بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (3)
مكافحة الإرهاب ـ واقع هروب مقاتلي داعش من سجون قسد في شمال شرق سوريا
تتركز أبرز سجون ومخيمات احتجاز مقاتلي داعش في شمال شرق سوريا، حيث تُقدَّر أعداد المحتجزين بأكثر من (38) ألف شخص، بينهم آلاف من الأجانب والأطفال، موزعين على معسكرين رئيسيين هما الهول وروج، إضافةً إلى أكثر من (20) مركز احتجاز وسجون في محافظات “الحسكة والرقة ودير الزور”. تقوم قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بالسيطرة على هذه المنشآت داخليًا، بينما يؤمن “التحالف الدولي” بقيادة الولايات المتحدة محيطها الخارجي. يعد هذا الوضع ذا أهمية قصوى على الصعيد الأمني الإقليمي والدولي، نظرًا لخطر فرار المعتقلين وتأثر استقرار المنطقة، إلى جانب إمكانية تجدد نشاط خلايا داعش. لذلك، تكتسب دراسة واقع هذه السجون والمخيمات وتحليل عمليات الهروب منها أهمية خاصة، سواء لفهم التحديات الأمنية أو لتطوير سياسات إعادة التوطين وإعادة الإدماج، بما يضمن الحد من تهديدات الإرهاب وتعزيز الاستقرار في سوريا والمنطقة.
السياق التاريخي والسياسي لداعش وقوات سوريا الديمقراطية
يمكن التمييز بين التأسيس الفعلي لتنظيم داعش وصعوده ليصبح القوة التي سيطرت على أجزاء واسعة في سوريا والعراق. يعود جذور داعش إلى تنظيم القاعدة في العراق، الذي أسسه “أبو مصعب الزرقاوي” عام 2004. بعد مقتل الزرقاوي في عام 2006، تولى “أبو أيوب المصري” زمام الأمور وأعلن قيام تنظيم داعش في العراق. قُتل “أبو أيوب المصري” في عام 2010، وتولى “أبو بكر البغدادي” قيادة الجماعة. وعندما اندلع الصراع في سوريا، انتقل أعضاء التنظيم إلى هناك للقتال ضد القوات الحكومية السورية. سيطر التنظيم على “الرقة” وأعلنها عاصمة لإمارة التنظيم، ثم سيطر على المعبر الحدودي الاستراتيجي بين محافظة “دير الزور” السورية والعراق. استولى تنظيم داعش على قاعدة “الطبقة” الجوية في “الرقة”. تقدم تنظيم داعش نحو بلدة “كوباني” الحدودية السورية، واستولى على مدينة “تدمر” السورية القديمة. حقق التنظيم مكاسب كبيرة في شمال غرب سوريا، حيث سيطر على قرى بالقرب من “حلب”، قبل أن يتكبد خسارة معاقله في سوريا والعراق عام 2019.
تأسست “قوات سوريا الديمقراطية ـ قسد” عام 2015 بدعم أمريكي، وتضم مقاتلين أكرادًا وعربًا. يُقدّر عدد مقاتليها بنحو (40) ألف مقاتل. لعبت دورًا رئيسيًا في هزيمة تنظيم داعش في مارس 2019. استطاعت “قسد” بناء قوة لمكافحة تنظيم داعش، بالاعتماد على دعم أمريكي على المستوى التكتيكي، ما ساهم في نمو قواتها وتعزيز قدراتها. نجحت شبكات الاستخبارات البشرية التابعة لـ”قسد” في تحديد أهداف وشنّ غارات على معاقل داعش وتدميرها. كما اضطلعت “قسد” بمهام رئيسية تمثلت في السيطرة على السجون و”مخيمي الهول وروج” في الحسكة، حيث يُحتجز مقاتلو داعش. كانت “قسد الحليف” الرئيسي للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد داعش في سوريا، وقدّم التحالف الدولي ضد تنظيم داعش الدعم للقوات الكردية في (20) عملية استهدفت خلايا داعش. بعد سقوط النظام السوري السابق وانضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد داعش، تحوّلت العلاقة بين “قسد” والتحالف الدولي من شراكة عسكرية مباشرة إلى تعاون أكثر تعقيدًا.
واقع سجون قسد في شمال شرق سوريا
أثار هروب مقاتلي داعش مخاوف بشأن مصير نحو (10) سجون ومخيمات احتجاز كانت تحت حراستها، وكان يُحتجز بداخلها أكثر من الاف من عناصر التنظيم وآلاف آخرون من النساء والأطفال ذوي الصلة بالتنظيم. يبلغ عدد هذه المراكز (26) تقع كلها شرق البلاد. من أبرز السجون والمخيمات التي تؤوي أشخاصًا على صلة بالتنظيم في شمال شرق سوريا. السجنان الرئيسيان في محافظة “الحسكة” هما سجنا “غويران وبانوراما”، يتولى أفراد عسكريون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تأمين المحيط الخارجي للسجون، بينما تحتفظ القوات الكردية بالسيطرة داخله. هناك سجون أخرى كسجن الرقة المركزي “الصوامع”، وسجن الطبقة “سجن عايد”، بالإضافة إلى سجون “سيني” بالشدادي و”علايا” بالقامشلي و”الكسرة” بدير الزور. سيطرت الحكومة السورية على بعض السجون الأخرى التي تضم معتقلي التنظيم أحد هذه السجون هو سجن “الشدادي” الواقع في ريف “الحسكة”. من المنشآت الأخرى التي أصبحت تحت سيطرة الحكومة السورية، سجن “الأقطان” في محافظة “الرقة”. اٌحتجز مقاتلوا داعش في مخيمين رئيسيين، يُعرفان باسم مخيمي “الهول وروج” بريف الحسكة.
يُحتجز أكثر من (38) ألف معتقل في معسكرين شديدي الحراسة، هما “الهول وروج”. بلغ عدد الأجانب في المعسكرين حوالي (23) ألفًا حتى 17 مارس 2025، وأكثر من (60%) منهم أطفال، معظمهم دون سن الـ(12) أما البقية، فغالبيتهم من النساء. ينحدر نحو (15) ألفًا من الأجانب في “الهول وروج” من العراق. بينما ينتمي أكثر من (8) آلاف آخرين إلى نحو (60) دولة مختلفة، من بينها “أستراليا والصين وفرنسا وإندونيسيا وروسيا وترينيداد وتوباغو وتونس والمملكة المتحدة وجنوب إفريقيا”. احتجزت “قسد” نحو (8500) رجل أجنبي وسوري، أو أكثر، للاشتباه في صلتهم بتنظيم داعش، في أكثر من (20) مركز احتجاز، ويشمل هؤلاء مئات من الفتيان والشباب الذين كانوا صغارًا. نحو (5400) من هؤلاء السجناء سوريون، و(3100) على الأقل أجانب، من بينهم نحو (1600) عراقي. كما يُحتجز بضع مئات آخرين من الفتيان والشباب في ما يُسمى بمراكز إعادة التأهيل. أمن ألمانيا ـ مستقبل السياسات الأمنية في مواجهة التهديدات غير التقليدية
أسباب عملية الهروب سجناء داعش
ترى قوات “قسد” أن السبب تخلي الولايات المتحدة عنها في الوقت الذي تعزز فيه واشنطن علاقاتها مع الحكومة لسورية، التي تعهدت بإعادة فرض سيطرتها المركزية على سوريا بأكملها وتعارض الحكم الذاتي الإقليمي للأقليات الدينية أو العرقية. اتهمت واشنطن بعدم دعمها لها بعد طردها من معظم الأراضي التي كانت تسيطر عليها. وأعلنت انسحابها من معسكر اعتقال يضم عشرات الآلاف من المدنيين المرتبطين بتنظيم داعش، مُعللة ذلك بـ”اللامبالاة الدولية” تجاه قضية استعادة مقاتلي داعش وفشل المجتمع الدولي في تحمل مسؤولياته في معالجة هذه المسألة ما سمح لهم بالهروب.
يرى “ماركوس شنايدر”، من مؤسسة “فريدريش إيبرت”: ” إن الضغط على الأكراد قد ازداد على الأرجح في أماكن أخرى، فبالطبع، جاء هذا الضغط في المقام الأول من الأمريكيين. لكن حلفاء الحكومة السورية الجديدة، لديهم مصلحة في ضمان سيطرة الحكومة، وليس قوات سوريا الديمقراطية، على كامل البلاد. ومع ذلك، ليس على حساب انعدام الأمن الشديد في المناطق المستعادة، الأمر الذي قد يؤدي إلى عودة داعش”. من جهة أخرى يعد السبب الثاني رفض لعض الدول الغربية استعادة مقاتليها، وحذرت الولايات المتحدة، من أنها لا تستطيع الاستمرار في ذلك إلى أجل غير مسمى، وحثت الدول على إعادة مواطنيها إلى أوطانهم. أعادت بعض الدول عدداً قليلاً من مواطنيها، لكن دولاً أخرى رفضت ذلك، بل إن بعض الحكومات جردت المحتجزين من جنسيتهم. سمحت العديد من الدول الأوروبية، بما في ذلك المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وهولندا والسويد وبلجيكا، لعدد محدود فقط من الأطفال وأمهاتهم بالعودة.
يعتبر تخفيض التمويل والمساعدات السبب الثالث في فرار السجناء، حيث خفضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العام 2026 ما لا يقل عن (117) مليون دولار من المساعدات الأميركية لشمال شرقي سورية، بما في ذلك ما لا يقل عن (15) مشروعاً في “الهول” و (5) مشاريع في “روج”. وبالرغم من أن الأمم المتحدة والجهات المانحة الأوروبية سدّت جزءًا من النقص، لكنه لا يقترب من مستوى التمويل الذي كانت تقدّمه الولايات المتحدة. السبب الرابع تنامي دعوات تنظيم داعش لنشر دعايته في السجون والمخيمات، فعلى سبيل المثال في مخيم الهول، دعا التنظيم أتباعه إلى “الانتفاض، والقتال حتى بشكل فردي إذا لزم الأمر لمساعدة المحتجزين على الهروب”. بالإضافة إلى نشاط الخلايا النائمة داخل المعسكرات، ومصادرة أسلحة خلال عمليات تفتيش نفذتها القوات الكردية والأميركية. يقول “كولين كلارك” المدير التنفيذي لمركز صوفان: “إنه أمر كارثي نراه بوضوح يحدث أمام أعيننا، ومع ذلك ما زلنا نكافح من أجل اتخاذ أي إجراء حياله”. وأضاف: “إذا نجح داعش في تنفيذ عملية هروب من سجن أو مركز احتجاز، فسيكون ذلك كارثياً”. أمن دولي ـ الترويكا الأوروبية والملف النووي ـ قراءة في السياق الراهن
إحصاءات وأعداد الهاربين
أفادت تقارير بأن (1500) سجين من تنظيم داعش فروا من سجن في بلدة “الشدادة”، بينما أعلنت وزارة الداخلية السورية، أن نحو (120) معتقلاً فروا من سجن كان خاضعاً لسيطرة قوات “قسد” وتم القبض على (81) منهم. لم تكن هذه المرة الأولى التي يفر مقاتلي داعش المحتجزين من السجون فقد فرّ عدد من عائلات تنظيم داعش و(200) مقاتل من الرتب الدنيا من سجن “الشدادي” ومعسكر الهول، وفي عام 2022، تم إجلاء (1000) معتقل من سجن الشدادي إلى سجن أكثر أماناً. نقلت القوات الأمريكية (150) مقاتلاً من تنظيم داعش من مركز احتجاز في الحسكة إلى “موقع آمن” في العراق. يمثل المعتقلون المنقولون في الدفعة الأولى قيادات الصف الأول في التنظيم، منهم (80) عراقياً، والباقون من جنسيات متعددة. تنوي القوات الأمريكية تنفيذ عمليات النقل على مراحل، وقد تصل إحدى الدفعات القادمة إلى نحو (3000) معتقل. بموجب هذه المهمة، قد يتم نقل ما يصل إلى (7000) معتقل من داعش من سوريا إلى منشآت خاضعة للسيطرة العراقية. من المرجح أن يكون هذا النقل دليلاً على مخاوف واشنطن من احتمال هروب المزيد من معتقلي داعش.
يقول “أندرو جيه تابلر”، المدير السابق لشؤون سوريا في مجلس الأمن القومي الأمريكي عام 2019 وكبير مستشاري الممثل الخاص لسوريا في وزارة الخارجية من عام 2020 إلى عام 2021، “هذا يدل على أنهم لا يثقون بأي شخص يحتجزهم بسبب الوضع”. أوضح دبلوماسي أوروبي فضل عدم الكشف عن هويته: “إن النقل المتسرع والمحفوف بالمخاطر للسجناء يدل على عدم وجود ثقة في استقرار هذه المرافق. ومن الواضح أن وضع الاحتجاز ليس تحت سيطرة أي جهة”. أمن دولي ـ الترويكا الأوروبية والملف النووي ـ قراءة في السياق الراهن
توصيات
ينبغي على المجتمع الدولي إدارة الحالات بشكل متزن داخل مراكز الاحتجاز، والمساعدة القانونية، فضلًا عن دعم التماسك الاجتماعي، والخدمات الأساسية والاجتماعية الأخرى تشمل جهود إعادة التأهيل والإدماج، وتقديم المساعدة القانونية، ودعم التماسك الاجتماعي، وتوفير الخدمات الأساسية والاجتماعية الضرورية لضمان إعادة إدماج المحتجزين وسكان المخيمات بشكل فعال وآمن. يجب تفعيل خطط الطوارئ لإعادة التوطين، حيث با متوقعًا أن يظل نحو (20000ـ 25000) من النازحين وحوالي (6000 ـ 7000) من المقاتلين المحتجزين غير قادرين على مغادرة شمال شرق سوريا في المستقبل المنظور، لذلك يجب على المنظمات الدولية ذات الخبرة في إدارة السكان النازحين، مثل وكالات الأمم المتحدة، وتحمل دور أكبر في إدارة المرافق والمخيمات وضمان استدامتها.
تقييم قراءة مستقبلية
يشير هروب مقاتلي داعش من بعض السجون في شمال شرق سوريا إلى هشاشة الوضع الأمني، كما يكشف عن ثغرات كبيرة في آليات الاحتجاز وإدارة مراكز الاحتجاز، خاصة في ظل تراجع دعم واشنطن المباشر لـ”قسد”. فالاعتماد على الدعم الأميركي والتنسيق مع التحالف الدولي كان يشكّل العمود الفقري في السيطرة على معتقلي داعش، ومع انخفاض التمويل وتخفيض المشروعات الإنسانية، تبرز مخاطر تتعلق بالأمن والاستقرار المحلي والإقليمي والدولي.
من المرجح أن تصبح السجون والمخيمات، مثل “الهول وروج”، “بؤرة توتر” تتجاوز البعد الأمني، إذ تمثل تحديًا إنسانيًا كبيرًا، خاصة مع العدد الكبير من الأطفال والنساء المرتبطين بتنظيم داعش. فغياب التمويل وخفض المساعدات الأميركية، رغم تدخل بعض الجهات المانحة الأوروبية، قد يؤدي إلى ضعف القدرة على تقديم الخدمات الأساسية، ويُهيئ البيئة المناسبة لنمو تأثير خلايا التنظيم النائمة.
من المتوقع أن يمثل النقل المخطط لمقاتلي داعش إلى العراق قلقًا متزايدًا من احتمال الهروب أو الفوضى داخل المخيمات والسجون. وقد تزيد من المخاطر قصيرة المدى، خصوصًا مع تنوع الجنسيات ومستوى التدريب القتالي للقيادات الصف الأول. كما يعكس ذلك أزمة ثقة بين القوى الدولية والإقليمية فيما يتعلق بالاحتجاز المستدام، ما قد يضاعف احتمالات الاستغلال الدعائي للتنظيم إذا استمرت الهجمات الإعلامية أو التحريض على العنف داخل المخيمات.
يظل موقف الدول الأوروبية والولايات المتحدة من إعادة مواطنيها من مقاتلي داعش قضية شائكة. فرفض بعض الدول استعادة رعاياها أو تجريدهم من الجنسية يزيد من الأعباء داخل اإدارة السجون، ويخلق فراغًا يمكن للتنظيم استغلاله في استقطاب عناصر جديدة، بما في ذلك الأطفال والمراهقين.
من المحتمل أن تظل إدارة معتقلي داعش في سوريا تحديًا مزدوجًا، أمني وإنساني، يستدعي تكامل الجهود الدولية المبذولة، دعمًا ماليًا ولوجستيًا مستدامًا، وإستراتيجيات واضحة لإعادة الإدماج أو المحاكمات، مع تعزيز التعاون بين الأطراف الفاعلة المحلية والدولية. كما أن عدم اتخاذ خطوات جدية تجاه استعادة القوى الغربية مواطنيها من مراكز الاحتجاز، قد يؤدي إلى موجة جديدة من الهروب والتجنيد، ما يهدد الأمن الإقليمي ويُضعف القدرة على محاصرة التنظيم نهائيًا.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114390
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
Kurds vs. Syrian government troops: What you need to know
https://tinyurl.com/3xbsh9ee
ISIS Suspects Held in Syria: Repatriation Reset under New US, Syrian Leaders?
https://tinyurl.com/22ewd38d
Why the fate of ISIS prisoners in Syria is back on the radar
https://tinyurl.com/32rk6rw2
Isis fighters escape Syrian prison after government and Kurdish forces clash
https://tinyurl.com/365ed5d8
