خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ الطائرات بدون طيار، لماذا تشكّل تحديًا للأجهزة الأمنية؟
بعد هجوم ماغديبورغ، بات الوضع الأمني في أسواق عيد الميلاد محط تركيز أكبر. فهل تكفي المفاهيم الأمنية الحالية للتصدي للمخاطر الجديدة؟. من المفترض أن تسود أجواء الهدوء أسواق عيد الميلاد، لكن منذ الهجوم على سوق عيد الميلاد في ميدان برايتشايد ببرلين، أصبحت مسألة الأمن تتصدر المشهد بشكل متزايد، مع حضور لافت للشرطة وحواجز الإسمنت. بعد عملية الدهس الإرهابية في ماغديبورغ العام 2024، عاد النقاش حول الاستعدادات الأمنية لموسم العام 2025. وكان المفترض أن تُعزّز الإجراءات في ماغديبورغ، خاصة بعد أن كشف الهجوم عن ثغرات أمنية خطيرة. غير أن ما تبيّن خلال نوفمبر 2025 هو أن المفهوم الأمني الجديد ما زال غير كافٍ، ما يستدعي تعديلات إضافية. ومن هنا يُطرح سؤال محوري: ما مدى أمان زيارة أسواق عيد الميلاد في العام 2025؟ يؤكد الخبراء والمنظمون أن هناك مفاهيم أمنية مُحكمة وُضعت في السنوات الماضية، لكنهم يقرون بأنه لا توجد حماية مطلقة. ورغم ذلك، فإن جميع الجهات المعنية باتت أكثر يقظة خلال العام 2025.
ماغديبورغ: مشكلات في المفهوم الأمني
سعت ماغديبورغ خلال العام 2025 إلى خفض المخاطر بشكل ملحوظ. فتم تعزيز الحماية عند المداخل عبر استثمار نحو 250 ألف يورو في حواجز إسمنتية وأنظمة إغلاق، إضافة إلى اعتماد استشارات واسعة وتحديث شامل للمفهوم الأمني. تشير شركة تنظيم السوق إلى أنه، إلى جانب مفاهيم البناء ومسارات الإنقاذ، تم تطوير “مفهوم حماية من الدهس بأهداف حماية محددة”، كما تم زيادة عدد عناصر الأمن الخاص. كان الهدف سد الثغرات التي ظهرت العام 2024، إذ اتضح أن المدينة والمنظمين والشركة التي وضعت الحواجز لم ينسقوا بشكل كاف. ولم تكن هناك خطة واضحة لترتيب الحواجز. لكن حتى نوفمبر 2025 ما زال هناك كثير من العمل المطلوب. فقد أكدت رئيسة بلدية ماغديبورغ سيمونه بوريس في نوفمبر 2025: “علينا العمل حتى يتم إدخال جميع التفاصيل في المفهوم الأمني”. كان مكتب الإدارة الإقليمية قد أعلن، رغم التحسينات، أن بعض أجزاء المفهوم ما زالت لا تلبي المتطلبات، مشيرًا إلى وجود نواقص خطيرة في الحماية عند المداخل وفي توزيع قوات الأمن، وقد تم هذه المرة فحص السوق بدقة، باعتباره هدفًا بارزًا.
عقدت الجهات المعنية اجتماعًا مع الشرطة والسلطات، كما تدخل مسؤولون بناءً على طلب رئيسة البلدية. وبحسب المسؤول، تم الاتفاق الآن على “عدد كبير من إجراءات الحد من المخاطر وتعزيز الأمن”. ومن المتوقع أن يزور ممثلو السلطات والشرطة السوق خلال نوفمبر 2025 لتفقد تنفيذ التوصيات، فيما يُفترض افتتاح السوق. وبعد أن طُرحت احتمالية الإلغاء، يبدو الآن أن كل شيء سيكون جاهزًا وآمنًا في الوقت المناسب.
الخطر الأكبر، متطرفون إسلاميون كتهديد أساسي
رغم هجوم ماغديبورغ، يرى الخبير الأمني بيتر نيومان: “أن الخطر الذي يهدد أسواق عيد الميلاد في العام 2025 مماثل للعام 2024”. ويعتقد أن المفاهيم الأمنية الحالية كفيلة بجعل هجمات الدهس كالتي وقعت في برلين وماغديبورغ أصعب بكثير، لكن خطر الهجمات بالسكاكين لا يزال مرتفعًا. يؤكد نيومان: “أن التهديد الأكبر يصدر عن منفذين أفراد متطرفين. فعدد العمليات أو المحاولات ذات الدوافع الإسلاموية ارتفع خلال العام 2024، وغالبًا لا تكون مخططات معقدة، بل أعمال يقوم بها أفراد يذهبون إلى سوق عيد الميلاد ويحاولون طعن الناس”. ومن أبرز الأمثلة هجوم العام 2024 في المعرض الشعبي في مدينة زولينغن، حين قتل رجل سوري ثلاثة أشخاص، وقد تبنى تنظيم “داعش” الهجوم. يشير نيومان إلى أن أسواق عيد الميلاد “تملك جاذبية رمزية” لدى المتطرفين، كونها لا يمكن حمايتها بالكامل. ويذكّر بأن “الأمن بنسبة %100 غير موجود أصلًا”.
مدن أخرى: حجم الخطر في بقية أنحاء ألمانيا
تدعو نقابة الشرطة الألمانية إلى زيادة الإنفاق على حماية تلك الأسواق. ويقول رئيسها يوشن كوبيلكه: “يجب على الشرطة والمنظمين الاستثمار بشكل واضح لتعزيز الشعور بالأمن”، داعيًا إلى التركيز على الحواجز ومسارات الإنقاذ ونقاط التفتيش، ويشدد على أن “منظمي الأسواق يجب أن يكونوا قد تعلموا من ماغديبورغ”. رغم ذلك، تؤكد العديد من المدن أنها مستعدة جيدًا للموسم، ولا ترى حاجة إلى استثمارات إضافية. ففي شتوتغارت، تصف المدينة المفهوم الأمني بأنه “جيد ومُحكم”، وتؤكد الشرطة وجود إجراءات مثل التفتيش عن السكاكين والمراقبة بالفيديو، مع التحذير من “مستوى تهديد مرتفع بشكل عام”. في لايبزيغ، تؤكد الشرطة حضورها القوي، بدعم من الشرطة الفيدرالية وتسعة مراكز شرطة محلية، إضافة إلى فريق متخصص بالعمليات الطارئة “ذات التهديد المتعلق بالحياة”.
ارتفاع التكاليف بسبب الإجراءات الأمنية
يبدي كوبيلكه قلقه من وصول الشرطة إلى حدود قدراتها، فالحواجز التقنية والمراقبة بالفيديو “تكاد تكون غير قابلة للتمويل”، والقدرات المالية للشرطة “ليست في أفضل حال”. رغم تقارير عن إلغاء بعض الأسواق بسبب ارتفاع تكاليف الأمن، إلا أن ذلك حدث فعليًا في مدينة أوفرات الصغيرة فقط. أما إلغاءات أسواق أخرى في روستوك وهامبورغ ودورتموند فكانت لأسباب مختلفة. يعاني أصحاب الأكشاك من التكاليف المتزايدة، خصوصًا أسعار الكهرباء التي ترتفع أكثر على المشغلين المتنقلين. ويؤكد فرانك هاكلبيرغ، المدير العام لاتحاد أصحاب الملاهي، أن التكاليف لا يمكن تمريرها كلها للزوار، “فأسواق عيد الميلاد يجب أن تكون للجميع، ولا يمكن تحويلها إلى فعالية نخبوية”.
خطر جديد، ما دور الطائرات المسيّرة؟
يحذر كوبيلكه من ضرورة إدراج قضية “مكافحة الدرون” ضمن خطط التأمين، مؤكدًا ضرورة شراء معدات متخصصة بشكل عاجل. يرى نيومان أن تزايد الحوادث المرتبطة بالطائرات المسيّرة قد يؤدي إلى “تأثيرات مقلدة”، تمامًا كما حدث خلال موجة هجمات السكاكين الأخيرة. ويحذر من أن الشرطة والجيش “غير مستعدين على الإطلاق” للتعامل مع تهديدات الطائرات المسيّرة. يضيف أن تأمين جميع الأسواق ضد هذا النوع من الهجمات يكاد يكون مستحيلًا، ما يجعل قدرة السلطات على التعامل مع مثل هذه المخاطر غير واضحة.
النتائج
تكشف التطورات المرتبطة بأسواق عيد الميلاد في ألمانيا خلال العامين 2024 – 2023 أن الإطار الأمني المعتمد، رغم التحسينات الملحوظة، لا يزال يواجه تحديات بنيوية معقدة. فالهجوم الذي شهدته ماغديبورغ في العام 2024 لم يكن مجرد حادث معزول، بل نقطة كشف أعادت إبراز فجوات طويلة الأمد في إدارة المخاطر، والتنسيق بين الجهات المعنية، وقدرة المدن على التكيف مع أنماط تهديد متغيرة. رغم الجهود التي بُذلت خلال العام 2025، فإن التحذيرات المستمرة من السلطات الإقليمية والشرطة تؤكد أن المفهوم الأمني في ماغديبورغ ما زال بحاجة إلى إعادة ضبط عميقة، خصوصًا في مسألتي تأمين المداخل وتوزيع القوات، وهما عنصران حاسمان في منع هجمات الدهس والطعن.
يمكن القول أن المشهد الأمني أن ألمانيا أصبح أمام نمط تهديد متحرك يعتمد بدرجة كبيرة على “المنفذ الفرد”، وهو ما يعيد إنتاج النموذج نفسه الذي شهدته مدن أوروبية عدة خلال العقد الماضي. ورغم انخفاض الهجمات المنظمة واسعة النطاق، فإن أعمال الطعن والدهس التي ينفذها أفراد بدون تخطيط معقد تظل الأكثر صعوبة في الاكتشاف المسبق، مما يجعل الأسواق المفتوحة، بطبيعتها الرمزية والجماهيرية، أهدافًا مغرية. وهذا يفسر إصرار الخبراء على اعتبار خطر الهجمات بـ”الأسلحة البسيطة” أعلى بكثير من الهجمات الكبرى، وأن المفاهيم الأمنية التقليدية وإن كانت تقلل المخاطر، فإنها لا توفر حماية كاملة.
يظهر تباين واضح على مستوى المدن الألمانية الكبرى، بين الموارد المتاحة والاستعدادات الفعلية. فبينما تؤكد مدن مثل شتوتغارت ولايبزيغ جاهزيتها، تشير نقابة الشرطة إلى تحديات مالية ولوجستية مؤثرة، خاصة فيما يتعلق بالمراقبة بالفيديو والحواجز المتخصصة التي تتطلب استثمارات كبيرة. هذا التباين قد يخلق فجوة في مستوى الأمان بين المدن، ما يجعل الأسواق في المدن الأقل تمويلًا أكثر عرضة للمخاطر. كما أن ازدياد تكاليف الكهرباء والتشغيل سيؤثر بطبيعة الحال على استمرارية بعض الأسواق الأصغر، ما يضع عبئًا إضافيًا على المشغلين والبلديات.
أما التهديد الناشئ المرتبط بالطائرات المسيّرة، فيمثل تحديًا نوعيًا جديدًا، لأن قدرات الشرطة والجيش في هذا المجال لا تزال محدودة. فالهجمات المحتملة عبر الدرون قد تتطلب أدوات تقنية متقدمة ونظم رصد واستجابة سريعة، وهي قدرات غير جاهزة بالقدر المطلوب. ومع تزايد احتمالات “التأثير المقلد”، تبدو الحاجة إلى تطوير أدوات مخصصة لمكافحة الدرون ملحة أكثر من أي وقت مضى.
من المتوقع أن تستمر ألمانيا في تعزيز مفاهيم الأمن، لكن من دون تغيير جذري في أدوات الرقابة والقدرات البشرية، سيبقى مستوى المخاطر متوسطًا إلى مرتفع. وعلى المدى المتوسط، قد نشهد تحولًا نحو حلول تقنية أوسع تشمل الذكاء الاصطناعي والكاميرات الذكية، لكن تنفيذها سيعتمد على توفر التمويل والإرادة السياسية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=111753
