اختر صفحة

مكافحة الإرهاب لدول الأتحاد الأفريقي ..إستراتيجيات لمواجهة التهديدات الامنية

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

اعداد الدكتور : صاغور هشام ، باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

إستراتيجيات الاتحاد الافريقي في مواجهة التهديدات الامنية بين الواقع والرهانات

  مقدمة

تطرح المكانة التي تحتلها قضية مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف ضمن طموحات الأفارقة في أجندة 2063 ، العديد من التساؤلات ، فمن الناحية ما هو واقع ظاهرة الإرهاب في القارة الأفريقية خلال السـنوات الأخيرة، هذا الواقع الذي أدى إلى تحول ظاهرة الإرهاب كأهم مهدد للأمن والسلام في أفريقيا، وأصبحت مكافحتها لها أولوية في المناقشة ضمن جدول أعمال القمم الأفريقية، ومن انحية أخرى، ما هي الجهود التي بذلها الاتحاد الافريقي لمواهجة ظاهرة الإرهاب والحيلولة دون انتشاره على نحو أوسع بين أرجاء القارة الأفريقية، ومدى فاعلية هذه الجهود ومن ناحية اخرى، ما هو المتوقع لتفعيل أجندة ٢٠٦٣ في إطار مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، فهل تنفيذ هذه الأجندة سيتضمن استراتيجيات جديدة لمواهجة الظاهرة .

مفهوم الارهاب

لقد كان للثورة الفرنسية الكبرى الفضل في ظهور مصطلح Terrorisme”” حيث كان قبل الثورة يستخدم لفظ Terreur، وهي كلمة مشتقة من الأصل اللاتيني “Terreur Tersery”بمعنى جعله يرتعد ويرتجف.، وفي قاموس الأكاديمية الفرنسية المنشور سنة 1694، كانت كلمة Terreur تعني”رعب” خوف شديد، اضطراب عنيف تحدثه في النفس صورة شر حاضر أو خطر قريب” (1)

وقد عرف قاموس وبستر(Webster) الإرهاب بأنه ” استعمال العنف أو التهديد باستعماله تحديدا لغايات سياسية” ونفس الاتجاه اتخذته موسوعة الانكارتا Encarta لعام 2002 عندما عرفت الإرهاب بأنه:” استعمال العنف أو التهديد باستعماله وخصوصا التفجير والخطف، والاغتيال لتحقيق غايات سياسية.” (2)

و يشير”صلاح الدين عامر” أستاذ بجامعة القاهرة إلى أن الإرهاب هو “اصطلاح يستخدم في الأزمنة المعاصرة للإشارة إلى الاستخدام المنظم للعنف لتحقيق هدف سياسي، وبصفة خاصة جميع أعمال العنف (حوادث الاعتداء الفردية أو الجماعية أو التخريب) التي تقوم منظمة سياسية بممارستها على المواطنين وخلق جو من عدم الأمن، أكان ذلك في صورة اختطاف للأشخاص أو أخذ للرهائن -وخاصة منهم الممثلين الدبلوماسيين- وقتلهم ووضع متفجرات أو عبوات ناسفة في أماكن تجمع المدنيين أو وسائل النقل العامة، والتخريب وتغيير مسار الطائرات بالقوة. (3)

اما الدكتور “نبيل حلمي” يعرف الإرهاب بأنه “الاستخدام غير المشروع للعنف أو التهديد به بواسطة فرد أو مجموعة أو دولة ضد فرد أو جماعة أو دولة ينتج عنه رعب يعرض للخطر أرواحا بشرية أو يحدد حريات أساسية، ويكون هدفه الضغط على الجماعة أو الدولة لتغيير سلوكها اتجاه موضوع معين” (4)

  • واقع ظاهرة الإرهاب في أفريقيا

تمثل ظاهرة الإرهاب إحدى العقبات الرئيسـية أمام هجود السلام والتكامل الوطني وبناء الدولة والإدارة للتنوع في جميع أنحاء القارة. وقد شهدت القارة الأفريقية خلال الخمس سنوات الأخيرة صعودا غير مسـبوق للعمليات والجماعات الارهابية بين ربوع القارة وفقا لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2014 ،من بين أعلى خمسين دولة في العالم تواجه الانشطة الإرهابية ، هناك 18 دولة أفريقية. (5)

كما أكد مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2015 ،على أن جماعة بوكو حرام هي أكثر المجموعات الإرهابية فتكا في العالم، وزادت أعداد الضحايا اذلين قتلوا من جراء عملياتها، ويتركز النشاط الإرهابي في العالم بشكل كبير في خمسة دول في العالم، حيث تركزت 57 %من الهجمات، و78 %من الوفيات في هذه الدول، ومنها (العراق- نيجيريا- أفغانسـتان- باكسـتان- سوريا)

واحتلت الصومال المرتبة الثامنة في مؤشر الإرهاب، وليبيا المرتبة التاسعة ،فمن بين 39 دولة تتعرض للإرهاب في العالم هناك 14 دولة افريقية تشهد هذه الاعتداءات الارهابية عليها. (6)

  • التهديدات الامنية في منطقة الساحل الافريقي

يعتبر إقليم الساحل من أفقر أقاليم العالم، وبالتالي فمن الطبيعي أن يواجه تحديات الفقر المدقع، وتأثير التغيرات المناخية ودوام ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وسرعة نمو السكان، وضعف الحكامة، والفساد والتوترات الداخلية التي لا تجد حلولا، وخطر العنف الأصولي، والراديكالية، وتجارة المخدرات، والإرهاب المرتبط بالتهديدات الأمنية.

وتواجه دول الإقليم هذه التحديات بشكل مباشر، وأهم الدول التي تركز عليها الاستراتيجية هي موريتانيا ومالي والنيجر، ومع طبيعة الظروف الجغرافية فإنه من البداهة أن التحديات تؤثر كذلك على أجزاء من بوركينافاسو تشاد، وهناك الكثير من التحديات تؤثر على الدول المجاورة بما في ذلك الجزائر وليبيا والمغرب وحتى نيجريا، والتي يعتبر التزامها ضروري لمواجهة تلك التحديات والتطورات السياسية الحالية في المغرب العربي ولها نتائج علي وضعية إقليم الساحل.

فعند النظر إلى العلاقات الخاصة التي تطبع دول الإقليمين فإن الحضور المهم لمواطني إقليم الساحل في دول المغرب العربي والمخاطر التي قد تنجم عن انتشار السلاح في الإقليم، والمشاكل التي تواجه إقليم الساحل لا تؤثر على السكان المحليين فحسب، وإنما تؤثر كذلك على مصالح المواطنين الأوروبيين. (7)

على الرغم من عوامل الضعف الذاتي التي تتسم بها دول الساحل الإفريقي “جنوب الصحراء” و “خاصة مالي”، والتي أهلتها لتدخل غالبيتها في إطار الدول الفاشلة جاءت التأثيرات الأمنية التي عكستها تطورات دول الشمال الإفريقي خلال العقدين الأخيرين لتضاعف من التهديدات الأمنية والإنسانية التي تعيشها هذه الدول، ولتدفعها لتصبح جزءًا من”قوس الأزمات” الذي كان يمتد في السابق من أفغانستان مرورا بإيران والجزيرة العربية حتى القرن الإفريقي، ليضم هذه الدول ليصل إلى المحيط الأطلنطي غربا، حيث شهدت المنطقة مصادر تهديد داخلية وخارجية تأثرت بها دول الجوار(المغرب العربي).

بالنظر لخارطة الأزمات الداخلية التي تعرفها إفريقيا يمكن تعريف الساحل الإفريقي ب”قوس الأزمات” انطلاقا من الأزمات الإثنية المستعصية بالسودان (جنوب السودان دارفور)، تشاد وصولا إلى الانقسامات الداخلية والتهديدات الأمنية التي تعرفها النيجر، مالي وموريتانيا، كما أنه من المنتظر أن تتوسع وتتفاقم هذه التهديدات الأمنية وذلك لتوفر عدد من الحركيات السببية ومنها أساسا الطبيعة الاجتماعية المفككة إثنيا، قبليا وعرقيا مما جعل من مستوى التجانس الاجتماعي ضعيفا وحركيات الاندماج المجتمعي صعبة، خاصة مع غياب ثقافة سياسية وطنية موحدة مما ينتج أزمات مثل دارفور في السودان، الطوارق في مالي والنيجر،الاضطرابات العرقية في موريتانيا والصدامات الإثنية وحتى القبلية في تشاد وفشل الدول الجديدة التي ورثت حدودا سياسية دون مراعاة الحدود الأنثروبولوجية للمجتمعات المحلية، في عمليات البناء السياسي للدول خاصة مع وجود أشكال للهيمنة الإثنية أو الجهوية على الحياة السياسة في كثير من دول الساحل وضعف العدالة التوزيعية (اجتماعيا، اقتصاديا وسياسيا). (8)

على مدى السنوات القليلة الماضية أصبحت منطقة الساحل الإفريقي تشهد العديد من التهديدات الأمنية بفعل تنامي العديد من المشاكل التي أدت إلى تحوله إلى مسرح العمليات الإرهابية وأنشطة متطرفة لبعض الجماعات الإسلامية من قبل تنظيم القاعدة الذي أصبح في الآونة الأخيرة من المنظمات الإرهابية الأكثر شهرة من حيث عملياتها الإرهابية فقد كانت هذه المنظمات الإرهابية تنفذ عملياتها الإجرامية من تفجير واختطاف للرهائن في الدول الإفريقية ،ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر 2001زادت أهميته، الأمر الذي جعل دول الساحل الإفريقي تدخل في حالة استنفار قصوى والتأهب للتصدي لتلك التنظيم وأيضا الشعور بالخوف من تلك الأعمال الإرهابية التي تجعل أمن منطقة الساحل الإفريقي في خطر كبير.

لقد استفادت خلايا تنظيم القاعدة والجماعات السلفية المقاتلة، في شمال إفريقيا وبلدان الساحل،من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الهشة في بلدان المنطقة، ومن غياب التنسيق والتعاون الإقليميين في ما بينها،وعدم وجود استراتيجية إقليمية مشتركة لمحاربة الإرهاب خصوصا في مواجهة مساحات صحراوية شاسعة تتجاوز قدرة منظومة أمنية محلية واحدة على مراقبتها وضبطها، وقد ساعدت هذه المعطيات الجماعات المسلحة في تحويل منطقة الصحراء إلى ملاذ آمن بعيد عن أي سلطة أمنية أو عسكرية، الأمر الذي مكنها من التناسل واستقطاب مقاتلين جدد، والولوج إلى مصادر تمويل مهمة لدعم مشروعها الإرهابي، حيث اعتمدت بشكل أساسي على التمويلات الناتجة عن الفديات مقابل الإفراج عن رهائن الدول الأجنبية. (9)

فقد طلب تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي 30 مليون أورو مقابل تحرير3 رعايا إسبان،و بالتالي تعتمد هذه الجماعات على تمويل %90 من نشاطاتها على أموال الفدية والمقدرة إجمالا ب 50 مليون أورو، وهذا ما ترفضه الجزائر جملة وتفصيلا، وتطالب بتجريم دفع الفدية في العديد من المناسبات (10)، وبالاضافة الى عائدات المتاجرة في الأسلحة والمخدرات والسجائر المهربة عبر الحدود مع العصابات الدولية، خاصة من أمريكا الجنوبية والمتاجرة في تهريب البشر (11)

كما شهدت منطقة الساحل ومالي على وجه الخصوص عمليات تهريب واسعة للسلاح من ليبيا إلى دول إفريقيا وهذا بعد زوال نظام القذافي، فتتواجد في منطقة الساحل حوالي 81000 قطعة سلاح كلاشنكوف، بالإضافة إلى تهريب صواريخ أرض جو وألغام مضادة للدبدبات و أسلحة نصف ثقيلة من ليبيا، وقد أعلن أحد المسؤولين في النيجر أن المرتزقة النجريين الذين كان يعملون لصالح القذافي عادوا إلى النيجر محملين بالأسلحة وتم مصادرة جزء منها فقط، هذا ما يشير إلى انتشار رهيب للأسلحة ومؤشر على تزايد معدلات الجريمة والإرهاب في المنطقة. (12)

4- تحالفات الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل

تعقدت الأمور في منطقة الساحل الإفريقي بمجرد تحول الاهتمامات السياسية للجماعة السلفية للدعوى والقتال وإعلانها الانضمام تحت لواء تنظيم القاعدة، ،و تدويل العمليات الأرهابية من خلال انضمامها إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي “AQMI” سنة 2007، وبالتالي التنسيق مع الجماعات الإرهابية الأخرى كالشباب في الصومال ومنطقة “بوكو حرام” في نيجيريا،وجماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا”MOJWA”وهي جماعة من الشباب المنفصلين عن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والحركة الوطنية لتحرير الأزواد”MNL” في شمال مالي، وتشير التقديرات أن عدد المقاتلين في الجماعات الإسلامية في ارتفاع كبير ما بين 200 و 800 مقاتل أغلبهم من العرب وقبائل الطوارق موزعين عبر الصحراء. (13)

وتوضح الخارطة التالية انتشار وتوسط  تنظيم القاعدة في المغرب الاسلامي عبر أقاليمي المغرب العربي والساحل الإفريقي وتحالفه مع بعض قبائل الطوارق ،انطلاقا من شمال مالي والتى أصبحت ملاذا لهذا التنظيم بالاضافة الى تحالفها مع مروجي التنظيمات الإجرامية الناشطة هناك.

انتشار التنظيم الارهابي القاعدة في المغرب الاسلامي وتحالفه مع بعض قبائل الطوارق انطلاقا من شمال مالي الى الأقاليم المتاخمة له ، المصدر:                                                 https://www.google.fr/imgres?imgurl=http

إن الحديث عن تنظيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال، يقودنا بالحديث عن الجزائر كونها كانت نقطة الانطلاقة لتلك الجماعات، ووفقا لمجالات التماس الجغرافي التي تجمع بين الجزائر وليبيا وتونس والمملكة المغربية ومالي والنيجر، فإن ذلك يعني بالضرورة مجال جغرافي آخر يستطيع من خلاله ذلك التنظيم الإرهابي العمل المسلح فيه فالصورة الجغرافية لعمل جماعات تنظيم القاعدة لشمال المغرب العربي كانت في تقسيم المنطقة. (14)

فقد حاول تنظيم القاعدة لبلاد المغرب العربي القيام بتوسيع نشاطه على رقعة جغرافية إلى أبعد حد ممكن من خلال التوسع جنوبا نحو منطقة الصحراء الكبرى، في شكل إستراتيجية عسكرية أمنية جديدة تعكس الرغبة في لعب دور إقليمي مبني على سياسة ملأ الفراغ الجغرافي،  لم تكن فكرة توسيع رقعة العمل الجغرافي للجماعة الإرهابية للدعوة والقتال وليدة

أحداث وتداعيات 11سبتمبر2001، فقد حاول التنظيم الإرهابي استهداف المصالح الأجنبية في المنطقة عبر فترات متفاوتة (15) ، وقد كان للجماعات الإرهابية في منطقة المغرب العربي أهدافا إستراتيجية من خلال تحالفها في الساحل وذلك لعدة أسباب :

  • خسر هذا التنظيم الإرهابي كل شيء في الجزائر، وتوسيع النشاط الميداني للعمليات الإرهابية المسلحة نحو منطقة الصحراء الكبرى
  • خلق تحالفات جهوية على غرار العلاقة مع الجماعة الليبية الإسلامية للدعوة والقتال ومع خلايا إرهابية للجماعة السلفية، وأيضا مع الجماعة الإسلامية لمقاتلي المغرب والجماعة الجهادية في تونس ومحاولة استغلال الأزمات السياسية التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي ومنطقة القرن الإفريقي ومناطق غرب إفريقيا.
  • ويعتبر الأخطر أمنيا في شبكة التحالفات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي مع متمردي الطوارق (16)
 5 –  مخاطر الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة

وبالاظافة إلى مخاطر الارهاب والتطرف فهناك عدة تهديدات اخرى، بحيث تعتبر الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة من أهم التهديدات والمخاطر الأمنية بالنسبة لدول المغرب العربي والقادمة من منطقة الصحراء الكبرى، نظرا للآفات الكثيرة التي تصاحبها مثل التهريب وتجارة السلاح وتجارة  المخدرات (17)،وتمثل منطقة الساحل الإفريقي أحد المجالات الخصبة التي تنتشر فيها هذه الظاهرة فالدول المغاربية وبحكم أنها جزء من هذه المنظومة يجعلها تتأثر بكل ما يحدث فيها من تفاعلات تهدد امنها القومي (18)، فقد أصبحت الجريمة المنظمة التي تقودها شبكات التهريب مصدر خطر حقيقي على دول المنطقة، خاصة وأن هذه الشبكات أصبحت تمتاز ببنية ومؤسسية كبيرة ذات ارتباط بأطراف خارجية فاعلة ويضاف إلى هذا أن تنامي الجريمة المنظمة،والهجرة السرية،والجريمة الإلكترونية أو الرقمية ،التهريب (بنزين،سجائر،الأسلحة) يشكل مصدرا من مصادر عدم الاستقرار خاصة على المناطق الحدودية بين دول المنطقة (19)

تشهد منطقة الساحل الإفريقي عدة معضلات أمنية تتفاقم بشكل مستمر، من بين هذه الرهانات الأمنية التي تشهدها المنطقة، تهريب السلاح الذي يتورط فيها المهاجرون غير القانونيين ،التجارة غير القانونية للأسلحة لها تداعيات على الأمن الدولي وتعتبر القارة الإفريقية وبالخصوص منطقة الساحل الإفريقي الأكثر تضررا نتيجة التدفق العشوائي للأسلحة، الأمر الذي يعيق مختلف جهود التنمية و الديمقراطية بالقارة الإفريقية، ويشكل تهريب الأسلحة الخفيفة ثلث المبادلات الرسمية التي تتم على مستوى سوق الأسلحة، وبهذا فهي تمثل تهديدا للأمن في إفريقيا خاصة و أن هذه الأخيرة أصبحت تجذب الدول الراغبة في التخلص من فائض الأسلحة التي تجاوزها التطور التقني.(20)

وتعتبر الأزمات والحروب من بين العوامل التي تساعد على تزايد معدلات الاتجار بالسلاح وهو الأمر الذي ينطبق على الأزمة في ليبيا أين تحولت الى سوق مفتوحة للاتجار بالأسلحة وتهريبها، فأصبحت بذلك العصابات تستغل المهاجرين غير القانونيين سواء القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء في اتجاه الشمال أو أولئك المتواجدون في ليبيا الفارين من العنف، فخلال حركة المهاجرين يتورطون في عدة قضايا من أبرزها تهريب السلاح فالحدود الجزائرية والتونسية في ظل الأزمة الليبية تشهد زيادة في حدة هذه الظاهرة وفي هذا السياق حذرت الندوة الجزائرية حول مكافحة الإرهاب في سبتمبر 2010 من تحول منطقة الساحل الى خزان للبارود نتيجة لانتشار السلاح والمتفجرات وتورط الآلاف من العمال والجماهير والمرتزقة في هذه المنطقة (21)

وعليه فإن قضية الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة قد اصبحت قضايا تؤرق الدول المغاربية وباتت تهدد أمنها الوطني، خاصة بعد ما أصبح المهاجر غير القانوني يتورط في كل أنواع الجريمة المنظمة، حيث تشير أغلب تقارير الأجهزة الأمنية في المغرب العربي وخاصة الجزائرية والتونسية إلى حد ما أن حوالي 70 بالمائة من المهاجرين غير القانونيين متورطون في شتى أنواع الجرائم العابرة للحدود والتي على رأسها تهريب السلاح والاتجار به. (22)

وقد أظهرت القارة السمراء عجزا أمنيا في محاربتها لجميع أشكال الجريمة المنظمة الدولية وفي مدى جاهزيها وأولوياتها في محاربة تلك التهديدات الأمنية ،وهو ما يعني حالة تقصير أمني سواء كانت على المستوى الثنائي أو الجهوي أو الإقليمي أو الدولي، إضافة إلى جملة المشاكل الأمنية الأخرى التي تعاني منها الدول الإفريقية بشكل عام والتي تظهر عبر حملة ضعف في الأداء السياسي وضعف في الأداء الاقتصادي والتنمية بكافة أشكالها،وقد أشارت في ذلك منظمة الأمم المتحدة لمراقبة الاتجار بالمخدرات”إن قارة إفريقيا تشهد عمليات تهريب ومتاجرة بالمخدرات بكافة أنواعها مستغلين في ذلك ضعف الآليات المحلية للتصدي” (23)

وعليه فيمكننا تلخيص الأسباب المباشرة التي ساعدت على انتشار التهديدات الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي:

أسباب جغرافية: هي إقليم يستلهم وظيفته الجيوبوليتيكية من هشاشة وميوعة الحدود، حيث اتساع الرقعة الجغرافية مقابل ضعف الكثافة السكانية التي لا تتجاوز شخصا أو اثنين في الكيلومتر المربع الواحد ، القرب الجغرافي بين قارة إفريقيا وأوروبا وهو نفس العامل الذي يكون في الهجرة غير الشرعية وقرب الحدود وشساعتها وصعوبة مراقبتها بين دول جنوب وشرق وشمال وغرب إفريقيا وهو عامل مساعد على إدراك طبيعة التهديدات.

أسباب سياسية:نوجزها في ضعف الدولة وعدم قدرتها على السيطرة على أقاليمها وسيطرة أمراء الحرب والميليشيات على أجزاء كبيرة من تراب الدولة وانشغال الدولة بالنزاعات الداخلية والحدود فيما بين الدول.

أسباب اقتصادية واجتماعية: تظهر فيها معدلات الفقر المرتفعة وعجز الميزان التجاري للدول الإفريقية بصورة عامة زيادة على الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية ومديونية الدول الإفريقية  وكذا الصراعات الإثنية والعرقية التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي ومناطق أخرى من بقاع القارة . (24)

6- استراتيجيات الاتحاد الافريقي في مواجهة التهديدات الامنية

عمل الإتحاد الإفريقي منذ تأسيسه إلى تعزيز السلم والأمن في القارة الإفريقية، واعتمد الإتحاد الكثير من الآليات التشريعية والمؤسساتية والمبادرات لمواجهة الظاهرة الإرهابية في القارة، بحيث أن تشابك المصالح والنفوذ وكذلك الرهانات المستقبلية للقارة الإفريقية بالنسبة لمكانتها الدولية والتنافس الدولي عليها، ورغبة الدول الإفريقية في تجاوز التهديدات الأمنية والتفكير في بناء مسار تنموي مستمر على أساس الأمن والاستقرار، كل هذه العوامل جعلت من توفير الأمن و الاستقرار مطلبا أساسيا للمنطقة، ولذلك تعددت الجهود الإفريقية في مجال مكافحة الظاهرة الإرهابية في القارة .

فبعد أحداث “نيروبي” 1998 وأثناء القمة الـ 35 لمنظمة الوحدة الإفريقية عام 1999 تبنت المنظمة اتفاقية الجزائر، واعتبر أول اتفاقية على مستوى المنظمة والدول الإفريقية في إطار مكافحة الإرهاب (25)وفي عام 2002 تم تعزيز الاتفاقية بوضع برنامج عمل بين دول الاتحاد وذلك لتأكيد تعهدات الدول الإفريقية في تحجيم ومضايقة الجماعات الإرهابية، من خلال تشريعات تهدف إلى توقيع أشد العقوبات على من تورط في الأعمال الإرهابية، بالإضافة إلى التعاون البوليسي، وتبادل المعلومات، وقمع وسائل تمويل الإرهاب، وفي جوان 2004 تم تبني البروتوكول الإضافي على الاتفاقية، والذي كان الإطار القانوني لإنشاء مجلس السلم والأمن الأفريقي والذي مهمته مكافحة الإرهاب الدولي بجميع أشكاله. (26)

  • برنامج الحدود للاتحاد الافريقيAUBP (Programme The African Union Border)

تم الإعلان عن برنامج الحدود التابع للاتحاد الإفريقي من طرف الدول الأعضاء للاتحاد سنة2007، وتضمن ضرورة وضع برامج جديدة لإدارة الحدود، وتعزيز السلام والأمن وضمان الاستقرار، على غرار تسهيل عملية التكامل و ترقية التنمية المستدامة في إفريقيا، وفي هذا الحيز فإن إستراتيجية تعزيز إدارة الحدود تعتبر بمثابة آلية تم تطويرها من طرف الاتحاد الإفريقي لدعم أمن الحدود وتنقل الأشخاص و البضائع في شتى مستويات التنسيق والتعاون، وكذا لتحسين المتطلبات المجتمعية ما بين دول أعضاء الاتحاد.

تضمن هذا البرنامج أربع عناصر:التحديد والترسيم، التعاون عبر الحدود، بناء مؤسسات وتنمية القدرات، تعبئة الموارد اللازمة، حيث انطلق هذا البرنامج بدعم من مؤسسة ألمانية(GIZ) Deutsche Gesellschaft für Internationale Zusammenarbeit لإدارة الحدود في إفريقيا منذ سنة 2008 إلى غاية 2015 ، وكان لها دور في تدعيم الاتحاد لترسيم الحدود ما بين مالي و بوركينافاسو والتوسط في حل الخلافات عبر الحدود بين العديد من سكان المناطق الحدودية في الساحل الإفريقي و جنوب الصحراء. (27)

  • خطة العمل الإفريقية في مجال منع ومكافحة الإرهاب

اعتمدت خطة العمل هذه في اجتماع رفيع المستوى لمنع ومكافحة الإرهاب الذي انعقد في الجزائر في سبتمبر2002، وذلك لتعزيز التعاون من أجل إيجاد سبل ملائمة وناجعة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة من خلال:

  • تعزيز قدرة الدول الأعضاء على مراقبة الحدود، بما في ذلك إصدار وثائق السفر والهوية أكثر حماية وأمنا، وإقامة تربصات تكوينية وتدريبية للجمارك وحراس الحدود لضمان كفاءة وأداء عاليين.
  • تحديث وموائمة النظم القانونية الوطنية والإقليمية لمواجهة التحديات الملقاة على عاتق دول الإتحاد الإفريقي.
  • وضع الصيغ النهائية للصكوك الإفريقية لتسليم المجرمين والمساعدة القانونية المتبادلة.
  • قمع جريمة التمويل ودعم الإرهاب، و تعزيز تبادل المعلومات والاستخبارات المتعلقة بالإرهاب والجماعات الإجرامية، ومراقبة كل التحركات للجماعات الإرهابية والتنظيمات الإجرامية. (28)

ثم تم تبني “البرتوكول الملحق لاتفاقية منع ومكافحة الإرهاب في إفريقيا” في سنة 2004 بناءا على توصية قمة الاتحاد الإفريقي في داكار العاصمة السنغالية المعنية بمنع ومكافحة الإرهاب، والاجتماع الحكومي رفيع المستوى والذي يهدف إلى تحديث الاتفاقية الإفريقية لمنع ومكافحة الإرهاب وفق المقاييس العالمية.

  • المركز الإفريقي للدراسات والبحوث حول الإرهاب (CAERT)

يعتبر المركز من الأجهزة التابعة للإتحاد الإفريقي وله 42 فرع وطني م 07 فروع جهوية، أنشئ عام2004 ، وحدد مقره في الجزائر العاصمة، يقوم المركز بتبادل المعلومات وتقديم المساعدات في مجال التكوين الخاص بمكافحة الإرهاب بين الدول الإفريقية، كما يقوم بإجراء البحوث لمساعدة الدول الإفريقية على إدراك أسباب وخصائص الإرهاب في القارة وسبل مواجهته.

وتبرز أهمية المركز في إجراء ونشر العديد من الدراسات والبحوث والندوات والتحليلات السياسية بصورة دورية في مختلف مجالات مواجهة الإرهاب مع إتاحة هذه البيانات والتحليلات لكل الدول الأعضاء في الإتحاد الإفريقي، علاوة عن تطوير البرامج التدريبية من خلال مساعدة الشركاء الدوليين في تطوير الخبرات والإستراتيجيات الخاصة بمواجهة الإرهاب، وكذا برامج التعاون مع مختلف المؤسسات المهتمة بمكافحة الظاهرة الإرهابية المساعدة للدول الإفريقية على المستوي الوطني والإقليمي والدولي(. (29)

الخاتمة

لقد أضحت القارة الإفريقية بصفة عامة والساحل الإفريقي بصفة خاصة ، من أكبر بؤر التوتر في العالم  حيث يراها العديد من المحللين الأمنيين أنها مصدرا للتهديدات الأمنية بشكل متزايد، وعلى رأس هذه التهديدات، الإرهاب وجميع أشكال الجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية وانعكاساتها على الأمن الإنساني ، فقد أصبح الوضع الجيوسياسي فيها فرصة إستراتيجية مهمة بالنسبة للإرهاب العابر للقارات، خاصة إذا نظرنا إلى التركيز المتزايد لتنظيم القاعدة على قارة إفريقيا، و ظهور ما يسمى بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ،بالإضافة إلى تحالف هذا الأخير مع تنظيمات أخرى ظهرت نتاجا للحرب الأهلية في ليبيا والتنظيمات المنشقة من شمال مالي في منطقة الأزواد و جماعة بوكو حرام، وعليه فان اعتبار مناطق من المغرب العربي –ليبيا- ومنطقة الساحل جبهة جديدة في الحرب الشاملة على الإرهاب وهذا ما اجبر الاتحاد الإفريقي تبني جملة من الاستراتيجيات للحد من تزاد الخطر القادم من مناطق التوتر في القارة .

قائمة المراجع

  • عبد القادر زهير النقوزي، المفهوم القانوني لجرائم الإرهاب الداخلي والدولي، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة 1- ، بيروت، لبنان، 2008.
  • جبور عبد النور، سهيل إدريس، المنهل : قاموس فرنسي عربي ، ط 6، دار الآداب ، دار العلم للملايين ، بيروت ، لبنان 1980.
  • حسنين المحمدى بوادى، العالم بين الإرهاب والديمقراطية، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2007.
  • احمد نبيل حلمي:الإرهاب الدولي وفقا لقواعد القاون الدولي العام :دار النهضة العربية، القاهرة 1988 .
  • -Adank Mulata, National Defence College, Keny , Managing Peace and Conflict Issues in Africa ,22nd February 2016 .
  • أميرة محمد عبد الحليم ، أجندة الاتحاد الأفريقي 2063 ومكافحة الإرهاب، خبيرة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجي، من الموقع الالكتروني:                                    http://www.sis.gov.eg/UP/9-45.pdf
  • انظر في “الإستراتيجية الأوربية للأمن والتنمية في منطقة الساحل” ،الاتحاد الاوروبي ، 13-10-2013، من الموقع الالكتروني:                            http://www.alakhbar.info/video/115-2013-10-13-20-05-42.html
  • سعد ناجي جواد وعبد السلام بغدادي,الأمن القومي العربي ودول الجوار الأفريقي ، مركز الإمارات لدراسات والبحوث الإستراتجية , ط 1 ، العدد 31، الإمارات العربية المتحدة ، 1999.
  • إدريس الكنبوري،هذه التحديات الأمنية الجديدة أمام المنطقة المغاربية، جريدة هاسبراس الالكترونية، 22-02-2015 ، من الموقع الالكتروني :http://www.hespress.com/orbites/255777.html
  • Wolfram Lacher ,Organized crime and terorism in the sahel drivers : Actors, options ,Germany : German Institute for international and security Affaires, March 2007.  swp-berlin.org.p.2
  • إدريس الكنبوري، مرجع سابق.
  • عبد الوهاب عمروش، مرجع سابق .
  • Kalilou Sidibé , Sécurity Management in northern Mali : Networks and conflictre solution ,UK institut of devlopment studies rsearch report vol , 2012 , N77            ids.acuk/ids/bookshop.p.18
  • hrach gregorian, security jihadi threats in the sahara sahel is Rule of world affaires ,IEMED         2007.
  • Anneli Botha. Terrorism in the Maghreb: The Transnationalisation of Domestic Terrorism.in prespective on terrorisme.                                                 http://www.terrorismanalysts.com/pt/index.
  • Jean-luc marret, évolutions  récentes du GSPC « ELQAIDA  au Maghreb islamique »,12 mars2007.
  • نبيل بوبية، “الأمن في منطقة الصحراء الكبرى بين المقاربة الجزائرية و المشاريع الأجنبية”، رسالة ماجستير، القاهرة، جامعة الدول العربية، معهد البحوث و الدراسات العربية،2009.
  • ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، “الجريمة المنظمة عبر الساحل الإفريقي “، 27- -092008 ، شوهد يوم 13/04/2016.من الموقع الالكتروني: http://:samir masri-blog com/2008/09/blog                                                                .
  • عصام عبد الشافي ، “معضلة الأمن في الساحل والصحراء :الأسباب والمواجهة”، مجلة السياسة الدولية ،العدد 195 ،القاهرة, 2014.
  • مولود غشة، “التجارة الشرعية بالأسلحة- .هيمنة سماسرة الموت” ، مجلة الجيش، ع547-فيفري 2012.
  • ــــــــــــــــــــــــ، “أزمة ليبيا حولت المنطقة الى خزان بارود المساء” من الموقع الالكتروني:

www.djazairess.com/echchaab/51531

  • رتيبة بوعدمة، “شرطة الحدود تفكك شبكات دولية مختصة في تزوير جوازات السفر و التأشيرات بالجزائر”، 02/06/2009 ، من الموقع الالكتروني:                                    algeria channel.net/2009/06
  • Mpho masbaba ,organized crime and corruption, fighting the problem within the NEPA frameurbort, African securty ,vol .14,no 4.2005 .
  • جميلة علاق ، “استراتيجية التنافس الدولي في منطقة الساحل والصحراء” مجلة العلوم الاجتماعية، العدد 19 ، جامعة سطيف ، ديسمبر 2014 .
  • Joseph Léa NKALWO NGOULA, L’Union Africaine à l’épreuve du terrorisme : forces et challenges de la politique africaine de sécurité Cameroun, avril 2016.
  • -Pascal DE GENDT, L’Union Africaine face aux défit du continent, analyses et etudes politique international,  2016 .
  • نور الدين دخان وعيدون حامدي،”مسار تأمين الحدود الجزائرية :بين الإدارة الأحادية والصيغ التعاونية الإقليمية”مجلة دفاتر سياسية وقانونية، العدد 14، جامعة قاصدي مرباح ورقلة –الجزائر- 2016.
  • – المرجع نفسه ، ص165. وللمزيد انظر في: عمورة أعمر، التهديدات اللاتماثلية من منطقة الساحل الإفريقي: مقاربة جيوأمنية ، رسالة ماجستير في العلوم السياسية و العلاقات الدولية، جامعة الجزائر،2011.
  • ج إسماعيل، “إفريقيا تسعى لحل مشاكلها”، مجلة الجيش، عدد155 ، الجزائر، أكتوبر 2009 .

رابط نشر مختصر  https://www.europarabct.com/?p=53507

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات