المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب في فرنسا ـ ما تأثير التوترات في الشرق الأوسط على تنامي التطرف؟
أوقفت السلطات الفرنسية رجلًا يشتبه في تخطيطه لهجوم في باريس يُعتقد أنه مستوحى من فكر داعش، مع الإشارة إلى أماكن سياحية ودور العبادة كانت ضمن الأهداف المحتملة. وتشير التحقيقات الأولية إلى ارتباط المشتبه به بمحتوى دعائي متطرف، إضافة إلى محاولات محتملة للانضمام إلى تنظيمات إرهابية. وتأتي هذه القضية في سياق أمني حساس تعيشه فرنسا وسط استمرار التهديدات المرتبطة بالتطرف.
التخطيط لهجوم على متحغ اللوفر
أوقفت الشرطة الفرنسية رجلًا يشتبه في تورطه في التخطيط لهجوم في باريس، يُعتقد أنه مستوحى من الفكر الجهادي. وذكر مكتب المدعي العام لمكافحة الإرهاب أن المشتبه به، وهو شاب تونسي يبلغ من العمر 27 عامًا، يُشتبه في أنه كان “يخطط لعمل عنيف مستوحى من الجهادية”. وتم اعتقاله في السابع من مايو 2026، عقب فتح تحقيق أولي خلال مايو 2026 بتهمة “التخطيط الإرهابي”، قبل أن يوضع رهن الاحتجاز الاحتياطي ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب) عن مصدر مطلع على التحقيق أن الرجل كان يخطط لاستهداف متحف في باريس وأفراد من الجالية اليهودية، دون تحديد هدف نهائي بعينه. كما أفادت صحيفتا لوموند ولو باريزيان أن المشتبه به فكر في جعل متحف اللوفر هدفًا محتملًا، إلى جانب استهداف الجالية اليهودية في الدائرة السادسة عشرة بالعاصمة باريس.
الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لتنفيذ المخطط
أضاف مكتب المدعي العام لشرطة العاصمة الوطنية لأمريكا الشمالية أن المشتبه به كان يفكر في السفر للانضمام إلى “صفوف تنظيم داعش في سوريا أو موزمبيق”، وبحسب المعلومات التي أوردتها صحيفة لوموند، وُلد المشتبه به في جربة عام 1999، ووصل إلى فرنسا عام 2022 بعد عبوره البحر الأبيض المتوسط نحو جزيرة لامبيدوزا الإيطالية. وأظهرت التحقيقات أن هاتفه كان يحتوي على مقاطع فيديو دعائية مرتبطة بداعش، إضافة إلى مئات الصور للأسلحة النارية والسكاكين، فضلًا عن عمليات بحث على منصة ChatGPT تضمنت أسئلة مثل “كيفية صنع قنبلة”.
فرنسا تبقى في حالة تأهب قصوى
وأشار مدعون عامون متخصصون في قضايا الإرهاب إلى أن فرنسا شهدت بعد فترة من الهدوء بين عامي 2021 و2023 ارتفاعًا في مستويات العنف المرتبط بالجهادية. وتبقى فرنسا في حالة تأهب قصوى تحسبًا لهجمات مستوحاة من أيديولوجيات متطرفة، في ظل استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والصراع بين إسرائيل وحركة حماس في غزة. كما أفادت تقارير أوروبية بأن دولًا عدة في القارة سجلت حوادث استهدفت الجالية اليهودية، حيث ربط المحققون بعض هذه الحوادث بإيران.
تورط القاصرين المتزايد في الإرهاب
تكشف البيانات الحديثة عن ارتفاع غير مسبوق في وتيرة التحقيقات المرتبطة بالإرهاب منذ تأسيس المكتب الوطني للمدعي العام لمكافحة الإرهاب “PNAT” عام 2019. ووفقًا للأرقام المنشورة في الثالث من ديسمبر 2025، تحقق السلطات الفرنسية في أكثر من قضية إرهاب “جهادي” أسبوعيًا، بعدما فتح مكتب “PNAT” عددًا قياسيًا بلغ 67 تحقيقًا في الإرهاب الإسلاموي خلال عام 2024، في حين باشرت فرقة مكافحة الإرهاب التحقيق في 51 قضية “جهادية” جديدة منذ يناير 2025. يأتي هذا التصاعد في ظل تحذيرات متزايدة من انخراط “الأطفال” والقاصرين في جرائم وأعمال مستوحاة من الفكر المتطرف، من بينها مخطط لفتاة تبلغ 13 عامًا كانت تخطط لتنفيذ هجوم على كنيس أو مسجد في فبراير الماضي، قبل أن تتمكن السلطات من إحباط العملية.
وتشير السلطات إلى أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الكامل للتهديد، إذ لا تشمل عشرات القضايا المتعلقة بتمجيد الإرهاب الإسلاموي أو التحريض على أعمال “جهادية”، والتي تبقى من اختصاص النيابات المحلية خارج إطار تحقيقات “PNAT”. ومنذ تأسيسه عام 2019، فتح مكتب “PNAT” تحقيقات في 429 قضية مرتبطة بالإرهاب “الجهادي”. وبلغ عدد القضايا المفتوحة 98 قضية في 2019، قبل أن ينخفض إلى 86 في 2020، ثم 48 في 2021، و41 في 2022، و38 في 2023. غير أن عام 2023 شهد عودة التصاعد في التهديدات، خاصة بعد مقتل المعلم دومينيك برنارد طعنًا على يد الطالب المتطرف محمد موغوشكوف في 13 أكتوبر، ثم هجوم جسر بير-هاكيم قرب برج إيفل في 2 ديسمبر 2023، عندما قتل أرماند رجببور-مياندواب، المتأثر بتنظيم داعش، سائحًا ألمانيًا فلبينيًا وأصاب شخصين آخرين.
وبين الأول من يناير 2024 و27 نوفمبر 2025، بدأ مكتب “PNAT” التحقيق في 118 قضية جديدة، بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في أعداد القاصرين والشباب المنخرطين في السلوكيات المتطرفة. وخلال عام 2025، وجه مكتب المدعي العام لمكافحة الإرهاب تهما إلى 20 قاصرًا في قضايا مرتبطة بالإرهاب الإسلاموي، مقارنة بـ19 قاصرًا في 2024، و15 في 2023، وقاصرين فقط في 2022. كما أظهرت البيانات أن 70% من المتورطين في مخططات عنف خلال عامي 2024 و2025 كانوا دون سن 22 عامًا، بينما اعتقلت السلطات 130 قاصرًا على صلة بالإرهاب بين عام 2023 ونهاية يونيو 2025، مع تفاوت في النتائج القانونية.
لا تشمل إحصاءات القاصرين ملفات مرتبطة بمحاولات السفر إلى مناطق النزاعات أو تمويل الإرهاب. ففي مارس ويونيو وسبتمبر 2025، اعتقلت الشرطة فتاة فرنسية تبلغ 16 عامًا وأربعة أشخاص آخرين للاشتباه في تخطيطهم للسفر إلى سوريا، بينما وُجهت في أكتوبر 2025 تهمة لشاب أفغاني بتمويل أنشطة مرتبطة بتنظيم داعش في خراسان.
النتائج
– تشير قضية توقيف المشتبه به في باريس إلى استمرار التهديدات ذات الطابع الفردي أو “الذئاب المنفردة” داخل البيئة الأوروبية، حيث تتداخل الدوافع الأيديولوجية مع سهولة الوصول إلى المحتوى المتطرف عبر الإنترنت، ما يعيد طرح تساؤلات جدية حول طبيعة المخاطر الأمنية المقبلة في فرنسا وأوروبا.
– يبدو أن النموذج الأمني الأوروبي سيواجه خلال المرحلة القادمة تحديًا متزايدًا يتمثل في صعوبة التنبؤ بالهجمات المحتملة، خاصة تلك التي لا ترتبط بشبكات تنظيمية تقليدية، بل تعتمد على أفراد يتم تجنيدهم فكريًا عبر الفضاء الرقمي. هذا التحول يفرض على الأجهزة الأمنية إعادة تقييم أدوات الرصد المبكر، ليس فقط على مستوى المراقبة التقليدية، بل كذلك عبر تحليل السلوك الرقمي والأنماط النفسية للمشتبه بهم المحتملين.
– يساهم استمرار التوترات الدولية، خصوصًا في الشرق الأوسط، في تغذية بيئة استقطاب أيديولوجي داخل بعض المجتمعات الأوروبية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع نسبي في حالات التطرف الفردي، حتى في ظل عدم وجود تنظيمات مركزية قوية على الأرض.
– من المرجح أن تتجه الحكومات الأوروبية إلى تعزيز التشريعات المتعلقة بالمحتوى الرقمي، وزيادة التعاون الاستخباراتي بين الدول الأعضاء، إلى جانب توسيع برامج الوقاية المجتمعية التي تستهدف فئات الشباب الأكثر عرضة للتأثر بالدعاية المتطرفة.
– يبقى التحدي الأساسي قائمًا في الموازنة بين متطلبات الأمن وحماية الحريات الفردية، وهو ما سيجعل ملف مكافحة التطرف أحد أكثر الملفات حساسية داخل أوروبا خلال السنوات المقبلة. وبالتالي، فإن المستقبل القريب قد يشهد تصاعدًا في الإجراءات الوقائية، يقابله استمرار في تهديدات غير متوقعة يصعب احتواؤها بشكل كامل.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=118406
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
