خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب في الساحل الإفريقي ـ مجموعة فاغنر، تحديات وصراعات مستمرة
نشط العديد من أعضاء مجموعة فاغنر في أفريقيا منذ وفاة زعيمهم، وتُعدّ مالي من أكثر المناطق خطورة، حيث يعاني السكان من أنشطة المرتزقة الروس والجماعات المتطرفة. خلال سنوات نشاطه، قاد فاغنر ما بين 15,000 و25,000 مقاتل في أفريقيا. شنّ قائد المجموعة المرتزقة، يفغيني بريغوجين، محاولة انقلاب فاشلة ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يونيو 2023. وبعد ذلك بوقت قصير، توفي بريغوجين في حادث تحطم طائرة في روسيا، مما وضع مرتزقته في موقف صعب. فقد خُفِّضت رواتبهم أو عُلِّقت، ولم يكن واضحًا لمن سيخضعون للمساءلة في المستقبل. قام سيرغي سويغو، وزير الدفاع آنذاك، بدمج فرع فاغنر الخارجي في الجيش الروسي. وأصبحوا جزءًا مما يُسمى “فيلق أفريقيا”، التابع لوزارة الدفاع الروسية. وبقي الآلاف منهم في وسط أفريقيا، وعلى الأرجح كان العدد الأكبر منهم في مالي، حيث قاموا على ما يبدو بترويع السكان الريفيين وسط الحرب ضد المتطرفين.
منطقة الساحل في غرب أفريقيا تشكل تهديدًا
أصبحت منطقة الساحل الشاسعة في غرب أفريقيا أخطر مكان في العالم بالنسبة للمتطرفين، الذين يقتلون الآلاف. وقد لجأت الحكومات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى روسيا، بدلاً من الحلفاء الغربيين، في حربها ضد المتطرفين المرتبطين بتنظيم القاعدة أو تنظيم داعش. بحسب تقرير لوكالة أسوشيتد برس، فرّ آلاف الماليين إلى الحدود الموريتانية في خلال العام 2025 بسبب تصاعد الإرهاب في قراهم. وأفاد جميع اللاجئين بوقوع عمليات قتل عشوائية وخطف وعنف جسدي. يقول سوكرو جانسيزوغلو، ممثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يتعرض الكثير من الناس للاعتداء، وتتمزق الأسر، ولكن في بعض الأحيان يصعب تحديد الجناة المتطرفين بدقة”.
يجد السكان المدنيون أنفسهم في مأزق حقيقي، تحت ضغط الجماعات المتطرفة والفيلق الأفريقي لا سيما في المناطق النائية، في حين يتزايد تقييد وصول الصحفيين الإغاثة إلى البلاد. لم تعترف تلك المناطق علنًا بوجود فاغنر أو فيلق أفريقيا. مع ذلك، نشرت وسائل الإعلام الروسية الرسمية تقارير من مالي خلال العام 2025 تُشيد بفيلق أفريقيا لحمايته البلاد من الإرهابيين، وأكدت وزارة الخارجية الروسية أن الوحدة تعمل “بناءً على طلب السلطات المالية” في مهام المرافقة البرية وعمليات البحث والإنقاذ وغيرها من المهام.
مخاوف من تنامي الهجمات
ازدادت وتيرة الهجمات على المدنيين عندما انضم فاغنر إلى الجيش المالي الذي يعاني من نقص التمويل عام 2021، ورغم أن المجموعة لم تكن رسميًا تحت قيادة الكرملين، إلا أنها كانت على صلة وثيقة بالمخابرات والجيش الروسيين. ليس جميع جنود فيلق أفريقيا من الروس فقد أشار المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في تقرير ه خلال العام 2025 إلى أن الوحدة تجند كذلك أفراد من روسيا وبيلاروسيا ودول أفريقية. وتتركز هجماتها المشتركة على شمال مالي، التي تمتلك احتياطيات كبيرة من الذهب. عندما أعلن فاغنر انسحابه من مالي، قرر بعض اللاجئين العودة إلى ديارهم. لكن الكثيرين وجدوا أن شيئًا لم يتغير. تؤكد ذلك ليندسي فريمان، وهي مديرة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي والتي تابعت الصراع في مالي “هناك استمرارية لافتة للنظر بين فاغنر وفيلق أفريقيا من حيث الأفراد والقادة والتكتيكات وحتى الشارات”. اضافت فريمان: “بما أن فيلق أفريقيا تابع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، فإنه يُعتبر جهازًا من أجهزة الدولة الروسية بموجب القانون الدولي. وهذا يعني أن جرائم الحرب التي ارتكبها فيلق أفريقيا في مالي يمكن، من حيث المبدأ، أن تُنسب إلى الحكومة الروسية بموجب قواعد مسؤولية الدولة”.
النتائج
يمكن تقييم الوضع في الساحل الإفريقي وتأثير نشاط فاغنر وفيلق أفريقيا من خلال ثلاثة محاور رئيسية الأمن، السياسة، وحقوق الإنسان، أولاً، على صعيد الأمن، يُظهر الواقع أن دمج فاغنر في الجيش الروسي تحت مسمى فيلق أفريقيا لم يحد من أعمال العنف، بل عزز من تصاعدها في مناطق شمال ووسط مالي. وجود آلاف المرتزقة الذين يمتلكون خبرة قتالية عالية أدى إلى مزيد من القلق بين المدنيين، ما جعل منطقة الساحل واحدة من أخطر مناطق العالم بالنسبة للسكان المحليين
ثانيًا، من الناحية السياسية، تشير الأحداث إلى تراجع ثقة الحكومات العسكرية المحلية في الحلفاء الغربيين، واعتمادها المتزايد على روسيا كمورد عسكري. هذا التوجه يعزز النفوذ الروسي في غرب أفريقيا ويعيد تشكيل خريطة التحالفات الإقليمية، ما قد يؤدي إلى بروز صراعات جديدة بين القوى الدولية على النفوذ في المنطقة. مع غياب الرقابة الدولية والشفافية، تظل القرارات العسكرية والسياسية المحلية عرضة للتأثير المباشر من روسيا، ما يضع المنطقة في وضع هش ومعرض للتقلبات المفاجئة.
ثالثًا، على الصعيد الإنساني، الأزمة الإنسانية في مالي تتفاقم بشكل كبير. النزوح الجماعي إلى موريتانيا وانتهاكات حقوق الإنسان المتكررة أسفرت عن فقدان آلاف المدنيين لمصادر أمنهم الشخصي. استمرار الإرهاب والتطرف وغياب الاستجابة الدولية الفاعلة يجعل من الصعب استقرار السكان وإعادة بناء المجتمع المدني. كما أن صعوبة وصول فرق الإغاثة إلى المناطق النائية تزيد من تعقيد مراقبة الانتهاكات وتقديم المساعدات الإنسانية.
من المتوقع أن تستمر الأزمة ما لم يحدث تدخل دولي جاد، سواء عبر ضغوط سياسية على الحكومات المعنية أو من خلال آليات حماية حقوق الإنسان. مع بقاء فيلق أفريقيا تحت إشراف وزارة الدفاع الروسية، هناك احتمال كبير لتورط روسيا بشكل مباشر في أي تصعيد مستقبلي، ما قد يوسّع نطاق النزاعات ويجعل الحلول الدبلوماسية أكثر صعوبة. علاوة على ذلك، من المرجح أن يزداد الاعتماد المحلي على المرتزقة والقوى الخارجية، ما يعمق الانقسامات داخل المجتمعات المحلية ويطيل أمد الصراع.
يعد استمرار نشاط فاغنر وفيلق أفريقيا يعكس فشلًا أمنيًا وسياسيًا وإنسانيًا متراكماً، وغياب الشفافية والرقابة الدولية يزيد من صعوبة الوصول إلى حلول مستدامة. دون تدخل فعّال، ستظل مالي ومناطق الساحل الغربية عرضة للتوترات، مع استمرار معاناة المدنيين وانتشار النفوذ الروسي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112625
