خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاستخبارات الإيرانية في ألمانيا ـ الأهداف، الأدوات، والتداعيات الأمنية
تعتبر المعارضة الإيرانية في العالم، لا سيما ألمانيا، محور اهتمام أجهزة الاستخبارات التابعة للنظام الإيراني. في الوقت الذي يحاول فيه النظام الإيراني تقويض الاحتجاجات والمظاهرات، تخشى المعارضة الإيرانية في جميع أنحاء العالم على مصير أفراد عائلاتهم وأصدقائهم. ووفقًا للمكتب الاتحادي للإحصاء، يعيش حوالي 295 ألف شخص من أصل إيراني في ألمانيا وحدها حتى العام 2024، وكان ما يقرب من نصفهم يحملون جوازات سفر ألمانية في عام 2021.جاء في بيانٍ معياري ضمن التقارير السنوية الصادرة عن المكتب الاتحادي لحماية الدستور نُشر في 14 يناير 2025: “يُعدّ محاربة جماعات المعارضة وأفرادها في الداخل والخارج محورًا رئيسيًا لأنشطة الاستخبارات الإيرانية”. وتضيف التقارير: “بالنسبة للحكام الإيرانيين، تُعتبر هذه الجماعات تهديدًا لاستمرار حكمهم، ويتجلى ذلك بوضوح في قمع النظام المتكرر والعنيف للاحتجاجات”.
تكتسب هذه التصريحات أهمية بالغة في ظل تصاعد عنف النظام في إيران. ويُقال إن آلاف الأشخاص قد قُتلوا بالفعل، مع ذلك، لا يمكن التحقق من أرقام الاعتقالات والوفيات بشكل مستقل. يُضاف إلى قلق الكثيرين منهم على أقاربهم في وطنهم ضرورة التفكير في سلامتهم الشخصية. ويزداد هذا الأمر أهمية إن كانوا ناشطين سياسيًا أو يعملون في مجال الصحافة، إذ سرعان ما يصبحون هدفًا لأجهزة المخابرات الإيرانية، التي تُعدّ، وفقًا للمكتب الاتحادي الألماني لحماية الدستور، نشطة للغاية وخطيرة في ألمانيا.يصعب تقييم ما إذا كانت أجهزة الاستخبارات الإيرانية تُكثّف أنشطتها في ألمانيا بعد فترة وجيزة من بدء الاحتجاجات الجماهيرية. مع ذلك، يبقى الإجماع العام قائمًا، وهو ما لاحظه المكتب الاتحادي لحماية الدستور لسنوات عديدة: “غالبًا ما تُستخدم أنشطة التجسس التي تقوم بها أجهزة الاستخبارات الإيرانية للتحضير لأنشطة إرهابية ترعاها الدولة، بما في ذلك اختطاف الهدف أو حتى قتله”.
أصدر المكتب الاتحادي لحماية الدستور تحذيرًا شديد اللهجة من أن المقيمين في ألمانيا قد يقعون ضحايا لمثل هذه العمليات. واستشهد المكتب بحالة رجل يحمل الجنسيتين الإيرانية والألمانية، وهو جمشيد شارمهد، الذي اختُطف عام 2020. يشتبه المكتب الاتحادي لحماية الدستور في وجود نمط ممنهج وراء ذلك: “يمكن الافتراض أن إيران ستواصل اعتقال المواطنين الغربيين عمدًا بذريعة ملفقة واستخدامهم كورقة ضغط في نوع من سياسة الرهائن”. ويخدم هذا الأمر تحقيق أهدافها السياسية، على سبيل المثال، لتحقيق عمليات تبادل للأشخاص المسجونين في الخارج.
اغلاق القنصليات الإيرانية
في عام 2024، عقب وفاة المواطن الإيراني الألماني، أغلقت الحكومة الألمانية قنصلياتها العامة الإيرانية الثلاث في فرانكفورت ـ هيسن، وميونيخ ـ بافاريا، وهامبورغ. واضطر بعض أعضاء السلك الدبلوماسي إلى مغادرة ألمانيا. ومنذ ذلك الحين، لم تحتفظ إيران إلا بسفارتها في برلين. من المرجح أن إغلاق القنصليات قد صعّب على النظام زرع جواسيس متنكرين في زي دبلوماسيين في ألمانيا، وهي ممارسة شائعة على الصعيد الدولي. بالنسبة لإيران، يُعد التجسس في الخارج ذا أهمية خاصة نظرًا للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها منذ فترة طويلة، إذ يُمثل وسيلة لاكتساب المعرفة، بما في ذلك المعرفة المتعلقة ببرنامجها النووي المثير للجدل.
كان التجسس الإلكتروني جزءًا من وسائل أجهزة المخابرات الإيرانية، وفقًا للمكتب الاتحادي لحماية الدستور، على الأقل منذ عام 2013. وتلعب المصالح الاقتصادية دورًا في ذلك، وكذلك محاولة ترهيب أولئك الذين يعتبرهم النظام من بين أسوأ أعدائه: الأشخاص الذين يدافعون عن حرية التعبير وحقوق الإنسان. لكن أنشطة الاستخبارات الإيرانية في ألمانيا تتجاوز بكثير التجسس الاقتصادي والتجسس على المعارضة الإيرانية في الشتات. فالمؤسسات الإسرائيلية واليهودية كذلك أهداف محتملة، إذ تنكر إيران حق إسرائيل في الوجود. ففي نوفمبر 2022، تضررت مدرسة تقع بالقرب من كنيس يهودي في بوخوم، شمال الراين ـ وستفاليا، جراء استخدام عبوة حارقة. وفي العام 2023، حكمت المحكمة الإقليمية العليا في دوسلدورف على الجاني بالسجن لعدة سنوات. وفيما يتعلق بخلفية الهجوم، قررت المحكمة أن التخطيط نشأ من وكالة حكومية إيرانية.
**
الاستخبارات الإيرانية في ألمانيا: الأهداف، الأدوات، والتداعيات الأمنية
تُعد ألمانيا إحدى الساحات الأوروبية الأكثر حساسية لنشاط أجهزة الاستخبارات الإيرانية، نظرًا لمكانتها السياسية والاقتصادية، واحتضانها جالية إيرانية كبيرة، إضافة إلى كونها مركزًا صناعيًا وتكنولوجيًا متقدمًا. ومع تصاعد التوترات بين طهران والغرب، وتزايد الضغوط الداخلية على النظام الإيراني، برزت ألمانيا بوصفها هدفًا رئيسيًا للعمليات الاستخباراتية الإيرانية، سواء في ما يتعلق بملاحقة المعارضة في المنفى، أو الحصول على التكنولوجيا المتقدمة، أو تنفيذ أنشطة تجسس وتأثير تتجاوز الحدود التقليدية للأمن القومي.
الأهداف الاستراتيجية للاستخبارات الإيرانية في ألمانيا
تركّز أنشطة الاستخبارات الإيرانية في ألمانيا على جملة أهداف مترابطة، في مقدمتها مراقبة وملاحقة المعارضة الإيرانية في المنفى، خاصة النشطاء السياسيين، الإعلاميين، ومنظمات حقوق الإنسان. وتتعامل طهران مع هذه الفئات بوصفها تهديدًا مباشرًا لبقاء النظام، لا سيما بعد موجات الاحتجاج الواسعة داخل إيران، ما يدفعها إلى نقل أدوات القمع إلى الخارج عبر الترهيب، الابتزاز، أو التخطيط لعمليات اختطاف واغتيال.إلى جانب ذلك، تولي إيران اهتمامًا خاصًا بـ السياسة الألمانية والأوروبية تجاهها، وتسعى إلى جمع معلومات حول مواقف الحكومة الألمانية، البرلمان، والأحزاب السياسية، خاصة فيما يتعلق بالعقوبات، والملف النووي، وإمكانية إدراج الحرس الثوري على لوائح الإرهاب.
البحث عن التكنولوجيا المتقدمة والالتفاف على العقوبات
يمثل الحصول على التكنولوجيا المتقدمة أحد أخطر محاور النشاط الاستخباراتي الإيراني في ألمانيا. وتُعد البلاد هدفًا مفضلًا لطهران بسبب قوتها الصناعية، وانتشار شركات التكنولوجيا المتوسطة عالية الدقة، التي تطور تقنيات ذات استخدام مزدوج يمكن توظيفها مدنيًا وعسكريًا. تركّز إيران على مجالات تشمل التكنولوجيا النووية والصاروخية، أنظمة التحكم الصناعي، الذكاء الاصطناعي، الطائرات المسيّرة، الأمن السيبراني، والمواد الكيميائية المتقدمة. وغالبًا ما تتم هذه الأنشطة عبر شركات واجهة، وسطاء أوروبيين، تعاون بحثي ظاهري مع جامعات ومراكز أبحاث، أو عبر التجسس السيبراني، بهدف نقل المعرفة والتقنيات المحظورة، والالتفاف على أنظمة الرقابة والعقوبات الدولية.
الأدوات والأساليب الاستخباراتية
تعتمد الاستخبارات الإيرانية في ألمانيا على مقاربة هجينة تجمع بين العمل السري التقليدي والأدوات الحديثة. وتشمل هذه الأساليب تجنيد متعاونين داخل الجاليات أو المؤسسات، استغلال الغطاء الدبلوماسي قبل إغلاق القنصليات الإيرانية، استخدام الهجمات السيبرانية، إضافة إلى توظيف شبكات دينية وثقافية كقنوات تأثير وجمع معلومات. كما تشير تقارير أمنية ألمانية إلى أن أنشطة التجسس الإيرانية لا تقتصر على المعارضين، بل تمتد إلى مؤسسات يهودية وإسرائيلية، في سياق عداء أيديولوجي وسياسي أوسع، وهو ما تجلّى في قضايا تخريب وتخطيط لهجمات غير مباشرة نُسبت إلى جهات مرتبطة بطهران.
الرد الألماني والتدابير المضادة
في مواجهة هذه التهديدات، انتقلت ألمانيا تدريجيًا من سياسة الاحتواء الحذر إلى نهج أكثر صرامة. وشمل ذلك تشديد الرقابة الاستخباراتية، حماية المعارضين الإيرانيين، ملاحقة المتورطين قضائيًا، وتشديد ضوابط تصدير التكنولوجيا الحساسة. كما شكّل إغلاق القنصليات الإيرانية عام 2024 خطوة دبلوماسية لافتة هدفت إلى تقليص قدرة طهران على العمل الاستخباراتي تحت غطاء دبلوماسي. تشير المعطيات المتوافرة إلى أن أنشطة الاستخبارات الإيرانية في ألمانيا ليست ظرفية أو رد فعل مؤقت، بل تمثل استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى حماية النظام، وتعويض العزلة السياسية والتكنولوجية، ونقل الصراع مع الغرب إلى ساحات غير تقليدية. وفي المقابل، يُتوقع أن تواصل ألمانيا تشديد سياساتها الأمنية والاقتصادية، وتعزيز التنسيق الأوروبي والدولي، في ظل قناعة متزايدة بأن التهديد الإيراني لم يعد أمنيًا تقليديًا فحسب، بل تهديد مركّب يجمع بين التجسس، التكنولوجيا، والتأثير السياسي. وعليه، فإن مستقبل هذا الملف مرشح لمزيد من التصعيد الصامت، حيث ستظل ألمانيا ساحة اختبار لقدرة أوروبا على موازنة الانفتاح الاقتصادي مع متطلبات الأمن القومي في مواجهة أنشطة استخباراتية عابرة للحدود.
النتائج
تظل أنشطة أجهزة الاستخبارات الإيرانية في ألمانيا تهديدًا مستمرًا للمعارضة الإيرانية والجالية الإيرانية المقيمة، لا سيما أولئك الناشطين سياسيًا أو العاملين في وسائل الإعلام. فالنمط الممنهج الذي اعتمدته طهران في عمليات الاختطاف والتهديد والترهيب يوحي بأنها ستواصل استخدام أساليب غير قانونية لفرض نفوذها السياسي، مستغلة الفرص الدولية للضغط على معارضيها وحتى الدول الغربية.
من المرجح أن تركز إيران على تعزيز قدراتها الاستخباراتية داخل ألمانيا عبر التجسس الإلكتروني واستهداف المؤسسات الاقتصادية والثقافية والسياسية المرتبطة بالجالية الإيرانية، مع استمرار محاولة السيطرة على المعلومات ونشر الخوف بين المعارضين. وهذا يشمل استخدام أدوات ضغط تتراوح بين التخويف عبر الإنترنت، والتهديد الشخصي، وصولاً إلى استهداف الأفراد الأكثر بروزًا في الإعلام والسياسة.
ستبقى ألمانيا مطالبة بتطوير استراتيجيات ردع فعّالة، تشمل تعزيز حماية الأفراد والجمعيات، ورفع مستوى التنسيق بين أجهزة الأمن والاستخبارات الأوروبية. كما يُتوقع أن يؤدي استمرار الهجمات الإيرانية إلى تشديد الرقابة على الأنشطة الدبلوماسية الإيرانية، كما حصل بإغلاق القنصليات، وضمان عدم استخدام المواقع الدبلوماسية كواجهة لأنشطة تجسسية أو تخريبية.
من المتوقع أن يتطلب الوضع تعاونًا أوروبيًا أوسع لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، بما في ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية، ووضع بروتوكولات أمنية مشتركة للحماية من الاختطاف أو التجسس الإلكتروني، مع ضمان توازن حساس بين الأمن وحرية التعبير.
يبقى العامل البشري محور الخطر الأكبر، إذ سيستمر الإيرانيون المنفيون في ألمانيا في مواجهة تهديدات مباشرة وغير مباشرة، ما يجعل تعزيز وعي الجالية وتثقيفها حول أساليب التهديد وأدوات الحماية أمرًا ضروريًا للحفاظ على سلامتها واستقرارها النفسي والسياسي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113873
