المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب ـ كيف أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل أنماط التطرف؟
تعزز النشاط المتزايد للجماعات الأيديولوجية الثلاث بأشكال جديدة من العنف المتطرف، بعضها مدفوع بشكل أساسي بعنصر قوي على الإنترنت. أحد هذه الأشكال هو التطرف التآمري أو المناهض للحكومة، والذي يتجلى في جماعات مثل حركة “رايخسبورغر” الألمانية، التي ترفض النظام السياسي القائم رفضا قاطعا وتسعى إلى تقويضه. كما يعد العنف المتطرف العدمي قضية ناشئة، وتجري حاليا أول قضية قضائية ضد أحد مرتكبي هذا النوع في هامبورغ، ألمانيا. وتركز هذه الشبكة الدولية غير المنظمة على الترويج لإيذاء النفس وإلحاق أذى جسيم بالآخرين، مع رؤية عالمية تظهر رفضا عميقا للنظام السياسي والاجتماعي القائم وتشجع على ارتكاب الأعمال الإجرامية. ولأن هذه البيئة مدفوعة بالروابط الفردية عبر الإنترنت، دون وجود هياكل قيادة وسيطرة واضحة، فإن اكتشافها يمثل تحديا لأجهزة الأمن. وبالتالي، يمكن للمجرمين العمل لفترات طويلة قبل اكتشافهم.
من بين أكثر الظواهر المقلقة في الآونة الأخيرة تصاعد العنف المتطرف الفردي. فغالبا ما يجمع المهاجمون بين روايات متطرفة مختلفة ومظالم شخصية في رؤية عالمية فردية تتجاوز التيارات الأيديولوجية المعروفة. وغالبا ما يعمل هؤلاء الفاعلون بمفردهم، ويحتاجون إلى الحد الأدنى من الدعم اللوجستي، ويمكنهم تنفيذ هجمات دون سابق إنذار. وقد كان هذا هو الحال مع الهجوم الإرهابي الذي استهدف سوق عيد الميلاد عام 2024 في ماغديبورغ بألمانيا، حيث جمع منفذه بين آراء معادية للإسلاميين بشدة وكراهية متأصلة تجاه مجموعة من المسؤولين والمؤسسات الألمانية، دون أن يكون مرتبطا بأي شبكة أو بيئة أيديولوجية أوسع.
التطرف الرقمي أداة فعالة
تُعزى هذه الظواهر المتطرفة إلى بيئة وسائل التواصل الاجتماعي الحالية، التي تتيح التواصل الفوري والمجاني والدولي، مما يقلل التكاليف التشغيلية للأفراد والجماعات والشبكات العنيفة. وفي الوقت نفسه، فإن طبيعة خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، المصممة لزيادة تفاعل المستخدمين إلى أقصى حد، وبالتالي تعميق فقاعات المعلومات الشخصية، تسرع من وتيرة التطرف. حتى الآن، لم يحظ هذا النوع من التهديدات بالاهتمام الكافي. ففي مختلف أنحاء أوروبا، تواجه أجهزة الأمن تحديا يتمثل في الموازنة بين الكفاءة التشغيلية وحماية البيانات الشخصية والحقوق الأساسية. على سبيل المثال، تناقش النمسا حاليا مسألة معقدة تتعلق بقدرات مراقبة تطبيقات المراسلة، بما في ذلك تتبع الرسائل المشفرة، حيث تعيق التحديات السياسية والقانونية المقترحات الرامية إلى تطوير هذه القدرات.
تعتزم ألمانيا توسيع قدرات أجهزة الأمن والاستخبارات لديها، مع التركيز على تعزيز قدراتها السيبرانية. ولكن إذا كان الماضي مؤشرًا، فستواجه هذه التحسينات المخطط لها مقاومة شديدة. حتى أن آخر إصلاح قانوني لأجهزة الأمن والاستخبارات الألمانية واجه تحديات في المحكمة الدستورية الألمانية، مما أدى إلى فرض تدابير جديدة ومقيدة لحماية البيانات. والقائمة تطول. في ضوء هذا النمط، من غير المرجح أن تمنح أجهزة الأمن والاستخبارات الأوروبية القدرات التقنية اللازمة لمراقبة بيئة البيانات الضخمة الحالية بفعالية، على الأقل على المدى القصير إلى المتوسط. كما أن المراقبة المكثفة ليست مرغوبة بالضرورة، نظرًا للانتهاك الجسيم للحقوق الأساسية الذي قد تترتب عليها. بل إن الجمع بين ترقية القدرات وآلية فعالة وملزمة قانونا للتعاون مع مزودي المنصات هو الطريقة الأكثر كفاءة للمضي قدما.
ما يجب على أوروبا فعله؟
يمثل استمرار وتطور التهديدات الإرهابية التي تواجه أوروبا تحديا واضحا للسلطات القارية. ويتطلب التصدي لها من الحكومات الأوروبية بشكل فردي وجماعي اتخاذ سلسلة من الخطوات الملموسة. أولا، يجب على أوروبا تعزيز قدراتها الأمنية الداخلية. ينبغي زيادة الموارد المخصصة لأجهزة الأمن والاستخبارات لتمكين توسيع نطاق الموارد البشرية والتقنية. كما ينبغي أن تشمل الزيادات في الإنفاق الدفاعي الأوروبي، الجارية حاليا في إطار العلاقة الجديدة المتوترة بين أوروبا والولايات المتحدة، استثمارات مستدامة في الاستخبارات وإنفاذ القانون والبنية التحتية لمكافحة الإرهاب.
ثانيا، يتعين على الحكومات الأوروبية تحديث أطرها التحليلية. فقد أدى تصاعد حوادث معاداة السامية في أوروبا، وتنوع الأيديولوجيات المتطرفة، إلى خلق بيئة تهديد أكثر تعقيدا، حيث أصبحت النماذج التقليدية التي تصنف التهديدات المتطرفة وفقًا لخطوط أيديولوجية جامدة غير كافية على نحو متزايد. لذا، بات من الضروري إجراء إصلاحات إدارية لضمان اتباع نهج أكثر مرونة وفعالية، قادرة على التعامل بشكل أفضل مع الأفكار الجديدة، والتحالفات الأيديولوجية المؤقتة، والتطرف بأشكاله المختلفة. ومن الواضح أن النهج التقليدية لم تعد كافية.
ثالثا، تحتاج الدول الأوروبية إلى تعزيز تعاونها الاستخباراتي. تضم منطقة الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة 28 حكومة مستقلة، بالإضافة إلى عدد كبير من أجهزة الأمن والاستخبارات الوطنية المختلفة. تتوفر إمكانيات مالية وبشرية وتقنية هائلة، لكنها موزعة بين الأنظمة الوطنية. ومع ذلك، فإن التهديدات الإرهابية والتطرف العنيف عابرة للحدود بطبيعتها، وتتطلب تعاونا أوثق بين مكونات أوروبا. من الضروري تكثيف تبادل المعلومات والتعاون، في حين أن تقاسم الأعباء في مجالات مثل المراقبة والكشف عبر الإنترنت، فضلا عن التحقيقات المشتركة، من شأنه أن يمكن السلطات في جميع أنحاء القارة من استخدام مواردها بكفاءة أكبر.
رابعا، يجب على أوروبا وضع أطر تعاون إلزامية مع مزودي منصات التكنولوجيا. فهذه الكيانات أساسية؛ إذ إنها تنتج وتدير بيئة البيانات الضخمة الحالية. وقد برز الفضاء الإلكتروني كساحة معركة رئيسية لمكافحة التطرف العنيف والإرهاب. ومع ذلك، لا يلزم القانون هذه الكيانات التجارية عموما بالتعاون الاستباقي مع أجهزة الأمن والاستخبارات الأوروبية في الوقت الراهن. وللأسف، أثبت التعاون الطوعي القائم على المسؤولية الاجتماعية للشركات عدم جدواه. ثمة حاجة إلى آليات قانونية لإلزام المنصات بتحديد التهديدات الموثوقة ومؤشرات التطرف والإبلاغ عنها، تماما كما توجه هذه المتطلبات حاليا عمل القطاع المالي فيما يتعلق بالمعاملات المشبوهة. باختصار، يجب إلزام الجهات المسؤولة عن البيانات بضمان عدم تسببها في أي ضرر.
نافذة من الفرص
إن التحديات الأمنية التي تواجه أوروبا حاليا متعددة الأوجه ومعقدة ومتطورة. ومع ذلك، لا يعني هذا أنه لا يمكن معالجتها بفعالية وكفاءة أكبر. لكن القيام بذلك سيتطلب إصلاحا شاملا للأنظمة القانونية والمالية والإدارية والتقنية القائمة. إن النقاشات الأوروبية المعاصرة حول الدفاع والأمن مدفوعة بعوامل مثل العدوان الروسي وتزايد حالة عدم اليقين في العلاقات عبر الأطلسي. لا شك أن هذه ديناميكيات معقدة، لكنها في الوقت نفسه تتيح فرصة لإعادة النظر في كيفية استجابة أوروبا للتهديد المستمر الذي يمثله التطرف العنيف والأيديولوجيات التخريبية. وكما أوضح المستشار الألماني فريدريش ميرز خلال كلمته الافتتاحية في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، يجب على أوروبا الحفاظ على قيمها، وحماية حريتها، والبناء على نقاط قوتها. ولا ينبغي للقارة أن تضيع هذه الفرصة التي تتيحها هذه اللحظة.
النتائج
تشير المعطيات إلى أن أوروبا تدخل مرحلة أمنية أكثر تعقيدا تتسم بتداخل التطرف الأيديولوجي مع الفضاء الرقمي، حيث لم تعد التهديدات محصورة في تنظيمات هرمية تقليدية، بل أصبحت تتشكل داخل شبكات مرنة ولامركزية تعتمد على الإنترنت كبيئة حاضنة رئيسية.
من المتوقع أن يزداد حضور هذا النمط من التطرف، خصوصا مع توسع ظاهرة “الفاعلين الفرديين” الذين يجمعون بين روايات متناقضة ومظالم شخصية، ما يجعل سلوكهم الأمني أقل قابلية للتنبؤ وأكثر صعوبة في الاكتشاف المبكر.
على المدى القريب، ستواجه الأجهزة الأمنية الأوروبية ضغطا متزايدا لتطوير أدواتها السيبرانية وتحليل البيانات الضخمة، في محاولة لمواكبة تسارع المحتوى المتطرف عبر المنصات الرقمية. غير أن هذا التطور سيبقى مقيدا بإطار قانوني صارم في أوروبا يوازن بين الأمن وحماية الحقوق الأساسية، ما سيخلق فجوة مستمرة بين القدرات التقنية المطلوبة والقيود القانونية المفروضة.
في المقابل، من المرجح أن تتجه السياسات الأوروبية نحو تعزيز نموذج “الأمن التشاركي” الذي يقوم على دمج الجهود بين الدول الأعضاء، وتكثيف تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوحيد آليات الاستجابة. غير أن استمرار التباين بين الأنظمة الوطنية سيحد من سرعة تحقيق هذا التكامل، ما يترك مساحة للتهديدات العابرة للحدود للاستفادة من هذه الفجوات المؤسسية.
كما ستبرز منصات التكنولوجيا الرقمية كفاعل محوري في منظومة الأمن المستقبلية، حيث يتوقع أن يتزايد الضغط السياسي والقانوني لإلزامها بالتعاون المباشر في رصد المحتوى المتطرف والإبلاغ عنه، وهو تحول قد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والقطاع الرقمي.
على المدى البعيد، قد تؤدي هذه التحولات إلى إعادة صياغة شاملة لمفهوم الأمن الأوروبي، بحيث يصبح أكثر اعتمادا على التحليل الاستباقي والذكاء الاصطناعي والتكامل المؤسسي. ومع ذلك، سيظل التحدي الأساسي هو إيجاد توازن مستدام بين حماية الأمن العام وصون الحريات الفردية، وهو توازن سيحدد إلى حد كبير فعالية الاستجابة الأوروبية للتطرف في المستقبل.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=117231
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
