المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ـ ECCI ـ وحدة الدراسات والتقارير
تصفح الملف نسخة PDF ملف الأمن الدولي ـ تداعيات سياسات ترامب على أوروبا الأبعاد الأمنية والعسكرية، الاقتصادية، والاستخباراتية
المقدمة
تشهد العلاقات الأوروبية–الروسية تحولات لافتة بعد سنوات من القطيعة والتصعيد غير المسبوق على خلفية الحرب في أوكرانيا. فخلال الأشهر الأخيرة، برزت تصريحات ومواقف جديدة صادرة عن قادة أوروبيين، لاسيما في ألمانيا وفرنسا، مع مؤشرات أولية من إيطاليا، تعكس إعادة تقييم هادئة للعلاقة مع موسكو، بل واعترافًا ضمنيًا بمكانة روسيا كقوة كبرى لا يمكن تجاوزها في المعادلة الأمنية الأوروبية.
تأتي هذه التحولات في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية والاقتصادية داخل القارة، وسط إرهاق الحرب، وتراجع الحماسة الشعبية والسياسية لاستمرار المواجهة المفتوحة مع روسيا.
يتزامن هذا التحول الأوروبي مع أزمة ثقة متنامية تجاه الولايات المتحدة، خاصة مع ادارة ترامب وما رافقها من مواقف صدامية مع الحلفاء الأوروبيين، أبرزها الخلاف حول جزيرة غرينلاند، والتشكيك في التزامات واشنطن تجاه الناتو وأمن أوروبا.
يسعى هذا الملف إلى تحليل مستقبل العلاقات الأوروبية–الروسية من خلال تفكيك أسباب التحول في المواقف الأوروبية، وقراءة موقف روسيا من هذه المتغيرات، وتقييم الانعكاسات المحتملة على استمرار الدعم الأوروبي لأوكرانيا، ضمن مقاربة استراتيجية تأخذ بعين الاعتبار التوازنات الدولية والتحولات في النظام العالمي.
1ـ الأمن الدولي ـ تداعيات سياسات “ترامب” على الأمن والدفاع الأوروبي وحلف الناتو
يبرز مفهوم “تقاسم الأعباء” في ظل عودة “دونالد ترامب” إلى البيت الأبيض وتصاعد الانقسام حول مستقبل الأمن الأوروبي، كإطار لخطاب وسياسات “ترامب” الدفاعية تجاه الناتو. لم يعد الحلف، الذي شكّل لعقود ركيزة أساسية للسياسة الخارجية الأمريكية، بمنأى عن إعادة التقييم من زاوية الكلفة والعائد. ومع تزايد ضغوط الإدارة الأمريكية على الحلفاء الأوروبيين لرفع إنفاقهم العسكري، وظهور شكوك بشأن الالتزام بالمادة الخامسة، تجد أوروبا نفسها أمام مفترق طرق استراتيجي، بين تعزيز الاستقلال الدفاعي، والحفاظ على تماسك الاتو في مواجهة بيئة أمنية تقودها تهديدات روسيا والغموض الأمريكي المتصاعد.
مقاربة ترامب للأمن الجماعي وحلف الناتو
مفهوم “تقاسم الأعباء” في خطاب وسياسات ترامب: أكد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في الخطابات السياسية خلال ولايته الأولى، ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، أن الولايات المتحدة تقدم دعمًا ماليًا غير متناسب لحلف الناتو، مشددًا على ضرورة زيادة مساهمات الحلفاء الأوروبيين وكندا. يُقيّم الرئيس دونالد ترامب التزامات بلاده التحالفية، موازنًا بين التكلفة والأهداف السياسية المتحققة. وعلى الرغم من أن حلف شمال الأطلسي يشكّل حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأمريكية منذ ما يقرب من 76 عامًا، إلا أنه بات يخضع لتدقيق متزايد. ويبدو أن استراتيجية الدفاع الجديدة، التي تأتي إضافةً إلى استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي نُشرت في ديسمبر 2025، لتؤكد مفهوم “تقاسم الأعباء”. حيث تنص استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية الجديدة، التي أصدرها البنتاغون خلال يناير 2026، على أنه ينبغي على واشنطن تقديم دعم محدود لأوروبا.
التشكيك الأمريكي بدور الناتو ووظائفه: أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يناير شكوكًا حول موثوقية حلف شمال الأطلسي، قائلًا إنه غير مقتنع بأن الحلف سيقدم المساعدة لواشنطن في حالة حدوث أزمة، وذلك في ظل تصاعد التوترات بشأن مساعي واشنطن المتجددة للاستحواذ على “غرينلاند”. وكان قد أثار ترامب في العام 2025 درجةً من عدم اليقين بشأن التزام الولايات المتحدة بالتزامات الدفاع المتبادل المحددة في معاهدة الناتو، وهي تعليقات تعيد إحياء المخاوف لدى الحلفاء الأوروبيين بشأن التزامه بالتحالف العسكري. تقول “جيسيكا جيناور” الأستاذة المشاركة في العلاقات الدولية بجامعة فليندرز، في يناير 2026: “من غير المرجح أن تنخرط الولايات المتحدة في عمل عسكري ضد الدول الأعضاء الأخرى في حلف الناتو أو أن تنسحب من جانب واحد من حلف الناتو. ومع ذلك، فإن حقيقة استعداد الولايات المتحدة لمواجهة أعضاء آخرين في حلف الناتو في محاولة مباشرة للاستيلاء على الأراضي تقوض قوة الردع الحاسمة للحلف”. أضافت جيناور: “إذا انسحبت الولايات المتحدة من الحلف، فإن الناتو سيخسر ثلثي ميزانيته، مما سيؤدي إلى إضعاف الأمن العام لأعضائه، وإذا رأى خصوم الناتو أن الحلف منقسم داخليًا وخاضعًا لأهواء الولايات المتحدة، فمن المرجح أن يشككوا في مصداقية عزيمة الناتو”.
مقارنة بين الإدارات الأمريكية السابقة وإدارة ترامب: أكد الرئيس السابق باراك أوباما في العام 2024 التزام الرئيس السابق جو بايدن بحلف الناتو، وذلك بعد أن أثار ترامب مخاوف في جميع أنحاء العالم بقوله إنه لا ينبغي للولايات المتحدة أن تدافع عن حلفاء الناتو الذين لا يلتزمون بأهداف الإنفاق الدفاعي. كما أكد بايدن: “إن وعد حلف الناتو بأن أي هجوم على أحد أعضائه هو هجوم على الجميع يحافظ على أمريكا، الأمر بهذه البساطة. أي شخص يشكك في متانة هذا الوعد يشكل خطرًا على أمننا”. وأضاف بايدن: “الناتو التزام مقدس، ينظر دونالد ترامب إلى هذا الأمر وكأنه عبء، فعندما ينظر إلى الناتو لا يرى التحالف الذي يحمي أمريكا والعالم، بل يرى عملية ابتزاز”. وتابع: “إنه لا يفهم أن حلف الناتو قد بُني على مبادئ الحرية والأمن والسيادة الوطنية، لأن المبادئ لا تهم ترامب أبدًا، كل شيء بالنسبة له مجرد صفقة”. الأمن الدولي ـ التحول الأوروبي نحو الحوار مع موسكو، الدوافع، السياق، والحدود
الضغوط الأمريكية على أوروبا لزيادة الإنفاق العسكري
مطلب رفع الإنفاق الدفاعي إلى (5%) من الناتج المحلي: وافق أعضاء حلف شمال الأطلسي في يونيو 2025 على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى (5%) من الناتج المحلي الإجمالي لبلدانهم، وهو معيار طالما سعى إليه الرئيس “دونالد ترامب”، بينما سعت إسبانيا إلى منع هذا الإجراء، لكنها تراجعت في النهاية عن معارضتها بعد التوصل إلى اتفاق لإعفائها منه. سيكون أمام جميع الدول الأعضاء باستثناء إسبانيا حتى عام 2035 للوصول إلى الهدف. نص الاتفاق على إنفاق ما لا يقل عن (3.5%) من الناتج المحلي الإجمالي الوطني على الاحتياجات العسكرية الأساسية، في حين يمكن تخصيص (1.5%) إضافية للنفقات ذات الصلة.
انعكاسات الضغوط على السياسات الدفاعية الألمانية والفرنسية: تُعد ألمانيا، من حيث الأرقام المطلقة، أكبر دولة إنفاقًا، حيث تبلغ حوالي (90) مليار يورو (2.1% من الناتج المحلي الإجمالي)، تليها فرنسا بما يقرب من (60) مليار يورو (2%). إن الانتقال من نسبة (2%) من الناتج المحلي الإجمالي إلى (5%) سيؤدي إلى إنفاق ألمانيا عشرات المليارات الإضافية من اليورو على الدفاع كل عام. يقول المستشار “فريدريش ميرز” إن (1%) من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد سيمثل حوالي (45) مليار يورو. يوضح “هوبيرتوس باردت”، المدير الإداري للمعهد الاقتصادي “IW Koeln” أنه من المرجح أن يتم تمويل هذه النفقات الإضافية عن طريق القروض. وعد ماكرون بأن ترفع فرنسا الإنفاق الدفاعي إلى (64) مليار يورو بحلول عام 2027. أعلن الرئيس الفرنسي أن الحكومة ستُقدّم إلى البرلمان تحديثًا لقانون التخطيط العسكري الذي يمتد لسبع سنوات، وذلك لتحديد مخصصات الزيادات في الإنفاق. يقول “برتراند دي كوردو” مستشار الدفاع والتسليح في معهد جاك ديلور: “إن الزيادات في ميزانية الدفاع التي أعلنها الرئيس ماكرون، والتي رحبت بها أغلبية الطبقة السياسية، لا تزال تعتمد على تصويت في البرلمان، وبالتالي فهي الآن غير مؤكدة”.
الجدل الأوروبي حول “العسكرة” والاستقلال الدفاعي: يكشف النقاش الدائر حول الأمن الأوروبي عن ثلاثة انقسامات رئيسية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. يتعلق أولها بمن ينبغي له الإشراف على الأمن الأوروبي، إذ اعتمدت العديد من الدول الأعضاء على الولايات المتحدة. مع ذلك، دعت دول مثل فرنسا إلى نهج أكثر تركيزًا على الاتحاد الأوروبي، يؤكد على الاستقلالية الاستراتيجية. يتمحور هذا الخلاف حول مدى استقلالية الاتحاد الأوروبي عن الولايات المتحدة. بينما يرى أنصار التحالف الأطلسي أن تقليل اعتماد الاتحاد الأوروبي على الأسلحة الأمريكية قد يضر بتوافق عمليات حلف الناتو ويُضعف الدعم الأمريكي للأمن الأوروبي، مما قد يُعرّض أمن أوروبا للخطر.
يتمثل الانقسام الثاني في ما إذا كان ينبغي السعي لتحقيق الاستقلال الاستراتيجي من خلال الاتحاد الأوروبي، ولا سيما المفوضية الأوروبية، أو من خلال التعاون المتعدد الأطراف التقليدي بين الدول الأعضاء، أو من خلال إطار أوروبي آخر أوسع نطاقًا من الاتحاد الأوروبي. حتى الحكومات المؤيدة للاتحاد الأوروبي مترددة في منح الاتحاد صلاحيات واسعة في مسائل الدفاع والأمن، مما يعكس مخاوف أوسع نطاقًا بشأن المركزية. وتجري مناقشات حول بنية أمنية تشمل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة ودول الشمال الأوروبي. ويمكن كذلك مناقشة دور تركيا في مستقبل البنية الأمنية الأوروبية.
تتمحور القضية الثالثة حول كيفية تحقيق استقلالية استراتيجية أكبر والموارد اللازمة لذلك. تدعم الدول ذات التقاليد الراسخة في التدخل الاقتصادي الحكومي، مثل فرنسا وإيطاليا، زيادة الإنفاق على الأسلحة المصنعة في الاتحاد الأوروبي وتعزيز دور الدولة. في المقابل، فضّلت دول مثل ألمانيا وهولندا تاريخيًا نهجًا أقل حمائية يركز على الحد الأدنى من الإنفاق الدفاعي والاعتماد بشكل أكبر على الأسواق العالمية.
مستقبل الالتزام الأمريكي بالمادة الخامسة
المخاوف الأوروبية من تراجع الضمانات الأمنية: يمتلك الاتحاد الأوروبي بندًا خاصًا به للدفاع المشترك، لكن يُنظر إليه على أنه أضعف من المادة الخامسة من حلف الناتو. ويبدو أن مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي يريد تغيير ذلك، في الوقت الذي يعيد فيه الجيش الأمريكي النظر في وجوده في أوروبا. يقول “أندريوس كوبيليوس” إن دول الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون لديها “ضمانات متعددة” لأمنها إلى جانب المادة الخامسة من حلف الناتو، بما في ذلك وضع “آلية واضحة” لكيفية عمل بند الدفاع المشترك الخاص بالكتلة. أضاف: “لقد تعلمنا نحن الليتوانيين في تاريخنا أنه من الأفضل أن يكون لدينا ضمانات متعددة لأمننا”. تابع: “سيكون من الجيد، إلى جانب ضمانات المادة الخامسة من حلف الناتو، أن تكون هناك ضمانات بموجب المادة (42.7) من حلف الاتحاد الأوروبي، مع آلية واضحة لكيفية تنفيذها. كما سيكون من الجيد أن تكون هناك ضمانات بأن جميع دول الجبهة الشرقية ستدافع عن بعضها البعض بنفس الطريقة التي تستعد بها للدفاع عن نفسها”.
أثر الغموض الأمريكي على دول أوروبا الشرقية والبلطيق: تستعد إدارة ترامب للتخلص التدريجي من تمويل برامج المساعدة الأمنية الأمريكية التي تدعم الدول الأوروبية المتاخمة لروسيا. تستهدف التخفيضات المادة (333)، وهو برنامج يسمح بتوفير التدريب والمعدات لقوات الأمن الأجنبية في مجالات مثل مكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني، والأمن البحري، وأمن الحدود. كانت دول البلطيق، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، هي المستفيدين الرئيسيين من هذا البرنامج. تقوم دول البلطيق جميعها بزيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي في عام 2026 والسنوات القادمة. أعلنت ليتوانيا في العام 2025 أنها ستزيد الإنفاق الدفاعي إلى (5% ـ 6%) من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2026. وافق برلمان لاتفيا على مشروع قانون جديد يخصص (4.91%) من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع في عام 2026. ستقوم وزارة الدفاع الإستونية بتغيير هدف إنفاقها من (3.35%) في عام 2025 إلى (5.37%) من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026 والمستقبل المنظور، ليصل إجمالي الإنفاق الدفاعي إلى أكثر من (10) مليارات يورو بين عامي 2026 و2029.
تداعيات ذلك على الردع في مواجهة روسيا: لا تزال روسيا في قلب المشهد الأمني الأوروبي عام 2026، على الرغم من أن الخبراء لا يتوقعون حربًا مباشرة بين حلف الناتو وروسيا. بدلًا من ذلك، يكمن الخطر الأكبر في تحركات بطيئة الوتيرة تُضعف البيئة الأمنية الأوروبية تدريجيًا دون تجاوز عتبة المادة الخامسة من حلف الناتو. كما أن عجز أوروبا عن تشكيل بيئتها الأمنية، في مثل هذا السيناريو، سيتلاشى بسببه الردع، وسيرث الاتحاد الأوروبي حدودًا غير مستقرة بشكل دائم. أمن ألمانيا ـ مستقبل السياسات الأمنية في مواجهة التهديدات غير التقليدية
الدفع نحو الاستقلالية الدفاعية الأوروبية
إحياء مشاريع الدفاع الأوروبي المشترك (PESCO): تستطيع (26) دولة عضو من خلال “PESCO” مشاركة التخطيط والتطوير والاستثمار بشكل مشترك في مشاريع القدرات المشتركة، وتعزيز الجاهزية العملياتية ومساهمة قواتها المسلحة. يتمثل هدف الدول الأعضاء في زيادة فعاليتها في مواجهة التحديات الأمنية، والتقدم نحو مزيد من التكامل، وتعزيز التعاون الدفاعي ضمن إطار الاتحاد الأوروبي. يؤدي ذلك إلى تعزيز قدرة الاتحاد الأوروبي كفاعل أمني دولي. كما ينص برنامج أوروبي بقيمة (150) مليار يورو، يهدف إلى مساعدة الدول على تعزيز استثماراتها الدفاعية، والذي أُقر في مايو من العام 2025، على ألا تتجاوز نسبة المكونات المستوردة من خارج الاتحاد الأوروبي والدول الشريكة، مثل النرويج وأوكرانيا، (35%) من إجمالي تكلفة أي عملية شراء. ولا تعتبر الولايات المتحدة دولة شريكة في هذا البرنامج. تعتمد الدول الأوروبية بشكل كبير على الولايات المتحدة في مجال الدعم العسكري، بما في ذلك المراقبة والاستطلاع، والاستخبارات، والنقل الاستراتيجي، والدفاع الصاروخي، والأصول الفضائية. لكن حزب الشعب الأوروبي، يؤكد إن هذه هي تحديدًا المجالات التي تحتاج فيها أوروبا إلى تعزيز قدراتها الخاصة.
حدود القدرة الأوروبية بعيدًا عن المظلة الأمريكية
تفوق القوة القتالية الأمريكية بكثير القوات الأوروبية الموزعة على (29) جيشًا، مدعومة بقيادة موحدة وقدرات استراتيجية شاملة، بينما تعاني الجيوش الأوروبي من تشتت القيادة. تواجه أوروبا خيارين، زيادة القوات لتعويض ضعف التنسيق، أو تعزيز التعاون العسكري بسرعة، وإلا ستظل جهودها الفردية غير كافية لردع التهديد الروسي، مع ضرورة معالجة مشاكل التنسيق والمخاطر. يتطلب الردع الأوروبي الفعال، خصوصًا في البلطيق، قوة برية ضخمة تشمل نحو (1400) دبابة، و(2000) مركبة قتال مشاة، و(700) قطعة مدفعية، إضافةً إلى مخزون لا يقل عن (مليون) قذيفة عيار (155) ملم لـ(90) يومًا من القتال المكثف. كما تحتاج أوروبا إلى تعزيز قدراتها الجوية والصاروخية والطائرات المسيّرة، بإنتاج يقارب (2000) مسيّرة بعيدة المدى سنويًا، وتجنيد (300) ألف جندي جديد. تحقيق ذلك يستلزم زيادةً كبيرة في الإنفاق الدفاعي، وتوسيع الإنتاج الصناعي، واعتماد الشراء الجماعي الأوروبي ومعايير موحدة لتقليل التكاليف وتعزيز الكفاءة.
التناقض بين تعزيز الاستقلال والحفاظ على الناتو
حذّرت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، من أن إنشاء جيش أوروبي منفصل إلى جانب حلف شمال الأطلسي سيكون “خطيرًا للغاية”، بحجة أنه سيؤدي إلى تشويش سلاسل القيادة في حالة الأزمات، في ظل استمرار النقاش حول القدرات الدفاعية المستقبلية للتكتل. ففي حديثها في مؤتمر أمني في النرويج، أكدت كالاس أن الأولوية الرئيسية في أي أزمة عسكرية يجب أن تكون الحفاظ على هيكل قيادة واضح. فعلى المستوى الأوروبي، يجتمع وزراء العدل باستمرار وهم يفكرون بمنظور أوروبي، بينما لطالما كان وزراء الدفاع ذوي توجه وطني، بميزانيات وطنية وقرارات وطنية. ملف الأمن الدولي ـ النووي الإيراني والترويكا، السيناريوهات المحتملة
**
2ـ أمن دولي ـ الانعكاسات الاقتصادية لسياسات ترامب على أوروبا
تمثل سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاقتصادية تجاه الاتحاد الأوروبي تكريساً لتحوّل هيكلي في الرؤية الأمريكية للنظام الاقتصادي الدولي، وليس مجرد عودة لخطاب شعبوي أو سياسات ظرفية. إن سياسة “أمريكا أولاً” لم تعد إطاراً انتخابياً، بل تحوّلت إلى عقيدة حاكمة تعيد تعريف موقع الولايات المتحدة داخل الاقتصاد العالمي، وتعيد ترتيب علاقاتها مع الحلفاء، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي. فيما تواجه الشراكة الاقتصادية عبر الأطلسي تحدياً وجودياً، إذ لم تعد تقوم على منطق التكامل الاستراتيجي، بل باتت محكومة باعتبارات القوة، والضغط، وإعادة التفاوض القسري حول قواعد التجارة، والطاقة، وسلاسل التوريد.
تراجع مفهوم الشراكة الاستراتيجية الاقتصادية
قامت الشراكة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وأوروبا لعقود طويلة على افتراض أن التكامل الاقتصادي يخدم في نهاية المطاف الأمن الجماعي للمعسكر الغربي. غير أن إدارة ترامب الحالية تنطلق من رؤية مغايرة ترى أن هذا النموذج لم يعد يخدم المصالح الأمريكية، بل أسهم، من وجهة نظرها، في تقويض القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي وتعميق العجز التجاري، خصوصاً مع الاتحاد الأوروبي. ووفق هذا التصور، لم تعد الشراكة قيمة بحد ذاتها، بل أصبحت عبئاً يجب إعادة التفاوض حوله أو تفكيكه جزئياً.
هذا التحول يعكس انتقالاً من منطق الاقتصاد التحالفي إلى منطق الاقتصاد السيادي، حيث تُقاس العلاقات الخارجية بمردودها المباشر على الداخل الأمريكي، لا بمساهمتها في استقرار النظام الدولي. وفي هذا الإطار، باتت أوروبا تُعامل باعتبارها كياناً اقتصادياً يستفيد من السوق الأمريكية دون تقديم تنازلات متكافئة، وهو ما يبرر، في الخطاب الأمريكي، استخدام أدوات ضغط اقتصادية لإعادة “تصحيح” ميزان العلاقات.ملف الأمن الدولي ـ هل تقترب أوروبا من مرحلة ما بعد الناتو؟ استشراف التحولات الأمنية
الاقتصاد كأداة ضغط سياسي
أصبح الاقتصاد، في ظل هذا التحول، أداة مركزية في السياسة الخارجية الأمريكية، تُستخدم للضغط والإكراه وإعادة تشكيل سلوك الحلفاء. ويتجلى ذلك في الربط المتزايد بين التعاون الاقتصادي ومواقف أوروبا السياسية، سواء فيما يتعلق بالإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي، أو بالعلاقات مع الصين، أو بالسياسات تجاه روسيا. هذا التداخل بين الاقتصاد والأمن القومي يعكس تصاعد النزعة الواقعية في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، حيث تُختزل العلاقات الدولية في ميزان القوة لا في منظومات القيم المشتركة. بالنسبة للاتحاد الأوروبي، أدى هذا النهج إلى تآكل الثقة في استدامة الالتزامات الأمريكية، وأعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً حول حدود الاعتماد على الشريك الأمريكي، لا سيما في القطاعات الحيوية التي تمس الأمن الاقتصادي الأوروبي.أمن دولي ـ الاستقلال الدفاعي الأوروبي، بين الطموح السياسي والقيود الواقعية
الحروب التجارية والرسوم الجمركية
تمثل الحروب التجارية إحدى أبرز أدوات “أمريكا أولاً”، وقد اتخذت شكل فرض رسوم جمركية على منتجات أوروبية استراتيجية، وفي مقدمتها الصلب والألمنيوم. استخدام ذريعة “الأمن القومي” لتبرير هذه الرسوم شكّل صدمة في العواصم الأوروبية، ليس فقط بسبب الأثر الاقتصادي المباشر، بل لما يحمله من دلالة سياسية عميقة مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد تميّز بين الحليف والخصم في حساباتها التجارية. وقد انعكست هذه السياسات سلباً على قطاعات صناعية أوروبية تعتمد بدرجة كبيرة على السوق الأمريكية، خاصة في الاقتصادات الصناعية الكبرى مثل ألمانيا. فإلى جانب الخسائر المباشرة، أدت حالة عدم اليقين التجاري إلى تعطيل قرارات استثمارية طويلة الأجل، وإلى إعادة تقييم استراتيجيات التوسع في السوق الأمريكية. كذلك دفعت بعض الشركات الأوروبية إلى البحث عن أسواق بديلة أو إعادة هيكلة سلاسل إنتاجها لتفادي الرسوم.
سلاسل التوريد العابرة للأطلسي
أحد أخطر تداعيات هذه السياسات يتمثل في تفكيك سلاسل التوريد العابرة للأطلسي، التي شكّلت لعقود ركيزة أساسية للتكامل الاقتصادي بين أوروبا والولايات المتحدة. فالتوجه الأمريكي نحو إعادة توطين الصناعات وسلاسل التوريد داخل الولايات المتحدة، حتى على حساب الكفاءة الاقتصادية، يهدد النموذج الأوروبي القائم على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. إن هذا التحول لا يقتصر على البعد الاقتصادي، بل يحمل أبعاداً جيو-سياسية، إذ يعكس استعداد واشنطن للتضحية بمصالح حلفائها الاقتصادية في سبيل تعزيز قدرتها التنافسية الداخلية، وهو ما يفرض على أوروبا التفكير في استراتيجيات بديلة لتأمين سلاسل التوريد الحيوية وتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية.
سياسات ترامب تجاه الاتحاد الأوروبي
تتسم نظرة إدارة ترامب إلى الاتحاد الأوروبي بطابع تنافسي واضح، حيث يُنظر إلى بروكسل بوصفها قوة تنظيمية واقتصادية قادرة على تحدي النفوذ الأمريكي، لا شريكاً طبيعياً. ويتجلى ذلك في الانتقادات المتكررة للمعايير الأوروبية في مجالات البيئة، والضرائب الرقمية، وقوانين المنافسة، التي تُصوَّر في الخطاب الأمريكي كأدوات تستهدف الشركات الأمريكية.
إن واشنطن لا تتعامل مع الاتحاد الأوروبي كوحدة متماسكة، بل تسعى إلى استغلال التباينات بين الدول الأعضاء عبر مقاربات ثنائية، وهو ما يضعف الموقف التفاوضي الأوروبي ويقوّض فكرة السوق الموحدة. كما أن الدعم السياسي غير المباشر لتيارات قومية وشعبوية داخل أوروبا أسهم في تعميق الانقسامات الداخلية، وأضعف قدرة الاتحاد على بلورة موقف موحد في مواجهة الضغوط الأمريكية. أدت هذه السياسات إلى خلق ضغوط غير متكافئة داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تختلف درجة تعرض الدول الأعضاء للإجراءات الأمريكية تبعاً لبنية اقتصاداتها. هذا التفاوت يعمّق الانقسامات بين الدول الصناعية الكبرى وتلك الأكثر هشاشة، ويضعف التضامن الاقتصادي الذي يشكل أحد أعمدة المشروع الأوروبي. كما يعقّد قدرة بروكسل على صياغة رد موحد، ويجعل الاتحاد أكثر عرضة للابتزاز الخارجي.
أعرب عدد من القادة الأوروبيين، في السنوات الأخيرة، عن قلقهم من التوجهات الأمريكية في ظل تطبيق شعار “أمريكا أولاً”، سواء في التجارة أو السياسة الخارجية، معتبرين أنها تؤثر على الشراكة عبر الأطلسي وتضعف الثقة التقليدية بين الجانبين. رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني رفضت فكرة أن أوروبا يجب أن تختار بين واشنطن وبروكسل ووصفت هذا الخيار بأنه “طفولي وسطحى”، مؤكدة في الوقت نفسه أهمية العلاقات مع الولايات المتحدة، لكنها رأته يتطلب تفهما واقعيا لمصالح كل طرف في مواجهة النزاعات التجارية والسياسية الحالية.
حذر عدد من كبار الدبلوماسيين الأوروبيين من تآكل العلاقات إذا استمر هذا النهج. ميشال بارنييه، الوزير الفرنسي السابق والمفاوض الأوروبي في ملف بريكست، انتقد ما وصفه بالتقصير في التفكير طويل الأمد الأمريكي، معتبراً أن سياسات ترامب “تضحي بالمستقبل من أجل الحاضر” وأكد على ضرورة تعزيز القدرة الذاتية الأوروبية وعدم التخلي عن التحالفات الاستراتيجية. عبّر أنتونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، عن قلقه من تدخلات تأثير سياسي خارجي في شؤون أوروبا محذراً من دعم أحزاب قومية وشعبوية تقوض الاستقرار الأوروبي، وأكد أن بلدان الاتحاد يجب أن تكون العنصر الحاسم في تحديد مستقبلها السياسي والاقتصادي. ملف أمن دولي ـ مستقبل السياسات الأمنية الألمانية ـ داخليًا وخارجيًا في بيئة دولية متغيرة
قطاع الطاقة والبعد “الجيو- اقتصادي“
يشكّل قطاع الطاقة أحد أبرز ميادين الصراع الجيو- اقتصادي بين الولايات المتحدة وأوروبا في ظل “أمريكا أولاً”. فقد مارست واشنطن ضغوطاً متواصلة لوقف مشاريع استراتيجية مثل “نورد ستريم 2”، مبررة ذلك بمخاوف تتعلق بالأمن الطاقي الأوروبي. غير أن هذا الخطاب يخفي في جوهره سعياً أمريكياً لإعادة تشكيل سوق الطاقة الأوروبية بما يخدم مصالحها الاقتصادية. التنافس على سوق الغاز الأوروبي يعكس تداخلاً معقداً بين الاقتصاد والسياسة، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى توسيع صادراتها من الغاز الطبيعي المسال، مستخدمة أدوات سياسية وقانونية للحد من الخيارات الأوروبية الأخرى. هذا الوضع يضع الاتحاد الأوروبي أمام معادلة صعبة بين تقليص الاعتماد على روسيا، وتجنب الارتهان الكامل للولايات المتحدة، ما يبرز هشاشة استقلاله الطاقي.
وجدت أوروبا نفسها في قلب صراع جيو-اقتصادي بين قوتين، كل منهما تسعى إلى توظيف الطاقة كأداة نفوذ. هذا الواقع أعاد تعريف مفهوم الأمن الطاقي الأوروبي بوصفه قضية سيادة استراتيجية، لا مجرد ملف اقتصادي، ودفع بعض الدول الأوروبية إلى المطالبة بتسريع الانتقال نحو مصادر طاقة بديلة وتعزيز الإنتاج المحلي، رغم الكلفة الاقتصادية العالية.
**
3ـ أمن دولي ـ سياسات ترامب وتداعياتها على التعاون الاستخباراتي داخل الناتو
أصبحت العلاقات عبر الأطلسي مختلفة تمامًا منذ الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ضوء تبني الولايات المتحدة استراتيجية مغايرة مع الحلفاء الأوروبيين، بشأن الدفاع العسكري والعلاقات الاقتصادية وحرب أوكرانيا، الأمر الذي أدى لظهور توترات بين واشنطن وأوروبا، وتسبب في غياب الثقة بين الطرفين بشأن القضايا الخلافية الراهنة، في ظل تقارب أمريكي روسي في بعض الملفات، وإصرار الولايات المتحدة على تهميش دور أوروبا في ملف المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا من جانب، والمباحثات مع إيران حول الملف النووي من جانب آخر، ما يهدد مسألة الدفاع الجماعي داخل حلف الناتو، ويعرقل التعاون الاستخباراتي لمواجهة التهديدات.
مكانة الاستخبارات في العلاقة عبر الأطلسي
بدأت اتصالات رسمية بين أجهزة الاستخبارات البريطانية ونظيرتها الأمريكية منذ بداية الحرب العالمية الثانية في 1 سبتمبر 1939، ولكن ظلت هذه الاتصالات محدودة ومحاطة بالشكوك، حتى أربعينيات القرن الماضي. ومع تطوير بريطانيا أجهزة استخباراتها، تمكنت من تزويد الولايات المتحدة بمعلومات تقود إلى تحقيقات في مكافحة التجسس، التي كان من شأنها منع عمليات التخريب النازية في الموانئ الأمريكية. بدأ التنسيق المشترك تدريجيًا في تبادل المعلومات بين البحرية الأمريكية ونظيرتها البريطانية، وبلغت ذروة التنسيق مع قيام سرب المحيط الأطلسي التابع للبحرية الأمريكية بمهام مرافقة للبحرية البريطانية، وعرف وقتها باسم “دوريات الحياد” في الفترة (1940-1941).
وافق رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل على تأسيس مكتب التنسيق الأمني البريطاني “BSC” في نيويورك، الذي عمل على منع التخريب الألماني بالموانئ الأمريكية، وكان بهدف الترويج للسياسات الخارجية والعسكرية لدي الأمريكيين، وجمع المعلومات الاستخباراتية في نصف الكرة الغربي، بجانب إقناع الأمريكيين بدعم بريطانيا ضد ألمانيا. تطورت العلاقة الاستخباراتية بين الولايات المتحدة وبريطانيا بانتهاء الحرب العالمية الثانية في 1945، ووقعت الدولتان اتفاقية سرية رسمية لتبادل المعلومات الاستخباراتية في 1946، لمواجهة التهديد السوفيتي الذي بدأ فرض سيطرته على أوروبا آنذاك. توسعت الاتفاقية لتشمل كندا في 1948، وأستراليا ونيوزيلندا في 1956، وظلت الاتفاقية سرية بين الـ (5) دول، حتى تم الإعلان عنها بشكل علني في يونيو 2010. كان أساس التحالف الذي عرف باسم “تحالف العيون الخمس”، هزيمة الاتحاد السوفيتي بتجنيد الدبلوماسيين الروس لصالحهم، ومحاربة الجواسيس الذين نشرهم الاتحاد السوفيتي في أراضيهم، عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون عبر الحدود.
دخل التعاون الاستخباراتي بين دول الغرب شكلًا مختلفًا مع الحرب الباردة التي بدأت في 1947، وركز على مراقبة تحركات الاتحاد السوفيتي النووية والتقليدية، ولجأت واشنطن لأراضي أوروبية لنشر الدعاية المضادة ضد الاتحاد السوفيتي. وبتأسيس حلف الناتو في 1949، وضعت الولايات المتحدة وأوروبا الغربية أساسًا عسكريًا استخباراتيًا بشكل رسمي، وتضمن لجان تبادل المعلومات الدفاعية، والتنسيق الاستخباراتي بين الحلفاء، ووضع السياسات الاستخباراتية للحلف. كانت هجمات 11 سبتمبر 2001، نقطة تحول في التعاون الاستخباراتي بين واشنطن وأوروبا، وتطور من التنسيق العسكري التقليدي، إلى شراكة قانونية معقدة تشمل المال والسفر والفضاء الرقمي، لتنظيم تبادل البيانات الحساسة من أجهزة إنفاذ القانون والاستخبارات. بعد مفاوضات صعبة بين واشنطن والمفوضية الأوروبية، وقع الجانبان على اتفاقية “سويفت” في 28 يونيو 2010، لتمكين وزارة الخزانة الأمريكية من الوصول إلى بيانات مالية أوروبية، ما يؤكد على دخول التعاون الاستخباراتي بينهما إلى مرحلة شديدة الخصوصية والأهمية.
أزمة الثقة في ظل إدارة ترامب
تسريب المعلومات: أفقدت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة في 5 ديسمبر 2025 أوروبا، الثقة في التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة، كونها تمثل تحولًا جذريًا في نظرة واشنطن إلى الحلفاء، وتضمنت هجومًا حادًا على أوروبا، بوصفها قارة مهددة بالزوال، جراء سياسات الهجرة وتراجع الاقتصاد وتقييد الحريات. وأكدت الوثيقة على العمل بشأن “تنمية المقاومة لمسار أوروبا الراهن”، وتراجع أوروبا في أولويات واشنطن. أوضحت صحفية “إندبندنت” البريطانية، أن التعاطف الحالي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لروسيا، قد يؤدي إلى تخلي واشنطن عن كييف، ما يعرضها ودول أوروبا والناتو للخطر. بات ثابتًا لدى الأوروبيين، أن هدف واشنطن إضعاف أوروبا، ما يسهل التعامل مع دولها المنقسمة، بتقوية الحركات القومية ومنع أوروبا من أن تصبح قوى جيوسياسية مستقلة.
قد تتسبب هذه المخاوف في حدوث أزمة بشأن التعاون الاستخباراتي بالناتو، عبر نقل معلومات حساسة خارج القنوات التقليدية، وفي مايو 2017 خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب، أشارت تقارير إلى أن ترامب كشف معلومات استخباراتية حساسة، لوزير الخارجية والسفير الروسيين بالبيت الأبيض. في فبراير 2026، زعم مُبلغ استخباراتي، أنه تم اعتراض تقريرًا لوكالة “ناسا” تضمن مكالمة لعنصر مرتبط بجهة استخبارات أجنبية، حول شخص مقرب من ترامب، وأن مدير مكتب الاستخبارات القومية تعامل مع الشكوى، بطريقة أثارت اتهامات بتأخير أو حجب المشاركة مع لجان الكونغرس. تشير هذه الوقائع، إلى احتمالية تراجع العمل الاستخباراتي التكتيكي بالناتو، ما يضعف قدرة الحلفاء بشأن توقع التهديدات، والكشف المبكر عن هجمات إلكترونية أو هجمات إرهابية، خاصة مع اختلاف تقييمات واشنطن وبروكسل وبرلين ولندن وباريس، لطبيعة المخاطر ومصادر التهديدات الأمنية.
التعامل مع روسيا والصين: كان مؤتمر “ميونيخ للأمن” في الفترة (14-16) فبراير 2025، بداية لإثارة الشكوك لدى الأوروبيين، حول تغير سياسة واشنطن تجاه الصين وروسيا. اتهم نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، قادة أوروبا بممارسة الرقابة، ما يجعل التهديد من الداخل أخطر على أوروبا بدلًا من روسيا والصين. دافع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، عن حزب “البديل من أجل ألمانيا AfD”، مهاجمًا تصنيف الاستخبارات الألمانية للحزب كمنظمة متطرفة. تعد تصريحات المسؤولين الأمريكيين تدخلًا غير مسبوقًا في الشؤون الداخلية لأوروبا، ورسالة واضحة بأن واشنطن منحازة لخصوم على حساب أوروبا.
أشار تقرير لصحفية “لوموند” الفرنسية في 22 أبريل 2025، إلى قلق حقيقي لدى أجهزة الاستخبارات الغربية، بشأن التعاون المستقبلي مع واشنطن، بعد تأكيدها على تسريع التوجه نحو آسيا، وتعليق البنتاغون لدعمه الاستخباراتي لأوكرانيا في مارس 2025. تصدرت هذه المخاوف الاجتماع السنوي لهيئة تحليل المعلومات الاستخباراتية الموحدة “SIAC”، وهي هيئة تجمع المعلومات الاستخباراتية من الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، لصالح الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، لاسيما وأن هذه الهيئة تفتقر وجود قدرات تشغيلية خاصة بها. استخدمت وثيقة الأمن القومي الأمريكي، لغة متواضعة تجاه خصوم الولايات المتحدة، بما في ذلك روسيا والصين، ما يعني أن واشنطن تتجه لإعادة توازن العلاقات مع الصين، وتمنح روسيا الغلبة في مفاوضات إنهاء حرب أوكرانيا. لاسيما وأن الإدارة الأمريكية قللت من وزن تهديدات روسيا في الفترة (2017- 2019). وأشارت تقارير في (2025 و2026)، إلى تغير أولويات في وثائق وتقييمات بعض أجهزة الاستخبارات الأمريكية، ما قد يؤدي لتباين التقديرات بين واشنطن وبروكسل حول التهديدات الروسية والصينية.
قلق أوروبي من “تسييس” المعلومات الاستخباراتية: أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 12 يناير 2026، بشأن ضم جزيرة غرينلاند، مخاوف الأوروبيين من تبادل المعلومات الاستخباراتية، لاسيما وأن ترامب وصف السيطرة على غرينلاند، بأنها ضرورة مطلقة للأمن القومي الأمريكي. يربط ترامب بين الاستحواذ على الجزيرة، بخطته لبناء نظام دفاعي صاروخي يسمى “القبة الذهبية”، لحماية بلاده من الصواريخ الباليستية وفرط الصوتية، الأمر الذي يشير إلى تعارض المصالح الأمريكية مع المصالح الأوروبية. رغم تراجع ترامب عن الخيار العسكري لضم الجزيرة، واللجوء إلى فرض رسوم جمركية على بضائع الاتحاد الأوروبي، في حال معارضة الدنمارك التنازل عنها، فإن تقارير تحدثت عن خطوات لأجهزة استخبارات أوروبية، لبناء آليات داخلية وثنائية، لتقليل الاعتماد على قنوات الشراكة مع واشنطن، في حال استمرار هذا النهج الأمريكي ضد أوروبا. مؤتمر ميونخ للأمن 2026 ـ “العالم تحت الدمار” في ظل توتر العلاقات عبر الأطلسي
التعاون الاستخباراتي داخل الناتو
تأثير الخلافات على تبادل المعلومات: ظهرت تبعات التوترات الحالية بين واشنطن وأوروبا، في خفض المشاركة المباشرة بشأن تبادل المعلومات، أشارت تقارير أوروبية في 2025، إلى إعادة تقييم للتعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة، وطرح بناء قدرات إقليمية بديلة لهذا التعاون، وفي أكتوبر 2025 أفاد مديرا جهازي الاستخبارات والأمن العام الهولندي “AIVD”، والاستخبارات العسكرية “MIVD”، تقليص مشاركة بعض المعلومات مع واشنطن، لأسباب تتعلق بالمخاوف من استخدام المعلومات لأغراض قد تنتهك حقوق الإنسان أو تستغل سياسيًا، ما يعد نموذجًا ملموسًا لدولة حليف تقلل الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن.
ناقشت ألمانيا وفرنسا، في أغسطس 2025، خطوات للتنسيق الاستراتيجي، ولاسيما في مجال الإنذار المبكر والقدرات الفضائية، ووضعتا أسس مبادرة “JEWEL”، التي تُبنى على مشروع القمر الصناعي للإنذار المبكر “ODIN’S EYE”، لبناء آليات ثنائية للقدرات الاستخباراتية والأمنية، وتعميق التعاون في البحث والدفاع الإلكتروني، وحماية السيادة الرقمية والبيانات الحساسة، نظرًا لأن مشاركة الاستخبارات تتم عبر شبكات وخدمات سحابية. وفي 15 أكتوبر 2025، وقعت الدولتان مذكرة تفاهم واتفاقيات تقنية لإطلاق المشروع على أساس ثنائي، بهدف استبدال قنوات تبادل المعلومات التقليدية بقنوات ثنائية مراقبة. على المستوى الأوروبي، بدأت المفوضية الأوروبية في 11 نوفمبر 2025، مناقشة تأسيس جهاز استخبارات جديد، لتحسين استخدام المعلومات التي تجمعها وكالات التجسس الوطنية بالاتحاد الأوروبي. ويعد الجهاز استكمالًا لدور مبادرة “SIAC” وخلية “Hybrid Fusion” لتعزيز التعاون المدني والعسكري، وتوفير تحليل شامل للمعلومات الاستخباراتية لدعم سياسة الأمن والدفاع المشتركة.
تفاوت الثقة بين الدول الأعضاء: تثير تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة، بشأن التخلي عن أوروبا في حال شن روسيا هجومًا ضدها، قلق الحلفاء بالناتو. في 24 فبراير 2025، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، إن “الأمريكيين لا يهتمون كثيرًا بمصير أوروبا”، ويمثل هذا التصريح تحولًا في نبرة ألمانيا تجاه الاستقلال عن واشنطن. أكد المسؤولون بالاستخبارات الهولندية، في 18 أكتوبر 2025، مشاركة معلومات أقل مع الولايات المتحدة، في حين تصاعد العمل مع الشركاء الأوروبيين. أوضحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في 17 ديسمبر 2025، موقف مؤسسات التكتل من مسألة تعزيز القدرات الأمنية والاستخباراتية، مشددة على أن أوروبا أصبحت مسؤولة عن أمنها الخاص، وأن هذا لم يعد خيارًا، بل ضرورة.
جاءت إعلان دونالد ترامب، في 18 يناير 2026، بشأن فرض رسوم جمركية بنسبة (10%) على (8) دول أوروبية، تشمل “الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا”، محاولة للضغط على أوروبا للموافقة على بيع غرينلاند، وهدد برفع الرسوم لـ (25%) بحلول يونيو 2026. أشارت صحفية “فايننشال تايمز” الأمريكية، في 6 فبراير 2026، إلى استعداد الخارجية الأمريكية لتمويل مراكز أبحاث وجمعيات يمينية بأوروبا، للتوافق مع توجهات حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى MAGA”. كشفت استطلاعات رأي خلال (يناير وفبراير 2026) عبر مؤسسة “يوغوف”، أن (84%) من الشعب الدنماركي لديه رأي سلبي عن واشنطن، بينما لدى (16%) من البريطانيين رأي إيجابي تجاه ترامب، و(39%) من الإسبان، و(41%) من الألمان، و(53%) من الفرنسيين رأي إيجابي تجاه واشنطن. وتعد هذه المؤشرات الأسوأ لتقييم الولايات المتحدة في أوروبا منذ 2016.
الانعكاسات على الأمن الجماعي: لا يتمكن حلف الناتو من الحفاظ على الأمن الجماعي، دون التعاون الاستخباراتي والالتزام العسكري والاستخباراتي الأمريكي، إذ ينص مبدأ الدفاع الجماعي بالناتو على المادة (5) من ميثاق الحلف، والتي تنص على أن أي هجوم مسلح على أحد أعضاء الحلف، يعتبر هجومًا على الحلف. ومن أجل تطبيق هذه المادة، يجب الاستمرار في تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنبؤ المبكر والاستجابة السريعة لأي تهديد. عند تراجع الثقة بين الأعضاء، تصبح هذه الخطوات أقل فاعلية ويصعب الرد الجماعي، والحفاظ على أمن الحلف، لاسيما وأن دور واشنطن ضروريًا، للمساهمة بنسبة (62%) من الإنفاق الدفاعي للحلف.
أدرك مسؤولو الاتحاد الأوروبي، أن أوروبا لم تعد مركز الثقل الرئيسي لواشنطن، وأن هذا التحول هيكلي وليس مؤقتًا. وأكد الأمين العام للناتو مارك روته، أن أوروبا ستحتاج زيادة الإنفاق الدفاعي إلى (10%) لتعويض المظلة الأمنية الأمريكية. ودعت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، إلى أن يصبح الناتو أكثر أوروبية للحفاظ على قوته. عند انخفاض الثقة، لن ينهار الناتو فجأة، ولكن ستضعف المصداقية والتنسيق في تفعيل الرد الجماعي، ما يجعله أكثر عرضة للمناورة والابتزاز الهجين من الخصوم، وتصبح ردوده متأخرة وأقل حسمًا. في 5 مارس 2025، علقت واشنطن جزءًا من مشاركة الاستخبارات مع كييف، ما يدل على تباين الرؤى بين الحلفاء، ويدفع أوروبا لاتخاذ قرارات فردية، وإذا وثقت في تقاريرها الداخلية، قد تظهر قرارات متباينة، نتيجة ربط المعلومات الاستخباراتية بالتغييرات السياسية بالحلف.
الاستخبارات الأوروبية.. بين سياسات واشنطن والسيادة
يطور الاتحاد الأوروبي مركز ” SatCen“، لتحليل صور الأقمار الصناعية التابعة للاتحاد، والمعطيات الفضائية لصالح صناع القرار الأوروبيين. واتجه الاتحاد إلى برنامج الاتصالات الحكومية عبر الأقمار الصناعية “GOVSATCOM”، لتوفير خيارًا أوروبيًا معزولًا تمامًا عن مقدمي الخدمات الأمريكيين. تستهدف المفوضية الأوروبية بناء كوكبة حكومية قمرية “IRIS”، لتضم (290) قمرًا صناعيًا بحلول (2030)، ما يمثل خطوة لسيادة أوروبا وتأمين اتصالها. رغم ذلك، تواجه أوروبا إشكاليات سياسية وقانونية، لتحقيق الاستقلالية عن واشنطن، بشأن العمل الاستخباراتي، إذ يبطئ مطلب الإجماع بالاتحاد اتخاذ القرارات المتعلقة بالدفاع والأمن، وتتفاوت قدرات دول أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية، في العمل الاستخباراتي والاستطلاع والمراقبة، بجانب الانقسامات الداخلية بين الدول، حول تقليص التعاون مع واشنطن.
مستقبل التعاون الاستخباراتي داخل الناتو
سيناريو المسار المزدوج: تمثل خطوات أوروبا للاستقلال في العمل الاستخباراتي، وقرارات واشنطن الفردية، حول تقليل التعاون الاستخباراتي مع كييف، مؤشرًا على بناء آليات استخباراتية على مستوى الاتحاد الأوروبي، موازية لقنوات الناتو والولايات المتحدة. هذا يعني استمرار العمل داخل الحلف على قضايا محددة، واستقلالية لتحليل قضايا أوروبية، ما يضع الحلف في خطر تكرار الجهود وازدواجية التقييم. ويُعد هذا السيناريو الأقرب في الوقت الراهن.
سيناريو التراجع: قد يواجه الناتو ضعفًا في العمل الاستخباراتي، لتراجع الدول عن مهمة تبادل المعلومات الحساسة تدريجيًا، وتباين الرؤى بين واشنطن وأوروبا في قضايا متعددة. تراكم الفجوات وفقدان المصداقية بين الحلفاء، قد يستغله الخصوم مثل الصين وروسيا، ما يجعل الناتو عرضة للهجمات الهجينة ضد أهداف استراتيجية والتضليل المعلوماتي، ويفقده القدرة على الردع والأمن الجماعي. ويٌعد هذا السيناريو الأكثر خطورة على مستقبل الحلف، وقد يصبح واردًا في حال استمرار الانقسامات بين الأعضاء.
سيناريو التوافق: قد تدفع مخاوف قادة الناتو، من تآكل الثقة بين الدول الأعضاء، أو حدوث هجومًا ضد أحد الأعضاء، إلى الاعتراف بالحاجة إلى الإصلاحات وإعادة التعاون الاستخباراتي بين الدول، باستعادة قدرات الإنذار المبكر، وتنسيق الاستخبارات التكتيكية بوتيرة أسرع، لمواجهة التهديدات في إطار تقاسم الأعباء داخل الحلف. ويُعد هذا السيناريو مستبعدًا في ظل التوجه الأمريكي الأخير. الناتو ـ غرينلاند، تهديدات ترامب الجمركية تتحول إلى أزمة عبر الأطلسي
**
تقييم وقراءة مستقبلية
– لم يعد مفهوم “تقاسم الأعباء” في خطاب وسياسات “دونالد ترامب” مجرد أداة ضغط تفاوضي، بل تحوّل إلى إطار لإعادة تعريف الالتزام الأمريكي تجاه أوروبا وحلف شمال الأطلسي. من المرجح أن يستمر الغموض الاستراتيجي الأمريكي بوصفه وسيلة لفرض واقع جديد يدفع الحلفاء الأوروبيين إلى تحمّل مسؤوليات أمنهم بصورة أوسع، سواء عبر رفع الإنفاق الدفاعي أو تطوير قدرات مستقلة تقلّص الاعتماد البنيوي على واشنطن.
– من المتوقع أن يُسرّع هذا التحوّل اتجاهين متوازيين، أولهما تعميق “العسكرة” الأوروبية من خلال زيادة الميزانيات الدفاعية، وتوسيع القاعدة الصناعية العسكرية، وتعزيز مشاريع الشراء المشترك والتكامل العملياتي. وثانيهما تنامي الانقسام السياسي حول حدود الاستقلالية الاستراتيجية، بين من يراها ضرورة وجودية في ظل تذبذب الضمانات الأمريكية، ومن يخشى أن تؤدي إلى إضعاف الناتو وتقويض الردع الجماعي بدلًا من تعزيزه. ومن المحتمل أن يُفضي هذا الانقسام إلى حلول وسط، تقوم على تعزيز القدرات الأوروبية داخل الإطار الأطلسي، لا خارجه.
– ستظل دول الجبهة الشرقية والبلطيق الأكثر حساسية لأي تراجع أمريكي، ما سيدفعها إلى تسريع برامج التسلح ورفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة، مع السعي إلى بناء شبكات ضمان أمنية متعددة تجمع بين الناتو، والاتحاد الأوروبي، والتعاون الإقليمي. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، ستظل محدودة الفاعلية ما لم تُعالج مشكلة تشتت القيادة الأوروبية ونقص القدرات الاستراتيجية الحرجة.
– من المحتمل أن تستفيد روسيا من أي انقسام أو تردد أطلسي، عبر اتباع استراتيجيات ضغط تدريجي دون تجاوز عتبة المواجهة المباشرة، ما يجعل الردع مسألة سياسية بقدر ما هي عسكرية. وعليه، فإن مستقبل الأمن الأوروبي سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة القارة على تحويل ضغوط ترامب من عامل إرباك إلى دافع لإعادة بناء توازن أمني أكثر استدامة، يحافظ على الناتو، دون الارتهان الكامل له.
**
– دفعت سياسات “أمريكا أولاً” الاتحاد الأوروبي إلى إعادة التفكير في موقعه داخل النظام الاقتصادي العالمي، وتسريع النقاش حول مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية. غير أن قدرة أوروبا على تحصين اقتصادها من الصدمات الأمريكية تظل رهناً بمدى قدرتها على تجاوز الانقسامات الداخلية وبناء سياسة اقتصادية خارجية موحدة، وهو تحدٍ لم يُحسم بعد.
– تشير المعطيات الحالية إلى أن العلاقة الاقتصادية عبر الأطلسي تتجه نحو نمط جديد أقل استقراراً وأكثر قابلية للصدام، حيث لم تعد الخلافات محكومة بآليات الاحتواء المؤسسي التي سادت لعقود، بل باتت خاضعة لتوازنات القوة وتقلّبات القرار السياسي في واشنطن.
– تبدو احتمالات تكرار المواجهات الاقتصادية مرتفعة، بل مرشحة لأن تصبح سمة دائمة للعلاقات عبر الأطلسي. وفي هذا السياق، قد يجد الاتحاد الأوروبي نفسه مضطراً إلى الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة الاستعداد الهيكلي للصدام الاقتصادي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قنوات التعاون الضرورية لتفادي انهيار كامل في الشراكة.
– العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وأوروبا، تشهد تحول تحوّل يضع نهاية افتراضية لفكرة الشراكة الاقتصادية غير المشروطة. وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، تمثل هذه المرحلة اختباراً حاسماً لقدرته على التحول من فاعل تابع في النظام الاقتصادي الغربي إلى قوة قادرة على الدفاع عن مصالحها في بيئة دولية تتسم بتصاعد الصراعات الجيو-اقتصادية وتراجع منطق التحالفات التقليدية.
– الاتحاد الأوروبي يقف عند مفترق طرق استراتيجي، حيث لم يعد خيار الاكتفاء بإدارة الخلافات مع الولايات المتحدة كافيًا لضمان الاستقرار الاقتصادي طويل الأمد. فاستمرار التعرض للصدمات الأمريكية، سواء عبر الرسوم الجمركية أو سياسات الطاقة أو إعادة توطين سلاسل التوريد، سيدفع أوروبا على الأرجح إلى تسريع مسار بناء استقلالية اقتصادية نسبية، تقوم على تعزيز السوق الداخلية، وتوسيع الشراكات مع قوى اقتصادية أخرى، وتقوية الأدوات الحمائية في القطاعات الاستراتيجية.
**
– تتجه العلاقات بين الحلفاء داخل الناتو إلى مسارٍ معقدٍ، لتزايد الضغوط الأمريكية على أوروبا بشأن حرب أوكرانيا والقبول بشروط روسيا، بجانب فرض رسوم جمركية مع التلويح بضم غرينلاند، في حين تواجه أوروبا أزمة جيوسياسية، في مسألة الاستقلال الاستراتيجي في العمل الاستخباراتي والدفاع، خاصة وأن الرؤى والمصالح باتت متباعدة الآن مع واشنطن، ما يرجح تراجع التعاون الاستخباراتي بين الحلفاء، وزيادة الشكوك بينهم في نقاط دعم كييف، والتعامل مع روسيا والصين.
– بات مرجحًا أن تخفض بعض دول أوروبا، درجة التعاون الاستخباراتي مع واشنطن، خاصة بعد أن أشارت تقارير إلى محاولات أمريكية، لتغيير الحكومات الأوروبية الحالية إلى حكومات ذات توجه يميني متطرف، في ظل دعم سياسي ومالي واضح من جانب المنظمات اليمينية الأمريكية، لأحزاب ومنظمات يمينية أوروبية.
– رغم أن التحولات في سياسة واشنطن، مرتبطة بالولاية الثانية لدونالد ترامب، إلا أن وثيقتي الأمن القومي والدفاع الأمريكي، ترسخ لسياسات ممتدة تجاه أوروبا، قد تؤدي إلى فقدان الثقة بشكل كبير داخل الناتو، وتدفع أوروبا للبحث عن شركاء آخرين، لاسيما وأن وثيقة الدفاع أكدت على تعديل وضع القوات الأمريكية في المسرح الأوروبي، لمراعاة التهديد الروسي للمصالح الأمريكية فقط، وأن واشنطن لن تعوض أي قصور أمني من جانب الحلفاء.
– من المتوقع أن تطور الدول الأوروبية قدراتها الاستخباراتية، وتنوع شراكاتها الدفاعية، عبر سد الثغرات في مجالي الاستطلاع والمراقبة، وتطوير أصول فضائية مستقلة لجمع المعلومات الاستخباراتية. وتتوجه أوروبا إلى الاستثمار في التقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لأغراض دفاعية واستخباراتية، لضمان الأمن في إطار “السيادة الرقمية”، وتقليل الاعتماد على التقنيات الرقمية والسيبرانية والاتصالات الأمريكية.
– من المرجح أن تراجع أوروبا علاقاتها مع روسيا والصين، تفاديًا لأي تهديدات محتملة من جانبهما، بهدف كسب الخصوم لصفها، وبغرض قطع الطريق على واشنطن بشأن المواءمات السياسية، التي تعقدها خلف الأبواب المغلقة مع موسكو وبكين، وبقدر ما تمثل هذه النقطة تعويضًا لتراجع التعاون الاستخباراتي داخل الناتو، ستصبح نقطة خلاف أيضًا مع الولايات المتحدة.
– تميل التوقعات إلى أن يواجه الاتحاد الأوروبي أزمة داخلية، لتسريع وتيرة العمل الاستخباراتي، ولبناء الثقة بين الدول المنقسمة، لتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، لذا سيواجه الاتحاد هذه العقبات، بتعزيز التعاون مع بريطانيا بشأن العمل الاستخباراتي، لاسيما وأن الاستخبارات البريطانية ستمثل عنصرًا فعالًا، لخبرتها القديمة في العمل مع نظيرتها الأمريكية منذ عقود، ولقدرتها على التنبؤ بسياسات واشنطن المقبلة في القضايا الخلافية.
رابط نشر مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=115000
حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الهوامش
New US Defence Strategy says Europe should handle Russia threat
https://tinyurl.com/mvf2h9w7
Defence spending: Which EU countries are on course to hit NATO’s 5% of GDP target?
https://tinyurl.com/2hxxsjxv
France’s political crisis risks delaying military buildup
https://tinyurl.com/828apwj6
Global Risks to the EU in 2026: What are the main conflict threats for Europe?
https://tinyurl.com/4xhkd3dr
**
Italy’s Giorgia Meloni rejects ‘childish’ choice between Trump and Europe
https://bit.ly/3NVIDCd
Michel Barnier: ‘We have no interest in breaking with the US’
https://bit.ly/4kkJDMm
EU leader warns of US interference in Europe’s affairs as Russia praises Trump’s security vision
https://bit.ly/49Y2WaG
After Trump’s broad tariffs, Europe reels from the loss of an old ally
https://bit.ly/4qevuBt
**
The Origin of the US-UK Intelligence “Special Relationship”
https://bit.ly/3Mca8qI
Merz strikes urgent tone in calling for more European independence from US
https://bit.ly/4rBjg79
US cuts intelligence sharing for Ukraine, adding pressure for Russia peace deal
https://bit.ly/4aD3NOf
Progress report 2025: EU’s ambitions take shape through PESCO
http://bit.ly/3OGwSzG
