المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب في بريطانيا ـ هل تساهم برامج الوقاية في تقليل مخاطر التطرف؟
أحبطت شرطة مكافحة الإرهاب وأجهزة الاستخبارات البريطانية منذ بداية عام 2020، 19 هجوما في مراحلها الأخيرة، مما يعكس حجم التهديدات التي تواجه البلاد في السنوات الأخيرة. تمثل مواجهة تهديدات الدولة أكثر من 20 % من قضايا فريق مكافحة الإرهاب، وهو ما يوضح التركيز الكبير على ما يُعرف بالتهديدات المرتبطة بالدول أو الجماعات المسلحة المنظمة التي قد تؤثر على الأمن القومي البريطاني. في ظل تزايد القلق من تصاعد أنشطة الجماعات الإرهابية في أوروبا وخارجها، بما يشمل التهديدات التي تأتي عبر الإنترنت أو عبر شبكات تمويل الإرهاب العالمية. في نهاية عام 2025، كان هناك 267 شخصا رهن الاحتجاز بتهم الإرهاب والجرائم المرتبطة بالإرهاب في بريطانيا العظمى، وهو أعلى رقم منذ بدء تسجيل السجلات المماثلة، مما يعكس زيادة ملحوظة في حالات الاحتجاز والتحقيقات المتعلقة بالإرهاب، ويدل على أن أجهزة الأمن تواجه تهديدات مستمرة ومعقدة.
حالات الاعتقال المتعلقة بالإرهاب
تُظهر البيانات أن هناك 255 حالة اعتقال متعلقة بالإرهاب بين الأول من يناير 2026 و31 ديسمبر 2025، بزيادة قدرها 2 % مقارنة بالعام السابق الذي بلغ 250 حالة. ولا يشمل هذا الرقم 2779 حالة اعتقال بسبب جرائم الحظر المتعلقة بحركة فلسطين، وذلك بسبب المراجعة القضائية الجارية والاستئناف اللاحق، وهو ما يعكس تعقيدات النظام القضائي البريطاني فيما يتعلق بالجرائم السياسية والدينية المرتبطة بالإرهاب أو الجماعات المصنفة على أنها إرهابية. تم اعتقال 39 شخصا دون سن 17 عاما على صلة بتحقيقات مكافحة الإرهاب في عام 2025، بانخفاض قدره شخص واحد فقط عن 40 شخصا، وهو ما يوضح أن بعض العمليات الإرهابية تشمل فئات عمرية صغيرة، مما يطرح تساؤلات حول برامج الوقاية من التطرف للشباب والفتيان. 92 % من الذين تم اعتقالهم كانوا من الرجال والفتيان، مما يتوافق مع النمط العالمي للمشتبه بهم في القضايا الإرهابية، حيث تمثل الفئات الذكورية غالبية المشاركين في التخطيط والتنفيذ.
التهديد الإرهابي لا يزال مستمرا
تقول فيكي إيفانز، كبيرة المنسقين الوطنيين لبرنامج الوقاية والملاحقة في شرطة مكافحة الإرهاب: “إن أحدث الإحصاءات بمثابة تذكير صارخ بالتهديد المستمر للإرهاب، ومدى أهمية استمرارنا في اكتشاف وإحباط المؤامرات ضد مجتمعاتنا”. هذا التصريح يسلط الضوء على أهمية الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة الإرهاب، التي تشمل جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها بشكل مستمر، ومتابعة المتطرفين المحتملين، والعمل على منع العمليات الإرهابية قبل وقوعها. شهدنا خلال عام 2025 نتائج هامة في المحاكم، حيث صدرت أحكام بالسجن المؤبد بحق من خططوا لأبشع الهجمات، والتي أحبطتها جهود ضباط وموظفي مكافحة الإرهاب. وتعكس هذه الأحكام النهج القضائي الحازم لبريطانيا، الذي يجمع بين التحقيق الاستخباراتي والملاحقة القانونية لضمان منع الهجمات الإرهابية وحماية المجتمع.
من بين هذه النتائج إدانة ثلاثة رجال في ديسمبر 2025 إثر إحباط مخطط لمهاجمة الجالية اليهودية في مانشستر. وقد صدرت أحكامهم في يناير من العام 2026، حيث حُكم على اثنين منهم بالسجن المؤبد. يعكس هذا الواقعة كيف أن الجماعات الإرهابية لا تستهدف الأفراد بشكل عشوائي، بل غالبا ما تكون الهجمات مخططة بعناية لاستهداف جماعات دينية أو عرقية محددة، وهو ما يزيد من حساسية وتأثير مثل هذه التهديدات على النسيج الاجتماعي البريطاني. وقد أظهرت التحقيقات أن المعتقلين كانوا يستخدمون الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لتبادل المعلومات والخطط، مما يوضح مدى تعقيد التهديدات الحديثة التي تتجاوز التقليدية إلى الرقمية.
شملت قضية أخرى رجلا حُكم عليه بالسجن المؤبد مع حد أدنى 16 عاما لتخطيطه لهجوم على مسجد ومكتبة في المدينة. وتضمنت قضية إضافية ثلاثة رجال كانوا أعضاء في جماعة يمينية متطرفة على الإنترنت، ناقشوا أهدافا للمضايقات والهجمات، من بينها مساجد ومراكز تعليم إسلامي ومعابد يهودية. وحُكم عليهم مجتمعين بالسجن 29 عاما، بينما شهدت قضية أخرى حكما على رجل بالسجن 15 عاما لنشره دعاية داعش والتحريض على الإرهاب. توضح هذه القضايا تنوع التهديدات في بريطانيا، حيث تشمل التهديدات الدينية المتطرفة، والجماعات اليمينية المتطرفة، والناشطين المرتبطين بمنظمات إرهابية دولية مثل داعش.
أهمية وجود برامج شاملة للوقاية من الإرهاب
تعكس هذه الحالات أهمية وجود برامج شاملة للوقاية من الإرهاب، تشمل التعليم، والمجتمع المحلي، والمراقبة الإلكترونية، والتعاون الدولي مع أجهزة المخابرات الأخرى. وتشير التقديرات إلى أن التخطيط للعمليات الإرهابية يستغرق وقتا طويلا، وغالبا ما يتضمن عدة مراحل، من التجنيد، والتدريب، وتجهيز الأسلحة، وحتى التنفيذ، وهو ما يجعل قدرة أجهزة الأمن البريطانية على اكتشاف هذه المؤامرات وإحباطها قبل وقوعها أمرا بالغ الأهمية. بالإضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع حالات الاعتقال وإحباط المؤامرات يدل على زيادة وعي المجتمع البريطاني بمخاطر الإرهاب، وتعزيز ثقافة الإبلاغ عن السلوكيات المشبوهة، ودور وسائل الإعلام في نشر التوعية حول التهديدات الإرهابية. كما يعكس جهود الحكومة البريطانية في تحديث التشريعات المتعلقة بالإرهاب، وتقديم الدعم القانوني للأجهزة الأمنية لضمان قدرتها على مواجهة أي تهديد محتمل.
بناء على هذه البيانات والتحليلات، يمكن القول إن بريطانيا تواجه تحديات مستمرة فيما يتعلق بالإرهاب، من حيث تنوع مصادر التهديدات، وفئات المعتقلين، والأساليب المستخدمة، مع ضرورة الاستمرار في تطوير آليات الوقاية، وتعزيز التعاون الدولي، ومراجعة السياسات الأمنية بشكل دوري. وتظل محاربة التطرف والإرهاب أولوية وطنية، تتطلب الجمع بين التحقيق الاستخباراتي، والتدخل القانوني، والبرامج الاجتماعية، لضمان الأمن والسلامة لجميع المواطنين والمقيمين في المملكة المتحدة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116203
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
