوين شبكة علاقات قوية مع الاتحاد الإسلامي التركي والمجلس الأعلى للمسلمين ومن ثم التجمع الإسلامي ومنظمة الجالية المسلمة بألمانيا، ما منحها فرصة التواجد بين المسلمين الألمان والسيطرة بشكل أوسع على المساجد ونشر أفكارها بشكل تدريجي بهدف عدم إثارة الشكوك حولها، إضافة إلى محاولة كسب ثقة المجتمع والساسة الألمان والنأي بنفسها عن الأفكار المتشددة الصادرة من باقي التنظيمات المتطرفة، والعمل عبر خلايا سرية لاستقطاب الشباب والفئات غير القادرة على الاندماج بالمجتمع والفئات الأقل تعليما، ليصبح للجماعة ثقل كبير وممتد داخل المجتمع الألماني منذ عقود طويلة.محاربة التطرف ـ جماعة الإخوان في ألمانيا ، النفوذ، الشبكات، واحتمالات الحظر
المعايير الدستورية الصارمة
الدستور الألماني يتيح حظر الجمعيات التي تسعى إلى تقويض النظام الديمقراطي الحر، لكن شرط ذلك تقديم أدلة ملموسة على نوايا الانقلاب أو العنف. ولأن الإخوان في ألمانيا لا يرفعون شعارات العنف علنًا، بل يقدمون أنفسهم كشركاء في الحوار المجتمعي، يصعب على السلطات إثبات وجود تهديد مباشر.
خصوصية التجربة الألمانية تكمن في أن الدولة منحت منذ البداية مساحة كبيرة للتنظيمات الإسلامية لبناء مؤسساتها، باعتبارها ممثلًا للجاليات المهاجرة. غير أن هذا الخيار السياسي مكّن الإخوان من ترسيخ نفوذهم عبر مؤسسات تعليمية وثقافية وخيرية، جعلت منهم لاعبًا أساسيًا في تمثيل المسلمين أمام السلطات. ومع مرور الوقت، لم يعد النقاش مقتصرًا على طبيعة عمل هذه المؤسسات، بل امتد إلى سؤال أعمق حول هوية القيادات التي تديرها، وكيفية ارتباطها بشبكات التمويل والتأثير داخل ألمانيا وخارجها.
ضعف الأدلة القضائية
المحاكم الألمانية لا تقبل المعلومات الاستخباراتية فقط كدليل للحظر، بل تشترط مستندات أو اعترافات أو تحريضًا علنيًا. هذه المعايير تجعل الإجراءات القضائية بطيئة ومليئة بالثغرات، ما يمنح الإخوان فرصة للاستمرار ضمن إطار قانوني ظاهري.
الحسابات السياسية والاجتماعية
الحكومة الألمانية تدرك أن حظرًا شاملًا للإخوان قد يثير جدلًا داخليًا حول حرية المعتقد والتنظيم، وقد تستغله الجماعة لتصوير نفسها كضحية. كما أن بعض الأحزاب ترى أن غياب الإخوان عن الساحة قد يفتح الباب أمام تيارات أكثر تطرفًا. هذا التوازن السياسي يعزز خيار الرقابة بدل الحظر.
توصيات عامة
– توسيع البحث الأكاديمي: دعم المؤسسات البحثية لدراسة شبكات الإخوان بعمق، بما يكشف طرق التمويل والعلاقات العابرة للحدود.
– مراجعة التمويل الخيري: فرض تدقيق دوري على مصادر التمويل الأجنبي للمؤسسات الدينية والخيرية.
– سياسة مزدوجة: الجمع بين الرقابة الصارمة ودعم مشاريع الاندماج التي تعزز حضور المسلمين الملتزمين بالدستور.
– إشراك المجتمع المدني: بناء شراكات مع منظمات مسلمة معتدلة تعلن التزامها الواضح بالقيم الديمقراطية، لتقليص نفوذ الإخوان.
– تعزيز الشفافية: اشتراط نشر تقارير مالية سنوية لجميع الجمعيات ذات الطابع الديني أو الخيري.الإخوان المسلمين في أوروبا ونشر التطرف ـ تطبيق فتوى
**
تقييم وقراءة مستقبلية
– يرجح أن يستمر تصاعد الضغوط الأمنية على جماعة الإخوان في ألمانيا خلال السنوات القادمة، خاصة مع تزايد المخاوف الأوروبية من ظاهرة الإسلام السياسي وارتباطها بالتطرف غير المباشر. هيئة حماية الدستور (BfV) تضع أنشطة الإخوان تحت المراقبة الدائمة، وتعتبر الجماعة تهديدًا طويل المدى للنظام الديمقراطي، ليس من خلال العنف المباشر، بل عبر السعي لتغيير البنية المجتمعية تدريجيًا.
– متوقع أن تؤدي هذه الرقابة إلى تضييق متزايد على المؤسسات المرتبطة بالإخوان، سواء عبر تقييد التمويل، أو فرض شفافية أكبر في إدارة الجمعيات، أو حتى حل بعض المراكز إذا ثبت استخدامها لأغراض سياسية مخالفة للقانون. هذا التوجه الأمني سيشكل تحديًا استراتيجيًا للجماعة، لأنه يضرب أحد أهم مصادر قوتها: العمل المؤسسي القانوني. بينما تُظهر المؤشرات أن الانقسام بين مراكز الإخوان في تركيا وبريطانيا سيظل عاملًا رئيسيًا في تحديد مستقبل الجماعة في ألمانيا.
– يلعب السياق الديمغرافي دورًا حاسمًا في مستقبل الإخوان. فالمسلمون في ألمانيا يزدادون عددًا وتنوعًا، مع صعود أجيال جديدة وُلدت داخل البلاد ولم تعد مرتبطة بشكل مباشر بخلفيات المهاجرين الأوائل. هذه الأجيال غالبًا ما تبحث عن أطر تمثيلية أكثر اندماجًا مع المجتمع الألماني، وهو ما قد يضعف جاذبية الخطاب الإخواني التقليدي القائم على فكرة الهوية المنفصلة.
– إذا تمكنت مؤسسات دينية مستقلة أو مبادرات شبابية غير مرتبطة بالإخوان من توفير بدائل مقنعة، فقد تخسر الجماعة تدريجيًا قاعدتها الشعبية. لكن في المقابل، قد تستغل الإخوان هذا التنوع عبر تحديث خطابها وتقديم نفسها كصوت “معتدل” يمثل المسلمين أمام الدولة، مما يعزز فرص استمرارها في لعب دور سياسي غير مباشر.
– يظل التمويل نقطة الارتكاز في بقاء الإخوان داخل ألمانيا. ومع ازدياد الرقابة على التحويلات المالية والأنشطة الخيرية، يُتوقع أن تواجه الجماعة صعوبات متزايدة في الحفاظ على تدفق الأموال من الخارج، خصوصًا من تركيا وبعض شبكات رجال الأعمال المرتبطين بها في الشرق الأوسط. هذا التضييق قد يدفعها إلى التركيز على التمويل المحلي عبر تبرعات الجاليات، أو توسيع نشاطاتها الاقتصادية القانونية مثل المدارس والمراكز التعليمية.
– رغم التحديات الأمنية والتمويلية والانقسامات الداخلية، تُظهر تجربة الإخوان في ألمانيا قدرة عالية على التكيف والمناورة. فمنذ عقود، نجحت الجماعة في إعادة تدوير أدوارها وقياداتها، واستفادت من القوانين الألمانية التي تحمي حرية التنظيم والعمل الخيري. ومن المرجح أن تستمر هذه القدرة على المناورة، سواء عبر استخدام شخصيات شابة أقل شهرة لإدارة الجمعيات، أو عبر تقديم خطاب علني أكثر اعتدالًا مع الإبقاء على الارتباط الفكري بالتنظيم الدولي.
**
– وجود الإخوان في ألمانيا يوصف بأنه “حالة تغلغل شبكي طويل الأمد”. فهم يستثمرون في القوانين الديمقراطية لبناء بنية تحتية اجتماعية ودينية، لكنهم في الوقت ذاته يحملون مشروعًا سياسيًا يتعارض مع قيم الاندماج والمجتمع المفتوح.
– التحدي الأكبر أمام السلطات الألمانية يكمن في الموازنة بين حماية الحريات الدينية ومكافحة استغلالها من قبل تنظيمات ذات أهداف سياسية. من غير المرجح أن تلجأ الحكومة إلى الحظر الشامل، لكنها ستواصل سياسة “التقييد التدريجي” عبر مراقبة التمويل، إغلاق بعض القنوات المشبوهة، وتعزيز الخطاب البديل المعتدل.
– المستقبل يرتبط أيضًا بعوامل خارجية: استمرار الأزمات في الشرق الأوسط قد ينعكس على نشاط الجماعة عبر موجات جديدة من الهجرة واللجوء، وهو ما يوفّر للإخوان فرصًا إضافية للتوسع. في المقابل، تنامي الوعي الأمني الأوروبي بخطر الإسلام السياسي قد يؤدي إلى مزيد من التشدد في الرقابة والإجراءات.
– بناءً على ما سبق، يتعين على السلطات الألمانية والأوروبية تطوير مقاربات أكثر شمولية لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تشمل دعم تيارات الاعتدال والاندماج، وتعزيز الرقابة على التمويل الخارجي، بما يحول دون تحول هذه الشبكات إلى منصات سياسية تهدد استقرار المجتمعات الأوروبية على المدى البعيد.
التوصيات
– تعزيز الرقابة القانونية والمالية: ضرورة فرض أنظمة أكثر صرامة لمراقبة التمويل، بما في ذلك التبرعات القادمة من الخارج
– إعادة هيكلة تمثيل الجاليات المسلمة: ينبغي للحكومة الألمانية العمل على بناء شراكات مع منظمات بديلة تعكس التنوع داخل المجتمعات المسلمة.
– تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي الأوروبي: تكثيف تبادل المعلومات بين أجهزة الأمن الأوروبية لرصد التحركات العابرة للحدود، وتتبع الأفراد والكيانات المرتبطة بالإخوان.
– ضبط المحتوى الديني والتعليمي: مراجعة المواد التعليمية والخطب الدينية الممولة من الخارج، وضمان توافقها مع القيم الدستورية الألمانية ومبادئ حقوق الإنسان.
**
– ضرورة استمرار المراقبة المكثفة: من المرجح أن تواصل أجهزة الاستخبارات الداخلية إدراج الجمعيات المرتبطة بالإخوان ضمن تقاريرها السنوية، مع توسيع نطاق المراقبة ليشمل شبكات جديدة أو واجهات تعمل بطرق أكثر سرية. هذا النهج يعكس إدراك السلطات لصعوبة الحظر، وبالتالي الاكتفاء بالرقابة الاستباقية لتقييد التأثير.
– تصاعد الضغوط السياسية: يتزايد داخل الأوساط السياسية الألمانية النقاش حول مدى فاعلية الاكتفاء بالرقابة. بعض الأحزاب، خاصة المحافظين، يدفعون باتجاه خطوات أكثر صرامة، مثل فرض قيود إضافية على التمويل أو حتى النظر في حظر جزئي لبعض الجمعيات. هذا قد يؤدي إلى سياسات أكثر تشددًا في المستقبل.
– احتمالية التكيف الشبكي للإخوان: في المقابل، من المتوقع أن يواصل الإخوان تطوير أساليبهم لتجاوز القيود، عبر تأسيس جمعيات جديدة أو استخدام واجهات غير دينية مثل المؤسسات الثقافية والتعليمية. هذا التكيف قد يطيل أمد المواجهة ويجعلها أكثر تعقيدًا.
– نظرًا للطبيعة العابرة للحدود لشبكات الإخوان، فإن أي تشدد في ألمانيا سيدفع الجماعة إلى تعزيز وجودها في دول أوروبية أخرى أكثر تساهلًا، مع استمرار التنسيق عبر المؤتمرات والتمويل الدولي. هذا يضع ألمانيا أمام معضلة التعاون الأوروبي لمواجهة الظاهرة.يظل السيناريو الأقرب هو استمرار السياسة الحالية القائمة على الرقابة الحازمة دون حظر شامل، مع تعزيز أدوات الشفافية والاندماج. هذا المسار يوازن بين حماية النظام الدستوري وتجنب صدام مباشر قد تكون له كلفة سياسية وقانونية عالية.
رابط نشر .. https://www.europarabct.com/?p=110192
*جميع الحقوق محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
هوامش
THE MUSLIM BROTHERHOOD IN EUROPE
EU funding for the organisation Islamic Relief Germany
Germany’s Well-Timed Crackdown on the Muslim Brotherhood
Aims and Methods of Europe’s Muslim Brotherhood
*
Franchised’ Security Threats: A Review of the Muslim Brotherhood Branch in Germany & United Kingdom
Including entities linked to the Muslim Brotherhood movement on the EU’s list of terrorist organisations
Escalating Concerns About Muslim Brotherhood
Germany’s Well-Timed Crackdown on the Muslim Brotherhood
Islamismus in Deutschland
Brandenburgs Innenminister Stübgen (CDU) verbietet Islamisches Zentrum Fürstenwalde
الإخوان المسلمين في أوروبا ـ الهيكل التنظيمي ومصادر التمويل (ملف)
‘Franchised’ Security Threats: A Review of the Muslim Brotherhood Branch in Germany & United Kingdom
