المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب ـ هل يواجه الاتحاد الأوروبي موجة تهديدات أكثر تعقيدًا؟
باتت طبيعة التهديدات الإرهابية داخل دول الاتحاد الأوروبي أكثر تعقيدًا وتشابكًا، مع تداخل عوامل خارجية مثل النزاعات الإقليمية والتجنيد الرقمي والتطرف الفردي، ما يفرض على الاتحاد الأوروبي تطوير أدواته الأمنية والتشريعية لمواجهة مشهد أمني سريع التغير.
يحذر تقييم أمني صادر عن الاتحاد الأوروبي، في 16 مايو 2026، من أن الإرهاب والتطرف العنيف “يشكلان تهديدًا كبيرًا للاتحاد الأوروبي”، مع الإشارة إلى تزايد المخاطر القادمة من أفغانستان وإيران، إضافة إلى التداعيات المحتملة للحرب في أوكرانيا على الأمن داخل القارة. وبحسب التقييم، لا يزال مستوى التهديد داخل الاتحاد الأوروبي “مرتفعًا”، حيث يُعد “الإرهاب الإسلاموي” مصدر القلق الأبرز لدى أجهزة الأمن الأوروبية. ويتوافق هذا التقدير مع تقييم وكالة إنفاذ القانون الأوروبية يوروبول ، التي وصفت في مارس 2026 التهديد الإرهابي بأنه “حاد”، في إشارة إلى استمرار حالة اليقظة الأمنية داخل دول الاتحاد.
التصعيد في حرب إيران يثير مخاوف إضافية
تشير الوثيقة، المؤلفة من 23 صفحة والتي أعدها مجلس الاتحاد الأوروبي الممثل لحكومات الدول الأعضاء الـ27، إلى أن محتواها يركز في معظمه على التطورات والاتجاهات حتى عام 2025، وليس على التهديدات المرتبطة مباشرة بالحرب الدائرة في إيران. ومع ذلك، يحذر التقييم من أن “التصعيد” في إيران قد “أثار مخاوف إضافية”، من بينها احتمال تفعيل شبكات وكيلة أو خلايا نائمة لشن هجمات إرهابية انتقامية داخل أوروبا، لا سيما في الدول التي تضم جاليات يهودية ومسلمة كبيرة أو مؤثرة.
داعش ـ خراسان أحد التهديدات الخارجية الرئيسية
وفي ما يتعلق بأفغانستان، يسلط تقييم التهديدات الضوء على أن ولاية خراسان التابعة لتنظيم داعش، وهي فرع إقليمي للتنظيم، تُعد “أحد التهديدات الخارجية الرئيسية” للقارة الأوروبية. ويضيف التقرير أن هذه الجماعة لا تزال نشطة، بما في ذلك عبر نشر الدعاية الرقمية على الإنترنت، مع تركيز خاص على استهداف فئة الشباب في عمليات الاستقطاب والتجنيد. ورغم تسجيل عدد محدود من الهجمات الإرهابية المؤكدة في أوروبا خلال العام 2026، إلا أن التقييم يشير إلى حادثة طعن استهدفت رجلين يهوديين في لندن مؤخرًا، وهي حادثة وصفتها الشرطة البريطانية بأنها ذات طابع إرهابي. وقد تبنت حركة تُعرف باسم “أصحاب اليمين الإسلاموية”، وهي جماعة إسلاموية موالية لإيران يُشتبه في ارتباطها بالحرس الثوري الإيراني، مسؤولية هذا الهجوم، وفق ما ورد في التقييم.
تطور طبيعة التهديدات في أوروبا
تصف الوثيقة تطور طبيعة التهديدات في أوروبا، مشيرة إلى أن “الشبكات الإرهابية المنظمة فقدت الكثير من نطاق عملياتها السابق، لكن إمكانية قيام الأفراد بارتكاب أعمال عنف بناءً على دوافع متطرفة لا تزال قائمة”. ويعكس ذلك تحولًا في نمط التهديد من التنظيمات الهرمية إلى ما يُعرف بالفاعلين المنفردين أو الخلايا الصغيرة غير المرتبطة مباشرة بهياكل مركزية. وفي السياق ذاته، يشير التقييم إلى أن الهجمات والمؤامرات التي ينفذها متطرفون، خصوصًا من التيارات “الجهادية”، “تتضمن في الغالب وسائل يسهل الوصول إليها وغير متطورة”، مثل الأسلحة البيضاء والأسلحة النارية البسيطة أو العبوات الناسفة البدائية والمركبات، مع اعتماد أسلوب عمل منخفض التعقيد لكنه عالي التأثير.
الاتجاهات الجديدة للتطرف والإرهاب
ومن بين الاتجاهات الجديدة التي أثارت قلق صناع القرار الأوروبيين، تجنيد قاصرين لا تتجاوز أعمارهم 12 عامًا عبر منصات الإنترنت، لا سيما تطبيقات مثل “تيليجرام” و”تيك توك”. وردًا على ذلك، توصي إحدى السياسات الأوروبية بأن يطلب الاتحاد من هذه المنصات الحد من ما يُعرف بـ”التضخيم الخوارزمي”، بهدف تقليل قدرة القاصرين على اكتشاف المحتوى المتطرف أو التفاعل معه عبر الفضاء الرقمي. كما يشير تقييم التهديدات إلى أن “تأثير حرب أوكرانيا على التهديد الإرهابي في أوروبا والعالم كان محدودًا حتى الآن”، إلا أنه يحذر في الوقت نفسه من أن تدفق الأسلحة الصغيرة والمتفجرات من مناطق الحرب قد يترتب عليه “عواقب على المدى المتوسط والطويل”، خصوصًا في ما يتعلق بالأمن الداخلي للدول الأوروبية.
احتمال دخول المقاتلين الأجانب إلى دول الاتحاد الأوروبي
تبدي بروكسل كذلك قلقًا متزايدًا من احتمال دخول مقاتلين روس سابقين إلى دول الاتحاد الأوروبي، وما قد يترتب على ذلك من انخراطهم في أنشطة إجرامية أو أعمال عنف. وتشير التقديرات إلى أن روسيا جندت ما يقارب 180 ألف سجين للقتال في أوكرانيا، ما يثير تساؤلات حول مصير هؤلاء المقاتلين بعد انتهاء الحرب أو تسريحهم. وفي هذا السياق، من المتوقع تقديم مقترح خلال يونيو 2026 يهدف إلى فرض حظر دخول على هؤلاء الجنود السابقين إلى منطقة شنغن، في إطار مساعي الاتحاد الأوروبي لتعزيز الأمن الداخلي ومنع انتقال التهديدات المرتبطة بالحرب خارج حدودها.
النتائج
تشير المعطيات إلى أن الاتحاد الأوروبي مقبل خلال السنوات المقبلة على مرحلة أكثر تعقيدًا في مواجهة التهديدات الإرهابية، خاصة مع تداخل التطرف الرقمي مع الأزمات الجيوسياسية والحروب الإقليمية.
– من المتوقع أن يستمر خطر “الفاعلين المنفردين” والخلايا الصغيرة في التصاعد، نظرًا لاعتماد الجماعات المتطرفة بصورة متزايدة على أدوات التجنيد والتحريض عبر الإنترنت بدلًا من الهياكل التنظيمية التقليدية. كما يرجح أن تتحول منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة المشفرة إلى ساحة مركزية للصراع الأمني والمعلوماتي داخل أوروبا، خصوصًا مع تزايد استهداف القاصرين والفئات العمرية الصغيرة.
– من المحتمل أن يدفع هذا الواقع مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى تشديد الرقابة الرقمية وفرض ضغوط أكبر على شركات التكنولوجيا للحد من “التضخيم الخوارزمي” للمحتوى المتطرف، ما قد يفتح نقاشًا أوسع حول التوازن بين الأمن وحرية التعبير داخل الدول الأوروبية. ومن المرجح كذلك أن تتوسع صلاحيات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأوروبية في مجالات المراقبة الرقمية وتبادل البيانات عبر الحدود.
– على المستوى الجيوسياسي، قد يؤدي استمرار حرب أوكرانيا والتصعيد في الشرق الأوسط إلى زيادة المخاوف الأوروبية من انتقال التهديدات الأمنية إلى الداخل الأوروبي، سواء عبر تدفق الأسلحة أو عودة المقاتلين الأجانب أو تنشيط الخلايا المرتبطة بقوى إقليمية. كما أن احتمالات تسلل عناصر متطرفة أو مقاتلين سابقين إلى فضاء شنغن قد تدفع الاتحاد الأوروبي إلى تبني سياسات حدودية وأمنية أكثر تشددًا.
– في حال استمرار الاستقطاب السياسي وتصاعد الخطابات المتطرفة داخل بعض المجتمعات الأوروبية، فقد تواجه الحكومات صعوبة أكبر في احتواء التطرف ومنع تحوله إلى تهديد طويل الأمد. لذلك، من المتوقع أن يصبح تعزيز “الأمن المجتمعي” ومكافحة التطرف الرقمي والتضليل المعلوماتي من الأولويات الرئيسية للسياسات الأوروبية خلال المرحلة المقبلة.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=118532
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
