المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاستخبارات الألمانية ـ توسيع الصلاحيات الاستخبارات
تأتي خطة ألمانيا لتوسيع صلاحيات أجهزتها الاستخباراتية في ظل بيئة أمنية تتسم بتصاعد التهديدات الهجينة، والهجمات السيبرانية، والتخريب، والتجسس والتدخلات الأجنبية. وقد أقر الحكومة الألمانية إصلاحًا يمنح جهاز الاستخبارات الاتحادية وهيئة حماية الدستور صلاحيات أوسع في الوصول إلى البيانات والأنظمة الرقمية، إلى جانب تنفيذ إجراءات مضادة بصورة أكثر فاعلية. مكافحة التجسس في ألمانيا ـ هل يمثل “الدفاع النشط” تحولًا في الاستراتيجية الأمنية؟
أقر مجلس الوزراء في 12 أغسطس من العام 2026 حزمة قوانين يزيد حجمها على 700 صفحة. وتحمل هذه الوثيقة في طياتها الكثير: إذ لن يقتصر عمل جهاز الاستخبارات الاتحادية (BND) وهيئة حماية الدستور على جمع المعلومات فقط مستقبلًا، بل ستتمكنان من التدخل عملياتيًا. إنها نهاية للنهج السابق. ويهدف الإصلاح، الذي تتولى وزارة دوبرينت زمام قيادته، إلى تقديم إجابات عن المشهد المتغير للتهديدات. وهو يأتي ردًا على تنامي التهديدات الهجينة، ولا سيما القادمة من روسيا. ويقول وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت إن جهاز الاستخبارات الاتحادية وهيئة حماية الدستور سيصبحان أخيرًا “جهازي استخبارات حقيقيين”، ويمكنهما مجاراة أجهزة الاستخبارات التابعة للدول الشريكة الأجنبية. لكن منتقدي السياسي المنتمي إلى حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي يخشون من المراقبة ومن تقارب خطير بين أجهزة الاستخبارات والصلاحيات الشرطية. بل إن البعض يتحدث عن “شرطة سرية”. إلا أن دوبرينت لا يريد الاستماع إلى هذه المخاوف.
“نينا واركن”: “لن نقف مكتوفي الأيدي“
تتبنى وزيرة الدولة في ديوان المستشارية والمسؤولة عن أجهزة الاستخبارات الاتحادية نينا واركن، خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع دوبرينت، نبرة أقل دراماتيكية من زميلها الوزاري، إلا أنها توضح هي الأخرى حجم التهديد: “بلدنا وديمقراطيتنا مهددان بمستوى لم نكن حتى وقت قريب نتصور إمكانية الوصول إليه”. وتؤكد : “سيداتي وسادتي، لن نقف مكتوفي الأيدي بينما تتزايد محاولات التأثير والتخريب والتهديدات”. فالدولة لديها واجب واضح يتمثل في الحماية. يجمع جهاز الاستخبارات الاتحادية ويحلل أساسًا المعلومات القادمة من الخارج، بهدف كشف التهديدات الدولية، مثل شبكات الإرهاب. بينما تركز هيئة حماية الدستور الاتحادية على الداخل، ومن المفترض أن تحمي النظام الأساسي الديمقراطي الحر. ثم تقدم الهيئتان المعلومات التي تتوصلان إليها إلى أجهزة الشرطة المختصة أو غيرها من الأجهزة الأمنية. ولم تكن لديهما حتى الآن صلاحيات تنفيذية، أي إنهما لم تكونا قادرتين على التدخل بصورة مباشرة.
لكن هذا سيتغير، إذ من المفترض أن تتمكن أجهزة الاستخبارات من تقييم المعلومات التي تجمعها، وكذلك من تخريب أو التلاعب أو التضليل في حالات وجود تهديد محدد. وقد يعني ذلك عمليًا أنه يمكن لأجهزة الاستخبارات، بهدف التصدي للهجمات السيبرانية، حجب تدفقات البيانات. كما يمكنها تغيير تعليمات تصنيع الأسلحة أو المتفجرات. ويمكنها حجب معاملات الدفع بالعملات المشفرة، بحيث لا تتمكن روسيا من دفع الأموال لما يسمى “عملاء المستوى المنخفض”، الذين تستخدمهم موسكو لتنفيذ عمليات نقل أو مهام عالية المخاطر. كما يمكنها التلاعب بشركات الصناعات الدفاعية في الخارج من خلال هجمات قرصنة إلكترونية موجهة، وغير ذلك.
استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات
قائمة السيناريوهات المحتملة طويلة. لكن الأمر سيظل على حاله من حيث عدم السماح باستخدام القوة الجسدية، أو حتى القوة المميتة، ضد الأشخاص. ومن بين المستجدات بالنسبة إلى جهاز الاستخبارات الاتحادية وهيئة حماية الدستور، أنه سيكون بإمكانهما مستقبلًا الاحتفاظ بالبيانات التي يتم الحصول عليها لفترة أطول، وتحليلها باستخدام أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. كما سيكون بإمكانهما، من بين أمور أخرى، الوصول إلى أنظمة المراقبة الخاصة والعامة. وتوضح نينا واركن الأمر بصورة ملموسة، إذ ستتاح لجهاز الاستخبارات الاتحادية إمكانات وصول أكبر إلى أنظمة تكنولوجيا المعلومات، بدءًا من الأجهزة المنزلية الذكية، مثل الثلاجات، وصولًا إلى الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة الخاصة.
ومن المستجدات إعادة تنظيم الرقابة على أجهزة الاستخبارات. إذ من المقرر إعادة تشكيل ما يسمى “مجلس الرقابة المستقل” (UKRat)، ومنحه صلاحيات وموارد بشرية أكبر، ليصبح بذلك جهة الرقابة المركزية على أجهزة الاستخبارات. والمجلس عبارة عن هيئة رقابية شبيهة بالمحاكم، ويضم في عضويته مسؤوليين في القانون. ومن المقرر توسيع موارده البشرية. ووفقًا للخطط، سيتولى المجلس مستقبلًا مهام لجنة “G-10” التابعة للبوندستاغ، والتي سيتم حلها. سيتولى مجلس الرقابة المستقل فحص ما يقوم به جهاز الاستخبارات الاتحادية وهيئة حماية الدستور مسبقًا ولاحقًا. سيكون ملزمًا بتقديم تقاريره إلى لجنة الرقابة البرلمانية (PKGr) التابعة للبوندستاغ، والتي ستستمر في العمل. وتتحدث الحكومة الاتحادية، فيما يتعلق بالرقابة، عن “تعزيز” و”تجميع” الصلاحيات. لكن المنتقدين يرون الأمر بصورة مختلفة. فهم يعتبرون أن مجلس الرقابة المستقل لا يمتلك الموارد الكافية، وينتقدون حقيقة أن لجنة الرقابة البرلمانية تضم حاليًا ممثلًا واحدًا فقط عن المعارضة، وهو “كونستانتين فون نوتس “من حزب الخضر. كما فشل مرشحو حزب البديل من أجل ألمانيا وحزب اليسار مؤخرًا في عدة انتخابات لشغل عضوية اللجنة.
وبالنسبة إلى دوبرينت، فإن مشروع القانون المؤلف من 731 صفحة يمثل نجاحًا كبيرًا. فقد عملت وزارته خلال العام 2026 بالتعاون مع ديوان المستشارية ووزارة العدل الاتحادية ووزارة الدفاع الاتحادية على إعداد الإصلاح. ويصف السياسي المنتمي إلى الاتحاد الاجتماعي المسيحي ذلك بأنه تم “بهدوء ودون ضجيج”. وقد سُئل خلال الفترة الأخيرة عن موعد تقديم الحزمة التي تحظى باهتمام كبير، واضطر في كل مرة إلى تأجيل الإجابة، لكنه قدمها الآن. غير أن المعارضة والمدافعين عن حماية البيانات يرون أن النتيجة ليست سوى قائمة أمنيات للسياسي المنتمي إلى الاتحاد الاجتماعي المسيحي، تتضمن كل ما كان وزير الداخلية يحلم به منذ فترة طويلة.
الانتقادات والمخاوف
تتركز الانتقادات، من بين أمور أخرى، على تخفيف ما يسمى “مبدأ الفصل”. وينص هذا المبدأ على الفصل الصارم في ألمانيا بين مهام وصلاحيات أجهزة الاستخبارات وأجهزة الشرطة. وهذا المبدأ يمثل أحد الدروس المستفادة من التاريخ الألماني، حتى لا تتكرر تجربة أجهزة الشرطة السرية مثل “الغيستابو أو شتازي”. ويرى معارضو الإصلاح أن السماح لأجهزة الاستخبارات بالتدخل المباشر بأنفسها يمثل أمرًا خطيرًا. كما حذرت نقابة الشرطة الألمانية مؤخرًا من أن المبدأ الدستوري للفصل بين الشرطة وأجهزة الاستخبارات يظل بالنسبة إليها “غير قابل للمساس”. ويدافع دوبرينت عن هذا النهج: ويقول إنه كانت هناك في الماضي حالات شاركت فيها أجهزة استخبارات أجنبية معلومات مع ألمانيا، لكنها حظرت في الوقت نفسه صراحةً نقل هذه المعلومات إلى أجهزة الشرطة. وبذلك كانت ألمانيا مقيدة، لأن أجهزة الاستخبارات لم تكن قادرة على التدخل بصورة مباشرة، كما لم يكن بإمكانها تكليف الشرطة الألمانية بذلك.
ويقول دوبرينت إن التحقيق وجمع المعلومات يمثلان جوهر عمل أجهزة الاستخبارات، لكن يجب التصدي للتهديد عندما لا تتوافر خيارات أخرى. وقد يحدث ذلك أيضًا عندما لا تكون الهياكل الشرطية المناسبة متاحة أو عندما يتعذر إشراكها في الوقت المناسب. كما يرفض الوزير المخاوف المتعلقة بحماية البيانات. ويقول إن النقاش يطرح كثيرًا سؤالًا مفاده: “ما الذي يجب على المواطنين الأبرياء أن يخشوه الآن؟”. ويواصل قائلًا: “الإجابة هي: لا شيء”، فالأمر يتعلق بالإرهاب وأعداء الدولة والقوى الأجنبية. ويضيف: “نحن نتحدث هنا عن حماية مجتمعنا من أولئك الذين يريدون إلحاق أضرار جسيمة بهذا المجتمع”.
دوبرينت: “نفعل ما هو ضروري“
وخلال المؤتمر الصحفي، سُئل الوزير عن هجوم الطائرة المسيّرة في مطار لايبزيغ، وما إذا كانت هناك معلومات جديدة بهذا الشأن. ولم يرغب السياسي المنتمي إلى الاتحاد الاجتماعي المسيحي في الإدلاء بأي تفاصيل. وكما حدث في أغسطس من العام 2026، لم يوجه دوبرينت أصابع الاتهام صراحةً إلى روسيا، بل تحدث عن “قوى أجنبية”. إلا أن من الواضح أن الحادث قد يساعده في الدفاع عن إصلاحه واسع النطاق. فقد أدى هجوم الطائرة المسيّرة على المطار إلى تجدد النقاش حول الحرب الهجينة، وأظهر مرة أخرى مدى تعرض ألمانيا للهجمات، ومدى انتشار التهديد في كل مكان. ويرى كثير من منتقدي دوبرينت ضرورة إصلاح أجهزة الاستخبارات. فقد طالبت أصوات ناقدة منذ فترة طويلة بجعل هذه الأجهزة أكثر قدرة على التحرك والرد. لكن السؤال يتمثل في ما إذا كانت الحكومة الاتحادية ستحافظ على التوازن والاعتدال، وتلتزم بمبدأ التناسب، أم أن الائتلاف الحاكم بين الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي سيستغل الفرصة ويتجاوز الحدود المستهدفة بكثير. وهناك مخاوف من إساءة استخدام سلطة الدولة.
ويرد دوبرينت على كل انتقاد بأسلوبه المعتاد، إذ لا يقبله ولا يعترف بمشروعيته، بل يكاد يقلل من شأنه بصورة انتقاصية، ولا يقدم أي تنازل للمتشككين. وينصح جميع أولئك الذين “تحصنوا خلف الحجج القديمة” ضد أجهزة الاستخبارات في الخنادق التي أقيمت على مدى عقود، بأن يتعاملوا مع المشهد الحالي للتهديدات. ويقول الوزير: “نحن ببساطة نكيف قدراتنا مع ما هو ضروري للدفاع عن أنفسنا في مواجهة الإرهاب”. إنها حجة حاسمة يصعب الرد عليها. فلا يمكن لأحد أن ينكر بجدية حجم المخاطر الراهنة. وسيظهر خلال الأشهر المقبلة ما إذا كان موقف دوبرينت المتشدد سيصمد خلال العملية البرلمانية. وفي نهاية المطاف، قد تكون للمحكمة الدستورية الاتحادية في كارلسروه الكلمة الأخيرة.
رابط مختصرة.. https://www.europarabct.com/?p=123809
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=122797
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

