خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ كيف أصبح تخريب البنية التحتية هدفًا للجماعات المتطرفة؟
تسبّب هجوم يُشتبه في أنه متعمد في انقطاع واسع النطاق للتيار الكهربائي في برلين منذ الثالث من يناير 2025، في إثارة قلق السلطات الأمنية والسكان على حد سواء. وقد ظهرت رسالة تزعم مسؤولية جماعة يسارية متطرفة عن الهجوم، وهو ما اعتبرته السلطات احتمالًا واردًا، بينما لا يزال العديد من السكان المتضررين بدون كهرباء حتى الرابع من يناير 2025. تعتقد الشرطة أن الانقطاع على نطاق واسع قد يكون بالفعل نتيجة هجوم حريق متعمد، وهو ما يشير إلى أن البنية التحتية الحيوية للعاصمة الألمانية قد أصبحت هدفًا واضحًا لجهات متطرفة تسعى لإلحاق أضرار جسيمة.
أعلنت جماعة “فولكانو” اليسارية مسؤوليتها عن الحريق الذي اندلع بالقرب من محطة توليد الطاقة في جنوب غرب العاصمة. وحصلت rbb على نسخة من الرسالة التي تضمنت تفاصيل تسلسل الأحداث، ما جعل بعض الخبراء الأمنيين يعتبرونها ذات مصداقية نسبية. بحسب خبير مكافحة الإرهاب مايكل غوتشنبرغ، فإن الرسالة “تُعد معقولة في الأوساط الأمنية”، مشيرًا إلى أن أسلوب التنفيذ الموصوف يتوافق مع هجمات سابقة استهدفت محطات توليد الطاقة في برلين والمناطق المحيطة بها.
ما المعروف عن “المجموعة البركانية” ـ اليسارية؟
تمتلك السلطات الأمنية معلومات عن “مجموعة فولكانو” منذ سنوات. ووفقًا لمكتب حماية الدستور الألماني، تأسست المجموعة عام 2011، وقد خضعت للتحقيق عدة مرات خلال السنوات الماضية، بما في ذلك أعوام 2011 و2013 و2018 و2019 و2024. يوضح خبير الأمن فيليكس نيومان، من مؤسسة كونراد أديناور، أن “هذه المجموعة تنتمي إلى أقصى اليسار”، مشيرًا إلى أن تحليل الرسائل السابقة التي تبنتها الهيئة الاتحادية لحماية الدستور يظهر أن المجموعة ذات توجه فوضوي، وتركز بشكل أساسي على قضايا تغير المناخ وأزمة البيئة.
لا يزال عدد أعضاء “مجموعة فولكانو” غير محدد بدقة، ويقول نيومان: “لا توجد معلومات موثوقة بشأن أعداد الأعضاء أو الهياكل الداخلية”. ومع ذلك، تعتقد السلطات أنها مجموعة صغيرة نسبيًا، تنشط بشكل رئيسي في برلين وبراندنبورغ، وتشمل أهدافها الأساسية قنوات الكابلات، ومنشآت الراديو، وخطوط الكهرباء، وهو ما يعكس استراتيجية ممنهجة للتأثير على البنية التحتية الحيوية للمدينة.
سجل الهجمات السابقة
تُظهر الأحداث السابقة نمطًا واضحًا في استهداف البنية التحتية. ففي مارس 2018، نفّذت المجموعة هجومًا متعمدًا بإحراق خطوط نقل الطاقة ذات الجهد العالي في برلين شارلوتنبورغ. ثم وقع حادث مماثل في عام 2020، عندما اندلعت النيران في قناة كابلات في العاصمة، وقد تبنت المجموعة المسؤولية لاحقًا في كلتا الحالتين. لكن الحادثة الأكثر شهرة وقعت في 5 مارس 2024، حين أعلنت المجموعة مسؤوليتها عن هجوم حريق متعمد على عمود كهرباء بالقرب من مصنع تسلا العملاق في غرونهايد بولاية براندنبورغ. أدى الهجوم إلى انقطاع التيار الكهربائي عن المصنع، ما تسبب في توقف الإنتاج مؤقتًا وأثار تداعيات اقتصادية كبيرة. ووفقًا لتقرير مكتب برلين لحماية الدستور لعام 2019، تهدف “مجموعة فولكانو” إلى الكشف عن نقاط الضعف في البنية التحتية للمدينة والتسبب في أضرار مادية كبيرة، وهو ما يعكس توجهًا ممنهجًا للتخريب، وليس مجرد عمليات فردية عشوائية.
هجوم مماثل على شبكة الكهرباء العام 2025
ليست هذه الحوادث الأولى التي تتعرض فيها برلين لانقطاع واسع للتيار الكهربائي نتيجة هجمات متعمدة. ففي سبتمبر 2025، تسبب قصف حارق لعمود كهرباء في حي تريبتو كوبينيك في اضطرابات واسعة، حيث انقطع التيار الكهربائي مؤقتًا عن نحو 50 ألف منزل ومنشأة تجارية. واستغرق استعادة التيار الكهربائي بالكامل حوالي 60 ساعة، ما أبرز هشاشة بعض مكونات البنية التحتية الحيوية أمام الهجمات التخريبية.
ترى السلطات أن عواقب انقطاع التيار الكهربائي الحالي أشد خطورة من تلك التي وقعت العام 2025. ففي جنوب غرب برلين، لا يزال عدد كبير من السكان بدون كهرباء، فيما تم إنشاء مراكز إيواء طارئة لتقديم المساعدة للسكان الأكثر تضررًا. وأوضح مسؤولون أن توفير إمدادات الطاقة البديلة واستعادة الكهرباء إلى جميع المنازل قد يستغرق عدة أيام، خاصة في المناطق التي تأثرت بشدة، ما يعكس مدى تعقيد التعامل مع هذه الهجمات على مستوى التخطيط الطارئ والإغاثة.
تأثير الهجمات على البنية التحتية
وفقًا للمكتب الاتحادي لحماية الدستور، لا يُراعي المتطرفون اليساريون مصالح الركاب والمارة في هجماتهم على مرافق البنية التحتية الحيوية. ويُشير المكتب إلى أن هذا يتضح من خلال الهجمات على إمدادات الطاقة وخدمات السكك الحديدية في الأشهر والسنوات الأخيرة. ووفقًا لإحصاءات الشرطة، سُجِّلت نحو 300 جريمة ذات دوافع سياسية ضد شركات النقل أو وسائل النقل العام 2024.
خلص المكتب الاتحادي إلى أن “شركة السكك الحديدية الألمانية تأثرت بشكل خاص بالهجمات المتطرفة اليسارية لسنوات”، على الرغم من أنه لم يُعلّق على التحقيقات في الهجمات الأخيرة على خطوط السكك الحديدية. في المجمل، سجّلت الشرطة 524 جريمة بدوافع سياسية مشتبه بها، موجّهة ضد البنية التحتية على مستوى البلاد في عام 2024. ووفقًا للإحصاءات، بلغ العدد 823 جريمة في عام 2023. وفي عام 2021 (337 جريمة) وعام 2022 (475 جريمة)، كان العدد أقل بكثير.
شبكات البيانات ومحطات الطاقة هي أيضًا أهداف
وفقًا لإحصاءات الشرطة، سُجِّلت 35 جريمة ذات دوافع سياسية العام 2024 استهدفت شبكات البيانات أو البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات. واستهدفت 281 جريمة مرافق الطاقة أو منشآت التزويد بالطاقة. وسجّلت الشرطة “البنية التحتية” كهدف لـ 131 جريمة. كما سُجِّلت 106 جرائم استهدفت محطات توليد الطاقة، وفقًا للإحصاءات. وعلى الصعيد الوطني، وُجِّهت 299 جريمة ذات دوافع سياسية ضد وسائل النقل أو شركات النقل أو مرافق النقل. وبلغت حالات الحرق العمد 13 حالة، وسجّلت الشرطة 28 حالة إتلاف للممتلكات.
أتباع الأجهزة السرية الروسية
بالإضافة إلى المتطرفين اليساريين، تُراقب السلطات الأمنية الجهات الأجنبية وخاصة أجهزة الاستخبارات الروسية فيما يتعلق بالهجمات على البنية التحتية. صرّح متحدث باسم وزارة الداخلية الاتحادية، ردًا على استفسار: “يوجد تهديد نظري متزايد يتعلق بأنشطة التخريب أو الأعمال التحضيرية المُماثلة لها، تحت مسؤولية وكالات أجنبية”. وقد لوحظ تزايد في هذا المجال، لا سيما منذ عام 2024. تعتمد روسيا عمومًا على أتباع يُجنَّدون ويُسيطر عليهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو خدمات الرسائل.
النتائج
تشير الحوادث في برلين إلى أن الهجمات على البنية التحتية الحيوية لم تعد مجرد تهديد نظري، بل أصبحت أداة فعّالة للجماعات المتطرفة لتحقيق أهدافها السياسية. الهجوم على شبكة الكهرباء، إلى جانب الحوادث السابقة التي نفذتها مجموعة “فولكانو”، يوضح وجود نمط متكرر يرتبط بمحاولات إظهار نقاط ضعف المدينة والتأثير على الحياة اليومية للمواطنين. هذا النمط يُبرز هشاشة بعض المكونات الأساسية للبنية التحتية، خاصة عندما تُستهدف محطات الطاقة وخطوط النقل الرئيسة، ويشير إلى أن التخريب أصبح وسيلة استراتيجية للضغط الرمزي والسياسي.
تظهر المتابعة التاريخية لنشاط “مجموعة فولكانو” أن الجماعة تتسم بتنظيم محدود ولكن فعال، يركز على الأهداف الحيوية مثل محطات الطاقة وشبكات الاتصالات، مع اعتماد أسلوب التخريب المقصود لإثبات قدرة الجماعة على التأثير. بالرغم من صغر حجم المجموعة وعدد أعضائها المقدر، فإن قدرتها على تعطيل مناطق واسعة تؤكد أن الهجمات ليست مرتبطة بالعدد بقدر ما هي مرتبطة بالاستراتيجية والفهم الفني للبنية التحتية.
يُتوقع أن تواجه برلين ومدن ألمانية أخرى مخاطر متزايدة على شبكات الكهرباء والاتصالات نتيجة التطور التقني للجماعات المتطرفة، بما في ذلك استغلال الطائرات المسيّرة أو الهجمات الإلكترونية لمضاعفة التأثير. هذا يتطلب من السلطات الأمنية تكثيف جهود الرصد والتحليل، وتوسيع نطاق أجهزة المراقبة والتدخل السريع، بالإضافة إلى تطوير خطط الطوارئ لإعادة تشغيل الخدمات الحيوية بسرعة.
تتضح الحاجة لتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، خصوصًا مع شركات الطاقة والمرافق الحيوية، لضمان توفير بنية تحتية أكثر صلابة ضد الهجمات التخريبية. ويبرز هذا أهمية توعية المواطنين وتشجيعهم على الإبلاغ عن أي نشاط مشبوه، كما حدث مع بعض تحليقات الطائرات المسيّرة أو مشاهد الحوادث السابقة.
تشير هذه الحوادث على المستوى السياسي والاجتماعي، إلى أن استهداف البنية التحتية ليس مجرد مسألة أمنية، بل يحمل أبعادًا رمزية وإعلامية تهدف إلى إثارة الخوف وتقويض الثقة بالمؤسسات. لذلك، ينبغي للسلطات الدمج بين الإجراءات الأمنية والتواصل الفعال مع الجمهور لضمان استقرار المجتمع ومنع تسييس الحوادث لصالح جماعات متطرفة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113177
