خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ كيف ينعكس التطرف اليساري على أمن البنية التحتية؟
تسبب انقطاع التيار الكهربائي، عقب هجوم حريق متعمد، في شلّ أجزاء من برلين. وقد أعلن وزير الداخلية الألماني، ألكسندر دوبريندت، عن إجراءات تستهدف المتطرفين اليساريين والناشطين المناخيين الراديكاليين. لعدة أيام، ساد الظلام الدامس جنوب غرب برلين بسبب قيام متطرفين يساريين مشتبه بهم بتنفيذ هجوم على نقطة حيوية في شبكة الكهرباء بالعاصمة الألمانية. انقطع التيار الكهربائي عن حوالي 100 ألف شخص. وقد دفع هذا وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبريندت إلى الإعلان عن نهج أكثر صرامة.
دوبريندت، المزيد من الموظفين، المزيد من القدرات الرقمية
يعتزم السياسي المحافظ تشديد موقفه، إذ صرّح دوبريندت لصحيفة “بيلد أم زونتاغ”: “نحن نقاوم، ولن نتنازل عن الساحة للمتطرفين اليساريين والمتطرفين المناخيين”. ويُعدّ الأمن أولوية قصوى، ولتحقيق ذلك، ينبغي زيادة عدد الأفراد، ومنح صلاحيات رقمية أوسع، وتشديد قوانين حماية البنية التحتية. ستتلقى أجهزة الاستخبارات المزيد من الأفراد، كما سيُسمح لها بتتبع الآثار الرقمية بسرعة أكبر لتسليط الضوء بشكل أفضل على المشهد اليساري المتطرف. ولم يُقدّم دوبريندت أي أرقام أو تفاصيل محددة.
لا يوجد إنترنت، ولا تغطية لشبكة الهاتف المحمول، ولا تدفئة
أدى هجومٌ متعمدٌ على جسرٍ معلقٍ فوق قناة تيلتو في يناير 2025 إلى انقطاعٍ تامٍ للتيار الكهربائي في أربع مناطق بجنوب غرب برلين. وانقطعت الكهرباء عن 45 ألف منزل و2200 شركة. وتوقفت إشارات المرور والإنترنت والهواتف المحمولة عن العمل. وفي ظل درجات حرارةٍ متجمدة، تعطلت أنظمة التدفئة في العديد من المنازل بسبب انقطاع الكهرباء الذي منع المضخات من العمل. أعلنت مدينة برلين حالة طوارئ كبرى، وأقامت ملاجئ طوارئ، وطلبت المساعدة من القوات المسلحة الألمانية. واستغرق الأمر وقتًا لإعادة توصيل جميع المنازل المتضررة بشبكة الكهرباء، وفي بعض الحالات باستخدام حلول مؤقتة.
في رسالة تبنّت فيها المسؤولية، أعلنت إحدى جماعات “البركان” اليسارية المتطرفة مسؤوليتها عن هجوم العاشر من يناير 2025. ويُزعم أن أعضاء هذه الجماعة نفّذوا مرارًا وتكرارًا هجمات حرق متعمد على البنية التحتية العامة، لا سيما في برلين وولاية براندنبورغ المجاورة، منذ عام 2011. وفي هذه القضية، تولّى مكتب المدعي العام الاتحادي في كارلسروه التحقيق.
تحذير من النقابات العمالية
يحذر فولكر غاير، رئيس اتحاد موظفي الخدمة المدنية الألمانية (DBB)، قائلاً: “ما حدث في برلين قد يحدث في أي مكان آخر وفي أي وقت في كولونيا، في شتوتغارت، في ميونيخ”. وصرح لصحيفة “راينيشه بوست” بضرورة مراجعة آليات الرقابة واللوائح المنظمة لمشغلي البنية التحتية الحيوية، والتي تشمل المنشآت التي قد يؤدي تعطلها إلى حالات طوارئ. يناقش البرلمان الألماني (البوندستاغ) إصلاحًا للوائح القانونية المتعلقة بحماية البنية التحتية الحيوية. وبحسب اقتراح حكومة التحالف بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD) والاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU)، سيُلزم مشغلو هذه البنية بالإبلاغ عن الحوادث ووضع خطط لإدارة جميع المخاطر المحتملة. كما تدعو رابطة المدن الألمانية إلى إنشاء “احتياطي وطني للتيار الكهربائي” يتألف من محطات طاقة متنقلة. دعا رئيس اتحاد الشرطة الألمانية، يوشين كوبلكه، في مقابلة مع موقع “ذا بايونير” الإخباري، إلى إنشاء صندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو. وبحسب اقتراحه، يُفترض أن يُموّل هذا الصندوق الأفراد والمعدات لمدة عشر سنوات لتعزيز حماية البنية التحتية الحيوية، مثل منشآت الطاقة والكابلات البحرية.
هل يمكن لضباط الشرطة حماية شبكة الكهرباء؟
انتقد فرع برلين لنقابة الشرطة الألمانية (DPolG) بشدة تكليف ضباط الشرطة في العاصمة بحراسة خطوط الكهرباء، حيث جاء في بيان أصدرته النقابة: “من المفترض أن يحمي ضباط الشرطة البنية التحتية الحيوية لبرلين بعد الهجوم الإرهابي على شبكة الكهرباء في زيلندورف، وهذا يضع شرطة برلين تحت ضغط هائل”. أوضحت نقابة الشرطة الألمانية (DPolG): “سيُضطر عدد كبير من الضباط إلى حماية خطوط الكهرباء العلوية. ومن المقرر تسيير دوريات في المنطقة التي كانت تعاني من انقطاع التيار الكهربائي، كما أن الوضع الذي يُعاني منه الضباط لحماية المباني يُلقي بعبء إضافي علينا”. ووصف رئيس النقابة، بودو بفالزغراف، هذا الإجراء بأنه “نشاط مفرط وغير مُجدٍ ذو دوافع سياسية”. أما الشرطة، فهي “عاجزة عن الكلام”.
النتائج
تكشف أزمة انقطاع التيار الكهربائي في برلين عن تحوّل نوعي في طبيعة التهديدات التي تواجه ألمانيا في المرحلة المقبلة. فالهجمات التي تستهدف البنية التحتية الحيوية لم تعد سيناريوهات افتراضية ضمن خطط الطوارئ، بل باتت واقعًا عمليًا يفرض إعادة صياغة مفهوم الأمن الداخلي. ومن المرجّح أن تدفع هذه الحادثة الحكومة الألمانية إلى تسريع إصلاحات تشريعية تمنح أجهزة الاستخبارات والشرطة صلاحيات أوسع في المراقبة الرقمية والتدخل الوقائي، بما يعيد فتح الجدل حول التوازن بين الأمن والحريات المدنية.
من امتوقع أن تتجه ألمانيا إلى تعزيز حماية منشآت الطاقة والاتصالات عبر مزيج من الحلول التقنية والعسكرية. ويبدو أن فكرة إنشاء احتياطي وطني للتيار الكهربائي ومحطات متنقلة للطوارئ ستتحول إلى ركيزة أساسية في التخطيط الاستراتيجي، خصوصًا مع تصاعد المخاوف من هجمات مشابهة قد تستهدف مدنًا أخرى. كما يُتوقع أن تتوسع مشاركة القوات المسلحة في دعم السلطات المدنية عند وقوع أزمات كبرى، بما يرسّخ نمطًا جديدًا من “الأمن الهجين” داخل المجال الحضري.
من المحتمل أن تواجه الحكومة تحديًا متزايدًا في إدارة التوتر السياسي الناتج عن ربط الاحتجاجات المناخية بالتطرف الأمني. فالتشدد في التعامل مع الناشطين الراديكاليين قد يؤدي إلى تصعيد الاحتقان الاجتماعي، وربما يدفع بعض الحركات إلى مزيد من السرية والتطرف. وفي هذا السياق، ستسعى الدولة إلى بناء أدوات استخباراتية أكثر دقة لرصد التهديدات دون توسيع دائرة الاشتباه على نطاق واسع.
من المرجح أن تؤدي الضغوط على الشرطة إلى إعادة توزيع الأدوار الأمنية، مع تصاعد الدعوات لإنشاء وحدات متخصصة لحماية البنية التحتية الحيوية. وبذلك، قد تمثل أزمة برلين بداية مرحلة تعيد فيها ألمانيا تعريف أولويات أمنها الداخلي، حيث تصبح شبكات الطاقة والاتصالات في صدارة معادلة الاستقرار الوطني.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=113523
