المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الجريمة المنظمة في أوروبا ـ كيف يواجه الاتحاد الأوروبي الشبكات العابرة للحدود؟
تشهد أوروبا تصاعدًا مقلقًا في أنشطة الجريمة المنظمة لا سيما جرائم الاتجار بالبشر لإجبار الضحايا على تنفيذ عمليات احتيال إلكتروني وجرائم سيبرانية لصالح شبكات إجرامية عابرة للحدود. وفي ظل توسع هذه الظاهرة، يدعو الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة إلى تحرك دولي عاجل لتعزيز حماية الضحايا وتفكيك مراكز الاحتيال الرقمية.
خطة عمل للاتحاد الأوروبي لمكافحة الاحتيال الرقمي
يعمل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة والاتحاد الأوروبي معًا على دعم الدول في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية، من خلال تدريب المحققين وأعضاء النيابة العامة وغيرهم من المختصين في منظومة العدالة الجنائية، بهدف تفكيك الشبكات الإجرامية، وتحديد هوية الضحايا، وضمان حصولهم على العدالة وخدمات الدعم. وخلال العامين 2026 ـ 2027، ستقدم المفوضية الأوروبية خطة عمل للاتحاد الأوروبي لمكافحة الاحتيال الرقمي، إلى جانب استراتيجية جديدة للاتحاد الأوروبي لمكافحة الاتجار بالبشر، ستتناول هذه القضايا.
دعوات أممية أوروبية لاتخاذ إجراءات دولية عاجلة
يشهد الاتجار بالبشر بغرض الاستغلال في الأنشطة الإجرامية تزايدًا على مستوى العالم، فيما تعرب السلطات عن قلق خاص إزاء شكل سريع النمو من أشكال الاستغلال، يتمثل في الاتجار بالأشخاص لإجبارهم على ارتكاب عمليات احتيال إلكتروني وعمليات خداع عبر الإنترنت. وبمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص، يدعو مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) والاتحاد الأوروبي (EU) إلى اتخاذ إجراءات دولية عاجلة ومنسقة للتصدي لهذا الشكل من الاتجار، وضمان حصول الضحايا على الحماية التي يحتاجون إليها. وتستدرج الجماعات الإجرامية الأشخاص من خلال إعلانات توظيف مضللة ووعود كاذبة بالحصول على وظائف مشروعة، قبل أن تستغلهم داخل مراكز الاحتيال. كما تستخدم تقنيات رقمية وتقنيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتوسيع نطاق عملياتها والتهرب من الكشف، في حين يظل الضحايا بعيدين إلى حد كبير عن الأنظار، وغالبًا ما يُعاملون بوصفهم جناة بدلًا من اعتبارهم ضحايا.
الاتحاد الأوروبي يعزز الشراكة متعددة التخصصات لمكافحة الجريمة المنظمة
يقول إلياس خاتزيس، القائم بأعمال رئيس فرع الجريمة المنظمة في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة: “يجب على الحكومات وأجهزة إنفاذ القانون تعزيز جهودها لتفكيك الشبكات الإجرامية التي تقف وراء هذه العمليات”. وأضاف خاتزيس: “يجب أن نعزز التعاون الدولي، وأن نضمن تحديد هوية الضحايا وحمايتهم بدلًا من معاقبتهم على جرائم أُجبروا على ارتكابها”. من جانبها، قالت ديان شميت، منسقة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الاتجار بالبشر: “تمثل مراكز الاحتيال تهديدًا أمنيًا معقدًا يقع عند تقاطع الاتجار بالبشر والجرائم الإلكترونية والاحتيال والجرائم المالية، وترتبط كذلك بالجريمة المنظمة. ولذلك، يعزز الاتحاد الأوروبي شراكة واسعة متعددة التخصصات ودولية لمنع ومكافحة الأنشطة الإجرامية المرتبطة بمراكز الاحتيال، وحماية الضحايا”.
اتجاه مقلق للجريمة المنظمة في أوروبا
يزداد حجم المشكلة العالمية وضوحًا بصورة متسارعة. فبحلول نهاية عام 2025، كان الضحايا الذين جرى التعرف عليهم ينتمون إلى ما يقرب من 80 جنسية. وبينما لا تزال منطقة جنوب شرق آسيا تمثل مركزًا رئيسيًا لهذه الأنشطة، فإن هذا النموذج ينتشر كذلك في الشرق الأوسط، وإفريقيا، وأوروبا الشرقية، وأوروبا الجنوبية الشرقية، وجنوب آسيا، ومنطقة المحيط الهادئ، وأمريكا اللاتينية، ومنطقة البحر الكاريبي. ولم تعد أي منطقة بمنأى عن هذه الظاهرة. ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، يُجبر أكثر من 300 ألف شخص في جنوب شرق آسيا حتى أغسطس من العام 2026 على تنفيذ جرائم إلكترونية، بما في ذلك عمليات الاحتيال عبر الإنترنت، وغالبًا ما يعملون في ظروف قاسية ومسيئة. وتدار مراكز الاحتيال هذه من قبل شبكات إجرامية منظمة عابرة للحدود الوطنية. ويقدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن عمليات الاحتيال الإلكتروني حققت أرباحًا غير مشروعة تراوحت بين 18 مليار دولار و37 مليار دولار خلال عام 2023 في تلك المنطقة وحدها.
التعاون بين يوروبول ويوروجست في مكافحة الجريمة المنظمة
بفضل التحقيق المنسق على مستوى الاتحاد الأوروبي بدعم من يوروبول ويوروجست، جرى تفكيك شبكة إجرامية كبيرة جدًا متخصصة في الاحتيال الهاتفي في ألبانيا. وكانت الشبكة تدير عدة مراكز اتصال في العاصمة تيرانا، وتسببت في خسائر مالية لا تقل عن 50 مليون يورو. وقد أُنشئت هذه المراكز ونُظمت بطريقة احترافية تشبه الشركات القانونية. وكان المحتالون يتواصلون مع الضحايا بادعاءات كاذبة بهدف الحصول على الأموال أو المقتنيات الثمينة. ومع تزايد تعقيد الجريمة واتخاذها طابعًا دوليًا ورقميًا، أصبح من الضروري أن تتعاون أجهزة الشرطة والجمارك والنيابة العامة والمحاكم بشكل وثيق لمكافحة هذه الجرائم بفاعلية، بدءًا من انطلاق التحقيق وحتى صدور الأحكام القضائية النهائية. وقد أدى هذا التحقيق المشترك، الذي أجرته السلطات النمساوية والألبانية بدعم من يوروبول ويوروجست، إلى تفكيك شبكة إجرامية تقف وراء عملية احتيال واسعة النطاق عبر الإنترنت.
تنامي شبكات الجريمة المنظمة على مواقع التواصل الاجتماعي
استمرت العملية أكثر من عامين، وأسفرت عن إلقاء القبض على عشرة أشخاص، وضبط ما يقرب من 900 ألف يورو نقدًا. وكان الضحايا يُستدرجون إلى منصات استثمار إلكترونية مزيفة عبر إعلانات مضللة على وسائل التواصل الاجتماعي أو ضمن نتائج البحث على الإنترنت، مع وعود بتحقيق عوائد مرتفعة. وأُقنعوا بوجود فرص استثمارية وهمية، ثم حُثوا على تحويل مبالغ مالية كبيرة. وبعد تسجيل الضحايا لدى هؤلاء الوسطاء المزيفين، كان يتواصل معهم ما يُعرف بـ”وكلاء الاحتفاظ بالعملاء”، الذين كانوا ينتحلون صفة مستشارين أو وسطاء استثماريين. وكان هؤلاء الوكلاء يديرون حسابات الضحايا لفترات طويلة، وغالبًا ما استخدموا برامج الوصول عن بُعد للحصول على سيطرة كاملة على أجهزتهم الإلكترونية. وادعى المحتالون أنهم خبراء محترفون، واستخدموا ضغوطًا نفسية لإقناع الضحايا باستثمار مزيد من الأموال، مع تقديم وعود كاذبة بتحقيق أرباح إضافية.
كان المشغلون يعملون ضمن فرق تضم ما بين ستة وثمانية أشخاص، ويتخصص كل فريق في استخدام لغة معينة لاستهداف الأسواق الوطنية المختلفة. وشملت اللغات الألمانية والإنجليزية والإيطالية واليونانية والإسبانية. واستُخدم إتقان اللغة لبناء الثقة وتعزيزها لدى الضحايا. كما أعاد الجناة التواصل مع ضحايا سبق أن خسروا أموالهم عبر منصات احتيالية، وعرضوا عليهم خدمات لاستعادة أموالهم. وطُلب من الراغبين فتح حسابات على منصات للعملات المشفرة وإجراء إيداع أولي بقيمة 500 يورو. وكان المشغلون، الذين استخدموا أسماء مستخدمين وعملوا بأسماء مستعارة، يقنعون الضحايا بإجراء هذا الإيداع الأولي في محاولة للاحتيال عليهم مرة أخرى.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=122406
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

