المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب ـ هل تكفي العقوبات لتقويض أنشطة إيران في أوروبا؟
لا يزال النفوذ الإيراني متجذرا بعمق في أوروبا رغم إدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب، وفق تحذيرات خبراء شدد خبراء على أن النظام الإيراني أمضى عقودا في ترسيخ نفوذه سرا في أنحاء القارة الأوروبية، غالبا تحت غطاء الدبلوماسية، ما يجعل تفكيك هذا الوجود مهمة بعيدة عن السهولة. ورغم تصويت البرلمان الأوروبي في يناير 2026 لصالح تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، حذر خبراء أمنيون في الثالث من فبراير 2026 من أن تفكيك الشبكات المتغلغلة بعمق لطهران في أوروبا سيكون مهمة معقدة. وشمل التصويت فرض عقوبات على 15 مسؤولا حكوميا إيرانيا وست منظمات، وجاء ردا على أساليب القمع التي تنتهجها طهران وعمليات القتل الجماعي بحق المحتجين. وبينما رحب الخبراء بالخطوة واعتبروها إجراء أوليا مهما، أكدوا أن النظام الإيراني أمضى عقودا في بناء نفوذه سرا داخل أوروبا، غالبا عبر قنوات دبلوماسية، ما يجعل إزالته عملية معقدة للغاية.
يقول جوناثان هاكيت، وهو ضابط سابق في سلاح مشاة البحرية الأمريكية ومتخصص في مكافحة التجسس ومؤلف كتاب “أسلحة إيران الخفية، العمل السري، وعمليات الاستخبارات، والحرب غير التقليدية”، إن فاعلية قرار البرلمان ستعتمد في نهاية المطاف على مدى صرامة تطبيقه من قبل الدول الأعضاء كل على حدة، مشيرا إلى أن “التنفيذ كان تاريخيا غير متسق”. وأضاف: “سيتعين على كل دولة أن تضع وتطبق قيودا مالية وقواعد قانونية تقلص فعليا من أنشطة الحرس الثوري داخل الاتحاد الأوروبي. ولا يزال الحرس الثوري يستخدم بنوكا في سويسرا، ولديه شركات وهمية مرتبطة بقاعدة الصناعات الدفاعية للنظام في ألمانيا. وستستمر هذه الأنشطة رغم التصنيف ما لم تتدخل تلك الدول وتوقفها فعليا”.
الحرس الثوري الإيراني متغلغل في أوروبا
يزيد من تعقيد المشهد، بحسب ما قاله الخبير الأمني روجر ماكميلان، صعوبة تحديد ما الذي يشكل جريمة قابلة للحظر. وأشار إلى التظاهرات المؤيدة للفلسطينيين في لندن في يناير 2026، موضحا أن اللافتات الداعمة للنظام الإيراني خلقت “منطقة رمادية” قانونية قد تجد السلطات صعوبة في التعامل معها. وأوضح أن إظهار الدعم لطهران لا يرقى إلى مستوى دعم حماس أو حزب الله، لأن إيران لا تزال دولة قائمة بحد ذاتها. ومع ذلك، فإن هذا التصنيف يخفض عتبة تدخل الأجهزة الأمنية، ويمنحها القدرة على التحرك في مراحل أبكر لمواجهة التهديدات. ورغم أن إدراج الحرس الثوري قد يستغرق وقتا قبل أن يترجم إلى إجراءات ملموسة، فإنه أسهم في خلق “زخم سياسي” من شأنه أن “يجعل من الصعب للغاية على الحرس الثوري العمل”.
حذر ماكميلان من أن التأخر الأوروبي في الرد أتاح للحرس الثوري بناء وجود “ضخم” في مختلف أنحاء القارة، ما يعني أن أي محاولة لتفكيك شبكاته ستتطلب نهجا طويل الأمد ومستداما. وتابع: “عليك أن تقوضه على مراحل وبخطوات صغيرة”، مضيفا أن مصادرة الأصول يجب أن تكون أول إجراء عملي يتم اتخاذه. وأوضح أن الحرس الثوري الإيراني “متغلغل بشكل هائل في الجمعيات الخيرية، وواجهات الأعمال، والعصابات الإجرامية، والمراكز الثقافية. لديهم وجود في كل مكان، في مراكز التعليم، والتعليم الثقافي، والمؤسسات الدينية”، مشيرا إلى أن العديد من الأفراد المنخرطين في شبكات الوكلاء قد لا يدركون أصلا ارتباطهم بالحرس الثوري.
أضاف ماكميلان أن مصادرة الأصول، إلى جانب كونها وسيلة ضغط لدفع النظام إلى التفاوض، يمكن تنفيذها بسرعة نسبية، لا سيما مقارنة بالإجراءات الطويلة المرتبطة بعمليات الترحيل أو الملاحقات الجنائية. وقال: “نحتاج إلى تحرك سريع”. وفي بعض الحالات، لا تحقق العقوبات أهدافها المرجوة، ولهذا السبب، تعد مصادرة الأصول أداة حاسمة في إضعاف النظام إلى الحد الذي يجعله مستعدا للتفاوض.
تجاوز العقوبات وتمويل النظام بمليارات الدولارات
ووفق ماكميلان، قام مسؤول إيراني بارز بتحويل مليارات الدولارات إلى النظام. وقد حذرت وزارة الخزانة الأمريكية من أنه يمتلك شركات لإدارة السفن وشركات واجهة في مختلف أنحاء العالم، ما مكّنه من مواصلة الالتفاف على العقوبات. تابع ماكميلان: “إنه يستفيد من بعض العقوبات. لا يريد رفعها”، مؤكدا أن المصادرات يجب أن تبدأ دون تأخير. وأشار إلى أن ضعف الرقابة وغياب التعاون الدولي ساهما في تمكين القيادة الإيرانية من بناء ثروات ضخمة في الغرب، وهو ما حد من تأثير العقوبات على النخب الحاكمة، وبالتالي قيد فعاليتها. ووفق تحقيق حديث لوكالة بلومبرغ، وسع مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى علي خامنئي، ثروة العائلة رغم العقوبات الأمريكية، من خلال نشاط واسع في قطاع العقارات الدولية. ففي لندن وحدها، قدرت قيمة ممتلكاته الفاخرة بنحو 138 مليون دولار، إلى جانب ممتلكات أخرى موزعة في أنحاء أوروبا.
حذر ماكميلان من أن قيود السفر وعمليات الترحيل قد لا تكون فعالة بالقدر الكافي، لا سيما مع انتقال جزء كبير من النفوذ الإيراني إلى الفضاء الرقمي. وأوضح أن معظم الإيرانيين المقيمين في الغرب يسعون إلى حياة سلمية بعيدا عن النظام، إلا أن أقاربهم داخل إيران يظلون نقطة ضعف خطيرة. وقال: “من خلال استهداف العائلات داخل إيران، يتم الضغط على الأبناء والأسر في الخارج لدفعهم إلى القيام بأنشطة تخدم مصلحة الدولة الإيرانية. هذه إحدى الطرق التي يعملون بها عن بعد وبشكل رقمي، وهم اليوم قادرون على القيام بذلك بفاعلية أكبر مما كان عليه الحال قبل سنوات”. أضاف ماكميلان: “أرى أن إغلاق وسائل الإعلام التابعة لهم في أوروبا أمر بالغ الأهمية كذلك، لأنك من خلالها تصل إلى الناس، مثل أتباع قناة برس تي في الذين يبدؤون في الترويج لرواية النظام من داخل أوروبا”.
النتائج
تشير التحليلات الأمنية إلى أن النفوذ الإيراني في أوروبا لا يزال عميق الجذور، وأن إدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب، رغم أهميته الرمزية، يمثل بداية مرحلة طويلة ومعقدة لتفكيك الشبكات الإيرانية المتغلغلة. فالنظام الإيراني أمضى عقودا في بناء وجوده السري داخل القارة، غالبا تحت غطاء الدبلوماسية والمؤسسات الثقافية والتعليمية، ما يجعل أي إجراءات فورية محدودة التأثير دون استراتيجية شاملة ومتكاملة.
يتضح أن فعالية العقوبات الأوروبية تعتمد على مدى انسجام تطبيقها بين الدول الأعضاء. إذ إن استمرار الحرس الثوري في استخدام بنوك وشركات وهمية في أوروبا، وتغلغله في الجمعيات الخيرية والمراكز الثقافية، يشكل تحديا مستمرا للجهات الأمنية. وفي الوقت ذاته، فإن الأنشطة الرقمية وزيادة قدرة النظام على التأثير عن بعد تضيف بعدا جديدا للتحدي، حيث يمكن للنفوذ الإيراني أن ينتقل سريعا عبر الفضاء الرقمي، مستهدفا الجاليات الإيرانية وعائلاتهم في الغرب لفرض ضغط غير مباشر على القوى السياسية.
كما تشير المعطيات إلى أن أدوات الضغط المالي، مثل مصادرة الأصول، ستكون المفتاح الأهم لتقليص قدرة النظام على التمويل والتحرك، إذ توفر هذه الإجراءات نتائج أسرع وأكثر فعالية مقارنة بالترحيل والملاحقات القضائية الطويلة. ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى خلق “زخم سياسي” في أوروبا يعزز صرامة الأجهزة الأمنية ويصعب على الحرس الثوري إعادة بناء شبكاته بسرعة.
سيكون تفكيك النفوذ الإيراني عملية طويلة المدى تتطلب تنسيقا دوليا مستمرا، وربط الإجراءات المالية والقانونية بالأمن السيبراني والمراقبة الاستخبارية. كما أن مراقبة قنوات الإعلام والثقافة التابعة للنظام ستلعب دورا حاسما في منع استمرار ترويج الرواية الإيرانية داخل أوروبا. بالتالي، ستشكل هذه الاستراتيجية المستمرة تحديا مزدوجا يجمع بين الإجراءات القانونية والأمنية والتقنية، لضمان الحد من تأثير إيران على السياسات الأوروبية والمجتمعات الإيرانية المقيمة في القارة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114523
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
