بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (26)
تزداد أهمية منظومة الأمم المتحدة والصكوك الأممية في أوقات الصراعات والأزمات العالمية، ولعبت المؤسسات الأممية دوراً محورياً في خفض حدة النزاعات في بعض المناطق حول العالم على مدار العقود الماضية، كما ركزت دورها على صون الأمن والسلم الدوليين وسن قوانين لمكافحة التطرف وحل الأزمات الإنسانية، وفي الوقت نفسه تراعي أن تحقق المواثيق الأممية والقوانين الدولية توازناً بين حماية الحريات وحقوق الإنسان، ومحاربة الجماعة المتطرفة ومجموعات الجريمة المنظمة، بهدف تحقيق أهداف التنمية المستدامة والحفاظ على قواعد النظام الدولي دون الانحياز لدولة دون الأخرى.
كيف تكافح الأمم المتحدة الإرهاب وتحافظ على حقوق الإنسان؟
أثارت أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة وتفجيرات 7 يوليو 2005 في لندن، جدلاً حول آليات التعامل مع الأشخاص المشتبه بهم في تنفيذ العمليات الإرهابية، والحفاظ على الأمن القومي للدول دون المساس بحقوق الإنسان. وتوصل البروفيسور كونور جيرتي من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية في مشروعه “حقوق الإنسان والإرهاب” إلى فرضية، أن أنشطة مكافحة الإرهاب مثل إجراءات التحقيقات والاحتجاز وجمع الأدلة لمراقبة الأشخاص المشتبه بهم، يجيب أن تخضع لقواعد الإجراءات الجنائية كما هي الحال في سياق القضايا غير المتعلقة بالإرهاب. تدريجياً تم الاستناد لهذا المشروع لإصلاح أحكام القانون ومعاقبة جرائم الإرهاب وفقاً للقانون الجنائي المنصوص عليه في قانون مكافحة الإرهاب لعام 2008 في بريطانيا.
أكد مجلس الأمن خلال 2003، في قراره (1456) على أهمية امتثال الدول للقوانين الدولية في استراتيجية مكافحة الإرهاب، وخاصة قوانين حقوق الإنسان واللاجئين، مشدداً على أن التدابير الفعالة لمحاربة التطرف واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وسيادة القانون أمور متكاملة تعزز بعضها البعض. استكمالاً لهذا القرار أوضح المجلس في 2014 أن عدم اتباع الدول لهذا النهج يدعم غياب المحاسبة ويشكل عاملاً لزيادة التطرف.عين مجلس الأمن في 2004، خبراء في مجال حقوق الإنسان لوضع سياسة أكثر استباقية بشأن حماية الحريات والحقوق في مجال مكافحة الإرهاب، واعتمدت هذه اللجنة في 2006 التوجهات الرئيسية لمراعاة القانون في ظل تصاعد نشاط الجماعات المتطرفة عالمياً. تناول مجلس الأمن في قراره (1624) لعام 2005، أهمية الحق في حرية التعبير بالنسبة لتدابير مكافحة التحريض على الأعمال الإرهابية.
جدد المجلس في 2021، دعوته للدول بضرورة تفعيل تدابير منع التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب واحترام حقوق الإنسان، بالتزامن مع احترام سيادة القانون، مشيراً لدور المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والجهات الفاعلة لضمان معالجة حقوق الإنسان في ضوء الإجراءات الأمنية لتتبع الجماعات المتطرفة. تولي لجنة مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة اهتماماً، بتلقي إحاطات من المفوضة السامية لحقوق الإنسان، والمقرر الخاص لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حول تعزيز وحماية حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب، وسيادة القانون ودعم ضحايا الإرهاب.
كيف تعالج الصكوك الأممية أسباب التطرف الجذرية؟
اعتمدت استراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب التي تم إقرارها في 8 سبتمبر 2006، على معالجة الظروف المؤدية إلى انتشار الإرهاب، وبناء قدرات الدول لتعزيز دور الأمم المتحدة ومحاربة التطرف، مع ضمان حماية سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان. يتولى مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب هذه المهام منذ إنشائه في 15 يونيو 2017، خاصة وأن المسؤولين الأمميين يدعون لاتباع نهج شامل لا يقتصر فقط على الإجراءات الأمنية لمكافحة الإرهاب، بل يتضمن خطوات وقائية بمعالجة الأسباب الجذرية لنمو التطرف، بالتصدي للتعصب الديني والمجتمعي والعنف عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
أقرت الأمم المتحدة في يوليو 2016، المراجعة الـ (5) لاستراتيجية مكافحة الإرهاب وفقاً لتوصيات “مؤتمر جنيف حول منع التطرف”، الذي أكد على أهمية تبادل الخبرات ودعم الدول في مكافحة الفقر وسد الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، وتحقيق العدالة بين المجتمعات للتصدي لأي دوافع للتطرف العنيف.
يشدد مجلس الأمن في قراراته، على دور وسائل الإعلام والمجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والدينية، لتشجيع مفاهيم التسامح والتعايش، وتهيئة المجتمعات على رفض الخطاب المتطرف، الذي يتصاعد في ظروف معيشية متدهورة من فقر وتمييز في المعاملة بين فئات المجتمع، ما يتطلب التصدي لهذه الظروف وتميكن النساء والشباب من الانخراط في الحياة السياسية والمجتمعية، منعاً لاستغلال الجماعات المتطرفة هذه الثغرات لاستقطاب عناصر لها.
اتخذ مجلس الأمن في 2015، قرارات لإشراك النساء في استراتيجيات مكافحة التطرف العنيف بتولي أدوار قيادية، وزيادة تمثيل الشباب في عمليات صنع القرارات على جميع المستويات في المؤسسات المحلية والإقليمية والدولية، لمنع نشوب النزاعات التي تزيد من حالات التطرف.مؤشر الإرهاب ـ في أوروبا لعام 2024 (ملف)
ما أجندة التنمية المستدامة؟
تعد أهداف التنمية المستدامة خطة لتحقيق حياة أفضل ومستقبل أكثر استدامة لمواجهة التحديات المتعلقة بالفقر وعدم المساواة، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة اعتماد (17) هدف للتنمية المستدامة في يناير 2016، لتحسين الأوضاع على كافة الأصعدة التعليمية والصحية والمجتمعية. تستهدف الأمم المتحدة من خلال جدول أعمال 2030 القضاء على الفقر والجوع، وتوفير تعليم جيد ورعاية صحية ومياه نظيفة، والمساواة في فرص العمل، وتكوين مجتمعات مستدامة بالاهتمام بالعمل المناخي.
تدرك الأمم المتحدة أن الفقر والبطالة دافعين رئيسيين للانضمام للجماعات المتطرفة، وفي 11 فبراير 2023 أوضح استطلاع رأي في (8) دول إفريقية أن الفقر السبب الأكثر شيوعاً وراء نشاط الإرهاب بإفريقيا، لتدعو الأمم المتحدة هذه الدول لتبني تدابير وقائية لإبعاد الأفراد عن التطرف، وحثهم على إعادة تأهيل الراغبين في الانفصال عن هذه الجماعات، ورعاية الأطفال وتعليمهم، قال مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أخيم شتاينر، إن “الياس الناجم عن نقص الدخل وفرص العمل وضيق سبل العيش يدفع الناس لاغتنام الفرص مع من يقدمها”.
ارتفعت حوادث العنف في 2021 بإفريقيا، لانضمام العديد من جماعات الجريمة المنظمة لتنظيمي “داعش” و”القاعدة”، ما يشير إلى صلة بين الإرهاب والفساد والجريمة المنظمة، ويبرر بقاء الجماعات الإرهابية لسنوات في الساحل الإفريقي.
ما التحديات المستقبلية أمام مكافحة التطرف؟
التكنولوجيا الحديثة: اعتمدت الجماعات المتطرفة على مواقع التواصل الاجتماعي في التجنيد ونشر الأفكار، وأصبح “تليغرام” ملاذاً إلكترونياً آمناً للتنظيمات الإرهابية منذ 2014، بنشر صورة وفيديوهات مفبركة عبر قنوات التطبيق، وفي أغسطس 2023 ترجم أحد عناصر داعش خطاباً متطرفاً لعدة لغات بتقنيات حديثة بهدف الوصل لأكبر عدد من الأشخاص حول العالم.
الإرهاب السيبراني: ظهرت مخاوف أممية من إساءة استخدام تقنية المعلومات والاتصالات على أيدي الإرهابيين، بشن هجمات “حجب الخدمة” لتعطيل مواقع وجعلها غير قابلة للدخول من قبل المستخدمين العاديين، واستخدام برمجيات خبيثة للتجسس على الجهة المستهدفة، واستخدام برامج الفدية لاختراق البنية التحتية لعدد من المؤسسات الحكومية.
الذكاء الاصطناعي: تستخدم الجماعات المتطرفة الذكاء الاصطناعي للتعرف على تفضيلات الأشخاص، للتوصل للأفراد الذين تتجه رغباتهم نحو العنف، ما يسهل عملية التجنيد لصفوهم. ولجأت لعمليات التشفير في إرسال الرسائل وإخفاء البيانات بينهم، ونشر الدعاية الكاذبة والترويج لها بالذكاء الاصطناعي.محاربة التطرف – دور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. بقلم داليا عريان
ما آليات إصلاح النظام الدولي؟
كشفت حربا أوكرانيا وغزة الثغرات في النظام الدولي، بعد إخفاق مجلس الأمن في تبني قرارات لإيقاف الحربين، وتنظر أغلب دول العالم له بأنه غير قادر على القيام بدوره الأساسي للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، وقال ممثل فرنسا بالأمم المتحدة نيكولا دي ريفيير، في 16 نوفمبر 2023، إن “مسؤوليتنا تهيئة الظروف للسلام، ونحتاج لإصلاح مجلس الأمن لهذا السبب”.
أكد مسؤولون أمميون، على حاجة المجلس للإصلاح الهيكلي حتى يستمر دوره، وتضمنت مقترحات الإصلاح، إعادة النظر في استراتيجية الأمم المتحدة، وزيادة أعضاء المجلس الدائمين وغير الدائمين، وإصلاح نظام التصويت وإلغاء حق الفيتو، مع تنشيط دور الجمعية العامة وإيجاد مصادر تمويل جديدة للمؤسسات الأممية. تضمنت قمة المستقبل في سبتمبر 2024، ميثاقاً عالمياً لتعزيز التعاون في السلام والأمن والتنمية المستدامة وضمان حقوق الأجيال القادمة والتحول للحوكمة العالمية.
ما أفاق الصكوك الأممية في ظل التغيرات العالمية؟
تزداد أهمية دور مبعوثي الأمم المتحدة لإنهاء الصراعات الدولية الراهنة، وتحديداً في أوكرانيا ولبنان وغزة وسوريا والسودان، حيث تندلع الحروب وتتشابك المصالح الدولية، لذا تواجه المؤسسات الأممية تحديات للقيام بدورها، ويتطلب منها إعادة بناء الثقة خاصة بعد تعثر جهود المفاوضات لوقف حربي أوكرانيا وغزة.
ستركز هذه المؤسسات الأشهر المقبلة على الجانب الإنساني وإبرام صفقات تبادل الأسرى بين أطراف النزاعات، كخطوة تمهيدية للتسوية السياسية، بجانب متابعة تحركات التنظيمات المتطرفة في ضوء الصراعات واستغلالها لهذه المعطيات العالمية الجديدة. في المقابل ستتراجع خطوات الأمم المتحدة المتعلقة بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بشأن خطوات مكافحة تغير المناخ وتحقيق المساواة بين الجنسين، للانشغال بنزع فتيل الأزمات المندلعة والتأكيد على حيادية الصكوك الأممية والمسؤولين الأمميين.مكافحة الإرهاب والأمن الدولي ـ تعريفات ومفاهيم أساسية
تقييم وقراءة مستقبلية
– يشكل الإرهاب تهديداً على حقوق الإنسان وخطوات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، كتأثيره على الأمن والسلم الدوليين، لذا أكدت الأمم المتحدة على الدول الأعضاء ضرورة اتخاذ خطوات جادة لمحاربة التطرف وفقاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان المعني بحماية الأمن الشخصي والحق في الحياة. ومنذ 2001 يناقش مجلس الأمن تدابير مكافحة تمويل الإرهاب، وآثاره على الحق في تكوين الجمعيات وحرية المعتقد، واحترام حقوق الأفراد في المجتمع المدني ومنع إساءة استخدام تدابير مكافحة الإرهاب ومنع التمييز.
– تسعى الأمم المتحدة إلى احتواء الصراعات العالمية لمنع تصاعد النشاط الإرهابي، خاصة وأن الجماعات المتطرفة توظف هذه الأحداث لاستقطاب عناصر لصفوفها، وتعد حرب غزة دليلاً على هذا الأمر، إذ استغلتها الجماعات الإسلاموية من ناحية والجماعات اليمينية من ناحية أخرى لتغذية الخطاب المتطرف في المجتمعات الأوروبية، ما يفسر تجديد الدعوات الأممية بشأن مخاطر الإرهاب خلال الفترة المقبلة، لاسيما وأن الحرب بين أوكرانيا وروسيا تتجه لمزيد من التصعيد، والوضع في الشرق الأوسط يزداد تعقيداً رغم إبرام اتفاق بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، فالخروقات من الجانبين تنذر باشتعال الوضع مجدداً.
– تصبح الخطة الأممية بشأن تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول 2030 في غاية الأهمية الآن، كونها تعمل على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وتضمن معالجة الأسباب الجذرية لنمو الحركات المتطرفة، وتعد هذه المهمة اختباراً مهماً لقدرات المؤسسات الأممية على مواجهة المتغيرات العالمية وما تفرضه عليها من أولويات.
– ينبغي أن تضع الأمم المتحدة الذكاء الاصطناعي وتقنيات التكنولوجية الحديثة ضمن استراتيجية مكافحة الإرهاب، خاصة وأن الجماعات المتطرفة باتت تعتمد على هذه الأدوات بشكل أساسي في أنشطتهم، وفي الوقت نفسه ينبغي أن تضع الأمم المتحدة أطراً قانونية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، كوسيلة للتصدي للهجمات الإلكترونية وتوظيف هذه الجماعات التكنولوجيا لخدمة أغراضهم.
-أصبح التعاون الدولي بين الأطراف الفاعلة في مجلس الأمن والأمم المتحدة أمراً ملحاً، نظراً لاتجاه العالم إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، وزيادة حالة الاستقطاب السياسي من جهة، وعودة التنظيمات المتطرفة لنشاطها مجدداً في مناطق الصراعات والدول التي تعاني من أزمات سياسية وثغرات أمنية من جهة أخرى، ما يتطلب إعادة مراجعة الصكوك الأممية المتعلقة بمحاربة التطرف وحل النزاعات، ومناقشة تغيير آليات التصويت وتفعيل القرارات الأممية بشأن وقف الحروب، وضمان تطبيق الحلول الدبلوماسية بدلاً من الحلول العسكرية في النزاعات القائمة في مختلف دول العالم.
-انعدام الثقة في المؤسسات الأممية والمجتمع الدولي يعود إلى نحو عقدين، وكان الغزو الأمريكي للعراق في 2003 شاهداً على هذا الأمر، وباتت كافة القرارات الأممية غير متسقة مع الانتهاكات التي شهدها العراق وقتها، وعادت هذه النقطة للواجهة من جديد مع أحداث السابع من أكتوبر 2023 وما تبعها من تصعيد عسكري إسرائيلي في غزة ولبنان، ما يدفع المنظومة الأممية إلى تكثيف العمل على وضع حد للمعاناة الإنسانية للمدنيين في مناطق الحروب، والدفع باتخاذ قرارات حاسمة لإنهاء القتال الذي يهدد الأمن العالمي.
رابط مختصر..https://www.europarabct.com/?p=99157
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات
الهوامش
Aligning anti-terrorism laws with criminal law and human rights
https://meshfor.com/y1hyqf92
Security Council – Counter-Terrorism Committee (CTC)
مكافحة التطرف العنيف والخطاب الإرهابي
خطة العمل لمنع التطرف العنيف
