المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب في أوروبا ـ لماذا تتزايد التحذيرات من نشاط الجماعات المرتبطة بإيران؟
لا تزال المخاوف الأوروبية قائمة بشأن الأنشطة التي تنفذها الشبكات المرتبطة بطهران داخل أوروبا. وتتصاعد الدعوات إلى تشديد الإجراءات الأمنية والعقوبات لمنع هذه الشبكات من إعادة بناء قدراتها المالية واللوجستية والإرهابية.
مع انهيار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء العمل بمذكرة التفاهم (MOU)، تسود حالة كبيرة من عدم اليقين بشأن ما سيحدث لاحقًا. لكن عندما تعود الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات، هناك أمر يبدو واضحًا؛ فمن غير المرجح أن توافق طهران على فرض أي قيود على دعمها لوكلائها وشركائها، بما في ذلك حزب الله، والحوثيون، وحركة حماس. ورغم أن ذلك ليس مفاجئًا، فإنه يُنذر بمستقبل غير مستقر في الشرق الأوسط. كما يُمثل ذلك أخبارًا سيئة لأوروبا، حيث ينشط أفراد وجماعات مرتبطة بإيران في التخطيط لهجمات، وجمع الأموال، وشراء الأسلحة. ويتعين على الحكومات الأوروبية تكثيف جهودها لجعل أراضيها بيئة أكثر عدائية أمام نشاط هذه الشبكات. ويُعد ذلك ضروريًا لمنع هذه الجماعات من إعادة بناء قدراتها المالية والإرهابية والتسليحية، وهي أولوية يُرجح أن تحظى باهتمام كبير من جانب طهران.
أنشطة إيران في أورويا
كانت إيران نشطة بشكل خاص خلال العام 2026 في إثارة الاضطرابات على الأراضي الأوروبية. فقد ظهرت منظمة جديدة تُدعى حركة أصحاب اليمين (Harakat Ashab al-Yamin al-Islamiyah – HAYI) في الأيام الأولى من الحرب، ونفذت سلسلة من الهجمات استهدفت أهدافًا في أنحاء أوروبا. وسرعان ما اعتمدت الحركة على تجنيد شبان، معظمهم من ذوي السوابق الجنائية البسيطة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي لاستهداف مواقع يهودية في المملكة المتحدة، وهولندا، وبلجيكا، وفرنسا، ودول أخرى. كما نفذ فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، ووزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية (MOIS)، خلال السنوات الأخيرة عددًا من المخططات الإرهابية في العديد من هذه الدول، ونفذتا أو خططتا لعمليات متعددة. ويمتلك حزب الله سجلًا طويلًا من الأنشطة الإرهابية في أوروبا، أبرزها تفجير حافلة في بلغاريا عام 2012 الذي أسفر عن سقوط قتلى، إضافة إلى إحباط العديد من المخططات الأخرى قبل تنفيذها. أما حركة حماس، فتُعد لاعبًا أحدث نسبيًا في ساحة العمليات الأوروبية، إذ كان نشاطها يتركز تقليديًا في إسرائيل وقطاع غزة والضفة الغربية. وبعد فترة وجيزة من هجمات السابع من أكتوبر من العام 2023، اعتقلت السلطات الألمانية والدنماركية عناصر من حماس كانوا يعملون على إنشاء مخازن للأسلحة داخل أوروبا. وفي العام 2025، وُجهت اتهامات إلى عناصر آخرين من الحركة بالتخطيط لتنفيذ هجمات في أوروبا بالتزامن مع الذكرى السنوية لهجمات السابع من أكتوبر.
أوروبا مناطق عمليات محتملة لتنفيذ هجمات إيرانية
حذر المدعي العام الاتحادي الألماني من هذا التهديد الجديد، مؤكدًا أن ألمانيا ودولًا أوروبية أخرى “باتت تُنظر إليها بشكل متزايد بوصفها مناطق عمليات محتملة لتنفيذ هجمات”، وذلك باستخدام عناصر يحملون جنسيات أوروبية، مما يسمح لهم بالتنقل بحرية. كما شكلت أوروبا مركزًا رئيسيًا لجمع الأموال لصالح الوكلاء المرتبطين بإيران، ولا سيما حركة حماس. فقد أنشأت الحركة شبكة من الجمعيات الخيرية في أوروبا تُقدم نفسها باعتبارها منظمات إنسانية، لكنها تُحوِّل الأموال لدعم أنشطتها. وكما قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت خلال العام 2026: “تواصل حماس تمويل جناحها العسكري من خلال استغلال جمعيات خيرية وهمية لدعم أنشطتها.” وكانت أوروبا مصدرًا مهمًا للتكنولوجيا بالنسبة للوكلاء المرتبطين بإيران، وخاصة حزب الله. فقد سعى الحزب إلى الحصول على تقنيات أوروبية لتطوير قدراته في مجال الطائرات المُسيَّرة المستخدمة في حملته العسكرية ضد إسرائيل. وفي عام 2025، تمكنت السلطات الأوروبية من تفكيك شبكة واسعة النطاق لتوريد المعدات لصالح حزب الله، كانت تنشط في إسبانيا وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة. وذكر الادعاء العام أن شركات مرتبطة بالحزب كانت تحصل على مكونات للطائرات المُسيَّرة، بما في ذلك المحركات، والمواد الكيميائية، والأنظمة الإلكترونية، لاستخدامها في استهداف إسرائيل.
خطوات لمواجهة التهديد الإيراني
يُحسب للحكومات الأوروبية أنها اتخذت بالفعل بعض الخطوات لمواجهة التهديد الإيراني المتصاعد. فإلى جانب القضية متعددة الدول المتعلقة بشبكات الطائرات المُسيَّرة، باشرت عدة حكومات أوروبية منذ هجمات السابع من أكتوبر ملاحقات قضائية ضد شبكات تمويل حماس، وهو ما يُمثل تحولًا ملحوظًا مقارنةً بترددها السابق في هذا المجال. كما صنف الاتحاد الأوروبي خلال العام 2026 الحرس الثوري الإيراني، الذي يُعد الذراع الرئيسية لإيران في إدارة شبكاتها وأنشطتها الإرهابية حول العالم، منظمة إرهابية. وانضمت عدة دول أوروبية إلى بيان قادته الولايات المتحدة لإدانة إيران بسبب تورطها في التخطيط لهجمات إرهابية على مستوى العالم. ورغم أهمية هذه الخطوات، فإن هناك حاجة إلى إجراءات إضافية. فعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، ينبغي توسيع نطاق العقوبات بصورة كبيرة ليشمل، إلى جانب التنظيمات الإرهابية نفسها، الشركات الوهمية المرتبطة بإيران، والجمعيات الخيرية، والممولين، وشبكات الصرافة المالية. كما ينبغي منح اليوروبول (Europol)، وكالة إنفاذ القانون التابعة للاتحاد الأوروبي، صلاحيات أوسع لتنسيق التحقيقات المعقدة العابرة للحدود.
يتعين على الحكومات الأوروبية تعزيز الموارد المخصصة لأجهزة الاستخبارات، وآليات العقوبات، وأجهزة إنفاذ القانون، لمواجهة هذه الشبكات الإيرانية المعقدة والخطيرة. كما ينبغي عليها تبني إجراءات أكثر صرامة تجاه طهران، بما في ذلك طرد ضباط الاستخبارات الإيرانيين، وإغلاق البعثات الدبلوماسية الإيرانية. وحتى إذا خففت الولايات المتحدة سياسة “الضغط الأقصى” على إيران، ينبغي للدول الأوروبية مقاومة إغراء السير في الاتجاه نفسه. ولن يكون ذلك سهلًا، في ظل حالة الاستياء الواسعة داخل أوروبا تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ ترى بعض الأوساط الأوروبية أن تصاعد مستوى التهديد الإيراني جاء نتيجة الحرب التي اندلعت دون التشاور مع الحلفاء الأوروبيين.
ينبغي لأوروبا أن تتعامل مع هذه القضية من منظور استراتيجي، وأن تواصل البناء على الإجراءات التي اتخذتها بعد السابع من أكتوبر لمحاسبة إيران على سلوكها، وجعل استعادة شبكاتها لنشاطها وقدراتها أكثر صعوبة. وسيكون ذلك عاملًا أساسيًا ليس فقط لتحقيق الاستقرار طويل الأمد في الشرق الأوسط، وإنما لتعزيز أمن المواطنين الأوروبيين.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=121356
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

