المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
التجسس ـ تهديدات روسية للبنية التحتية البحرية الأوروبية
التجسس البحري الروسي يثير مخاوف أمنية في أوروبا مع استهداف محتمل للكابلات البحرية والبنية التحتية الحيوية ضمن الحرب الهجينة.أصبحت أنشطة التجسس البحري الروسية مصدر قلق متزايد لأوروبا، مع تزايد تحركات سفن روسية مدنية وعسكرية بالقرب من الكابلات البحرية وخطوط أنابيب الطاقة والبنية التحتية الحيوية. وتقول تقارير أوروبية إن بعض سفن الصيد والسفن المرتبطة بأسطول الظل الروسي قد تُستخدم لجمع المعلومات ورصد المنشآت البحرية الحساسة، بما يتجاوز مهامها المعلنة.
الكرملين يجمع المعلومات الاستخباراتية
أقر مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون مصايد الأسماك والمحيطات كوستاس كاديس بأن الكرملين ينفذ عمليات لجمع المعلومات الاستخباراتية باستخدام سفن الصيد. وقال كاديس في مايو من العام 2026: “نحن على دراية بأن روسيا تشارك في أنشطة صيد غير قانونية وغير مُبلّغ عنها وغير منظمة، فضلًا عن التجسس ورسم خرائط للبنية التحتية الحيوية وأنشطة التخريب. وهذا يثير مخاوف أمنية”. وليس المفوض وحده من يعبّر عن هذه المخاوف، إذ أأكد خبراء إن هناك العديد من السفن المرتبطة بالكرملين التي تتظاهر بصيد سمك القد أو السلطعون، وتتحرك بالقرب من السواحل الأوروبية. لكن في الواقع، تقوم بعض هذه السفن بجمع المعلومات الاستخباراتية وإلحاق أضرار بالبنية التحتية الحيوية تحت سطح البحر، ما يعرقل أمن التكتل.
جواسيس صيادون
أوضح إرليند هاير، الخبير في الحرب الهجينة لدى معهد فريتيوف نانسن، إن جميع القوى الكبرى تقريبًا، من موسكو إلى واشنطن وبكين، استخدمت جواسيس يتظاهرون بأنهم صيادون لتنفيذ عمليات تجسس على مدى عقود. ومنذ ما قبل الحرب الباردة، عُثر على أجهزة تنصت على متن سفن صيد، إذ توفر أنشطة الصيد غطاءً مناسبًا، إلى جانب الشباك وصنارات الصيد الموجودة على متن السفن. وقال: “في عام 1940، كان جنود ألمان يرتدون ملابس مدنية على متن سفن صيد دخلت أوسلو في اليوم السابق للغزو الشامل. وقد فعلت النرويج ذلك، والولايات المتحدة فعلت ذلك، والمملكة المتحدة فعلت ذلك. ومعظم الدول التي تمتلك نطاقًا بحريًا عسكريًا قامت بشيء من هذا القبيل”.
وأوضح هاير أن الجديد هو أن أنشطة جمع المعلومات الاستخباراتية الروسية على متن سفن الصيد زادت بشكل مطرد منذ بدء روسيا غزوها الشامل لأوكرانيا عام 2022، وأصبحت أكثر خطورة. وأضاف أن هذه الأنشطة تجاوزت تدريجيًا رسم خرائط قاع البحر إلى إلحاق أضرار مزعومة بالبنية التحتية البحرية المهمة في بحر الشمال وبحر البلطيق، مثل قطع الكابلات. تابع هاير: “هذا كله جزء من حملات الحرب الهجينة الأوسع نطاقًا في المنطقة الرمادية، والتي تهدف أساسًا إلى زعزعة استقرار النرويج والمجتمعات الأوروبية. أصبحت الأهداف الآن البنية التحتية المدنية الحيوية تحت سطح البحر، بدلًا من الاكتفاء بمراقبة التدريبات العسكرية والموانئ”.
حرب هجينة في البلطيق
يقول جيمس أباثوراي، كبير خبراء حلف شمال الأطلسي “الناتو” في مجال التهديدات السيبرانية والهجينة، إن أنشطة الحرب الهجينة هذه تمثل “التهديد الأكثر نشاطًا” للبنية التحتية الغربية. تابع أباثوراي في العام 2024: “الروس ينفذون برنامجًا يعود إلى عقود. يُسمى برنامج الأبحاث الروسية تحت سطح البحر، وهو تعبير ملطف عن هيكل شبه عسكري، يتمتع بتمويل جيد جدًا، ويقوم برسم خرائط لجميع كابلاتنا وخطوط أنابيب الطاقة”. وعقب حادث كبير لقطع الكابلات في نهاية عام 2025، أقر الأمين العام لحلف الناتو مارك روته بوجود “حملة منسقة” للحرب الهجينة في بحر البلطيق، وتعهد بتقديم مزيد من الدعم. يقول روته إن حماية البنية التحتية “بالغة الأهمية”، مشيرًا إلى الطاقة التي تنقلها خطوط الأنابيب، وإلى أن 95% من حركة الإنترنت العالمية تعتمد على الكابلات الموجودة تحت سطح البحر. سفينة بحرية إستونية تبحر في بحر البلطيق في التاسع من يناير من العام 2025، في إطار دوريات الناتو المعززة في المنطقة بعد عمليات التخريب المشتبه بها للكابلات البحرية. AP
سفن روسية تتجسس
تقول ماريا فلاديميروفا، وهي أكاديمية مقيمة في كوبنهاغن ومتخصصة في التقاطع بين الأنشطة البحرية الروسية والسياسة الخارجية، إنه من الصعب تقديم “رقم موثوق” لعدد سفن الصيد الروسية المتورطة في عمليات التجسس في المياه الأوروبية، لكنها قالت إنها تعتقد أن وجودها يتزايد. وتثبت الروايات المتداولة والأدلة المستندة إلى المصادر المفتوحة أن بعض هذه السفن تقوم بأكثر من مجرد صيد الأسماك. وأوضحت فلاديميروفا أن بيانات التتبع تكشف أنماطًا “ملاحية” و”بقاء طويل”، في إشارة إلى المدة التي تظل فيها السفينة في منطقة معينة من دون مغادرتها. ونشرت مؤسسات إعلامية، مثل “فولو ذا موني”، تحقيقات مفصلة تتعقب حالات بقاء هذه السفن في مكانها لفترات طويلة، وتظهر أن قوارب الصيد في المياه الأوروبية كانت الأكثر ميلًا إلى الدوران في المكان نفسه، أو الانجراف بلا هدف واضح، أو اتخاذ مسارات تنحرف عن الأنماط المعتادة. ويمكن تفسير جزء كبير من هذه السلوكيات، بينما لا يمكن تفسير بعضها الآخر.
وقدمت فلاديميروفا مثالًا على ذلك، قائلة: “أخبرني ضابط بلجيكي ذات مرة عن سفينة صينية، وقال: لا توجد أسماك. نحن نعرف ذلك بنسبة 100%. لا أحد يصطاد في هذه المياه، لكن هذه السفينة تقف هناك لمدة أسبوعين”. وأضافت أن الضابط البلجيكي عندما اتصل بالبحارة عبر الراديو، رد أحدهم بأنهم كانوا يصلحون شباكهم، “وهو أمر لا تقوم به أيضًا في أعالي البحار”.
تتمثل المشكلة الأكبر في كيفية التعامل مع هذه العمليات المشتبه بها على مستوى الاتحاد الأوروبي وعلى المستوى الوطني. وكما يشير خبير الحرب الهجينة جوليان باولاك في ورقة بحثية نشرها المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، فإن العديد من سفن أسطول الظل تعمل من خلال هياكل ملكية وترتيبات تأمينية مزورة أو مخفية، أو تتم إعادة تسجيلها تحت أعلام دول أخرى. وهذا يجعل سفن أسطول الظل، وهي ناقلات نفط قديمة تُستخدم للتحايل على عقوبات الاتحاد الأوروبي، صعبة التتبع وتحديد مصادرها. كما أن هذا الغموض يمكن أن يجعل تحديد هوية السفن المشتبه في قيامها بأنشطة لجمع المعلومات الاستخباراتية أكثر صعوبة.
تابعت فلاديميروفا: “تغيّر هذه الشركات أسماءها وتغيّر شخصيتها القانونية من يوم إلى آخر لكنها لا تكون مدرجة على قائمة العقوبات. وأعتقد أن إغلاق كل هذه الثغرات يمثل مهمة مهمة للاتحاد الأوروبي”. وقال مسؤول في المفوضية الأوروبية إن أي سفن تحاول “تهديد البنية التحتية الحيوية” أو “الانخراط في نشاط عدائي” تؤخذ على محمل الجد، وإنه ينبغي إحالة الحوادث الفردية إلى السلطات الوطنية لمتابعتها. وقالت: “ما سيكون موضع ترحيب من الاتحاد الأوروبي هو مواصلة هذا المسار، أي فرض العقوبات على سفن الصيد، وتحديث القائمة”. لكنها رأت أن الحكومات الوطنية، بما في ذلك الجهات المشرفة على سلطات الموانئ والتشريعات المحلية، يمكن أن تكون فعالة بالقدر نفسه. وقالت: “يمكن اتخاذ تدخلات أكثر جدوى على المستوى الوطني، لأنها عادة ما تكون من اختصاص خفر السواحل أو الشرطة، اعتمادًا على القوانين الوطنية”.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=123157
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

