المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ـ ECCI ـ وحدة الدراسات والتقارير
تصفح الملف نسخة PDF ملف مكافحة الإرهاب ـ هروب مقاتلي داعش من سجون قسد في سوريا ـ الأسباب والتداعيات
المقدمة
يتناول هذا الملف ظاهرة هروب مقاتلي تنظيم داعش من سجون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرق سوريا، باعتبارها أحد أخطر التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة والعالم في مرحلة ما بعد هزيمة التنظيم ميدانيًا. وينقسم الملف إلى ثلاث دراسات رئيسية؛ تركز الدراسة الأولى على واقع سجون قسد، وظروف الاحتجاز، وأسباب الهروب وأعداد الفارين وسياق العمليات الأمنية المحيطة بها.
فيما تبحث الدراسة الثانية في الأسباب العميقة للهروب، ودوافع نقل السجناء من سوريا إلى العراق، وحجم التهديد الذي يشكله هروب عناصر داعش وإمكانية تسللهم وإعادة تنشيط خلايا التنظيم، لا سيما في العراق.أما الدراسة الثالثة، فتتناول التداعيات الإقليمية والدولية، مع التركيز على المخاوف الأوروبية من عودة المقاتلين الأجانب، ودور التحالف الدولي ومستقبله، ودور الإدارة المحلية (حكومة الشرع)، وصولًا إلى عرض جملة من التدابير والتوصيات الأمنية لمواجهة التهديدات المحتملة.
**
النتائج المتوقعة من الملف
– فهم أعمق لظروف الهروب الحقيقية وأسبابها.
– تحليل منطقي لنقل السجناء من سوريا إلى العراق.
– تقييم شامل للتهديد على العراق وأوروبا.
– رؤية واضحة لدور التحالف الدولي والمستقبل المحتمل.
– توصيات أمنية وسياسية قابلة للتطبي.
1 ـ مكافحة الإرهاب ـ واقع هروب مقاتلي داعش من سجون قسد في شمال شرق سوريا
تتركز أبرز سجون ومخيمات احتجاز مقاتلي داعش في شمال شرق سوريا، حيث تُقدَّر أعداد المحتجزين بأكثر من (38) ألف شخص، بينهم آلاف من الأجانب والأطفال، موزعين على معسكرين رئيسيين هما الهول وروج، إضافةً إلى أكثر من (20) مركز احتجاز وسجون في محافظات “الحسكة والرقة ودير الزور”. تقوم قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بالسيطرة على هذه المنشآت داخليًا، بينما يؤمن “التحالف الدولي” بقيادة الولايات المتحدة محيطها الخارجي. يعد هذا الوضع ذا أهمية قصوى على الصعيد الأمني الإقليمي والدولي، نظرًا لخطر فرار المعتقلين وتأثر استقرار المنطقة، إلى جانب إمكانية تجدد نشاط خلايا داعش. لذلك، تكتسب دراسة واقع هذه السجون والمخيمات وتحليل عمليات الهروب منها أهمية خاصة، سواء لفهم التحديات الأمنية أو لتطوير سياسات إعادة التوطين وإعادة الإدماج، بما يضمن الحد من تهديدات الإرهاب وتعزيز الاستقرار في سوريا والمنطقة.
السياق التاريخي والسياسي لداعش وقوات سوريا الديمقراطية
يمكن التمييز بين التأسيس الفعلي لتنظيم داعش وصعوده ليصبح القوة التي سيطرت على أجزاء واسعة في سوريا والعراق. يعود جذور داعش إلى تنظيم القاعدة في العراق، الذي أسسه “أبو مصعب الزرقاوي” عام 2004. بعد مقتل الزرقاوي في عام 2006، تولى “أبو أيوب المصري” زمام الأمور وأعلن قيام تنظيم داعش في العراق. قُتل “أبو أيوب المصري” في عام 2010، وتولى “أبو بكر البغدادي” قيادة الجماعة. وعندما اندلع الصراع في سوريا، انتقل أعضاء التنظيم إلى هناك للقتال ضد القوات الحكومية السورية. سيطر التنظيم على “الرقة” وأعلنها عاصمة لإمارة التنظيم، ثم سيطر على المعبر الحدودي الاستراتيجي بين محافظة “دير الزور” السورية والعراق. استولى تنظيم داعش على قاعدة “الطبقة” الجوية في “الرقة”. تقدم تنظيم داعش نحو بلدة “كوباني” الحدودية السورية، واستولى على مدينة “تدمر” السورية القديمة. حقق التنظيم مكاسب كبيرة في شمال غرب سوريا، حيث سيطر على قرى بالقرب من “حلب”، قبل أن يتكبد خسارة معاقله في سوريا والعراق عام 2019.
تأسست “قوات سوريا الديمقراطية ـ قسد” عام 2015 بدعم أمريكي، وتضم مقاتلين أكرادًا وعربًا. يُقدّر عدد مقاتليها بنحو (40) ألف مقاتل. لعبت دورًا رئيسيًا في هزيمة تنظيم داعش في مارس 2019. استطاعت “قسد” بناء قوة لمكافحة تنظيم داعش، بالاعتماد على دعم أمريكي على المستوى التكتيكي، ما ساهم في نمو قواتها وتعزيز قدراتها. نجحت شبكات الاستخبارات البشرية التابعة لـ”قسد” في تحديد أهداف وشنّ غارات على معاقل داعش وتدميرها. كما اضطلعت “قسد” بمهام رئيسية تمثلت في السيطرة على السجون و”مخيمي الهول وروج” في الحسكة، حيث يُحتجز مقاتلو داعش. كانت “قسد الحليف” الرئيسي للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد داعش في سوريا، وقدّم التحالف الدولي ضد تنظيم داعش الدعم للقوات الكردية في (20) عملية استهدفت خلايا داعش. بعد سقوط النظام السوري السابق وانضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد داعش، تحوّلت العلاقة بين “قسد” والتحالف الدولي من شراكة عسكرية مباشرة إلى تعاون أكثر تعقيدًا.
واقع سجون قسد في شمال شرق سوريا
أثار هروب مقاتلي داعش مخاوف بشأن مصير نحو (10) سجون ومخيمات احتجاز كانت تحت حراستها، وكان يُحتجز بداخلها أكثر من الاف من عناصر التنظيم وآلاف آخرون من النساء والأطفال ذوي الصلة بالتنظيم. يبلغ عدد هذه المراكز (26) تقع كلها شرق البلاد. من أبرز السجون والمخيمات التي تؤوي أشخاصًا على صلة بالتنظيم في شمال شرق سوريا. السجنان الرئيسيان في محافظة “الحسكة” هما سجنا “غويران وبانوراما”، يتولى أفراد عسكريون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تأمين المحيط الخارجي للسجون، بينما تحتفظ القوات الكردية بالسيطرة داخله. هناك سجون أخرى كسجن الرقة المركزي “الصوامع”، وسجن الطبقة “سجن عايد”، بالإضافة إلى سجون “سيني” بالشدادي و”علايا” بالقامشلي و”الكسرة” بدير الزور. سيطرت الحكومة السورية على بعض السجون الأخرى التي تضم معتقلي التنظيم أحد هذه السجون هو سجن “الشدادي” الواقع في ريف “الحسكة”. من المنشآت الأخرى التي أصبحت تحت سيطرة الحكومة السورية، سجن “الأقطان” في محافظة “الرقة”. اٌحتجز مقاتلوا داعش في مخيمين رئيسيين، يُعرفان باسم مخيمي “الهول وروج” بريف الحسكة.
يُحتجز أكثر من (38) ألف معتقل في معسكرين شديدي الحراسة، هما “الهول وروج”. بلغ عدد الأجانب في المعسكرين حوالي (23) ألفًا حتى 17 مارس 2025، وأكثر من (60%) منهم أطفال، معظمهم دون سن الـ(12) أما البقية، فغالبيتهم من النساء. ينحدر نحو (15) ألفًا من الأجانب في “الهول وروج” من العراق. بينما ينتمي أكثر من (8) آلاف آخرين إلى نحو (60) دولة مختلفة، من بينها “أستراليا والصين وفرنسا وإندونيسيا وروسيا وترينيداد وتوباغو وتونس والمملكة المتحدة وجنوب إفريقيا”. احتجزت “قسد” نحو (8500) رجل أجنبي وسوري، أو أكثر، للاشتباه في صلتهم بتنظيم داعش، في أكثر من (20) مركز احتجاز، ويشمل هؤلاء مئات من الفتيان والشباب الذين كانوا صغارًا. نحو (5400) من هؤلاء السجناء سوريون، و(3100) على الأقل أجانب، من بينهم نحو (1600) عراقي. كما يُحتجز بضع مئات آخرين من الفتيان والشباب في ما يُسمى بمراكز إعادة التأهيل. أمن ألمانيا ـ مستقبل السياسات الأمنية في مواجهة التهديدات غير التقليدية
أسباب عملية الهروب سجناء داعش
ترى قوات “قسد” أن السبب تخلي الولايات المتحدة عنها في الوقت الذي تعزز فيه واشنطن علاقاتها مع الحكومة لسورية، التي تعهدت بإعادة فرض سيطرتها المركزية على سوريا بأكملها وتعارض الحكم الذاتي الإقليمي للأقليات الدينية أو العرقية. اتهمت واشنطن بعدم دعمها لها بعد طردها من معظم الأراضي التي كانت تسيطر عليها. وأعلنت انسحابها من معسكر اعتقال يضم عشرات الآلاف من المدنيين المرتبطين بتنظيم داعش، مُعللة ذلك بـ”اللامبالاة الدولية” تجاه قضية استعادة مقاتلي داعش وفشل المجتمع الدولي في تحمل مسؤولياته في معالجة هذه المسألة ما سمح لهم بالهروب.
يرى “ماركوس شنايدر”، من مؤسسة “فريدريش إيبرت”: ” إن الضغط على الأكراد قد ازداد على الأرجح في أماكن أخرى، فبالطبع، جاء هذا الضغط في المقام الأول من الأمريكيين. لكن حلفاء الحكومة السورية الجديدة، لديهم مصلحة في ضمان سيطرة الحكومة، وليس قوات سوريا الديمقراطية، على كامل البلاد. ومع ذلك، ليس على حساب انعدام الأمن الشديد في المناطق المستعادة، الأمر الذي قد يؤدي إلى عودة داعش”. من جهة أخرى يعد السبب الثاني رفض لعض الدول الغربية استعادة مقاتليها، وحذرت الولايات المتحدة، من أنها لا تستطيع الاستمرار في ذلك إلى أجل غير مسمى، وحثت الدول على إعادة مواطنيها إلى أوطانهم. أعادت بعض الدول عدداً قليلاً من مواطنيها، لكن دولاً أخرى رفضت ذلك، بل إن بعض الحكومات جردت المحتجزين من جنسيتهم. سمحت العديد من الدول الأوروبية، بما في ذلك المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وهولندا والسويد وبلجيكا، لعدد محدود فقط من الأطفال وأمهاتهم بالعودة.
يعتبر تخفيض التمويل والمساعدات السبب الثالث في فرار السجناء، حيث خفضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العام 2026 ما لا يقل عن (117) مليون دولار من المساعدات الأميركية لشمال شرقي سورية، بما في ذلك ما لا يقل عن (15) مشروعاً في “الهول” و (5) مشاريع في “روج”. وبالرغم من أن الأمم المتحدة والجهات المانحة الأوروبية سدّت جزءًا من النقص، لكنه لا يقترب من مستوى التمويل الذي كانت تقدّمه الولايات المتحدة. السبب الرابع تنامي دعوات تنظيم داعش لنشر دعايته في السجون والمخيمات، فعلى سبيل المثال في مخيم الهول، دعا التنظيم أتباعه إلى “الانتفاض، والقتال حتى بشكل فردي إذا لزم الأمر لمساعدة المحتجزين على الهروب”. بالإضافة إلى نشاط الخلايا النائمة داخل المعسكرات، ومصادرة أسلحة خلال عمليات تفتيش نفذتها القوات الكردية والأميركية. يقول “كولين كلارك” المدير التنفيذي لمركز صوفان: “إنه أمر كارثي نراه بوضوح يحدث أمام أعيننا، ومع ذلك ما زلنا نكافح من أجل اتخاذ أي إجراء حياله”. وأضاف: “إذا نجح داعش في تنفيذ عملية هروب من سجن أو مركز احتجاز، فسيكون ذلك كارثياً”. أمن دولي ـ الترويكا الأوروبية والملف النووي ـ قراءة في السياق الراهن
إحصاءات وأعداد الهاربين
أفادت تقارير بأن (1500) سجين من تنظيم داعش فروا من سجن في بلدة “الشدادة”، بينما أعلنت وزارة الداخلية السورية، أن نحو (120) معتقلاً فروا من سجن كان خاضعاً لسيطرة قوات “قسد” وتم القبض على (81) منهم. لم تكن هذه المرة الأولى التي يفر مقاتلي داعش المحتجزين من السجون فقد فرّ عدد من عائلات تنظيم داعش و(200) مقاتل من الرتب الدنيا من سجن “الشدادي” ومعسكر الهول، وفي عام 2022، تم إجلاء (1000) معتقل من سجن الشدادي إلى سجن أكثر أماناً. نقلت القوات الأمريكية (150) مقاتلاً من تنظيم داعش من مركز احتجاز في الحسكة إلى “موقع آمن” في العراق. يمثل المعتقلون المنقولون في الدفعة الأولى قيادات الصف الأول في التنظيم، منهم (80) عراقياً، والباقون من جنسيات متعددة. تنوي القوات الأمريكية تنفيذ عمليات النقل على مراحل، وقد تصل إحدى الدفعات القادمة إلى نحو (3000) معتقل. بموجب هذه المهمة، قد يتم نقل ما يصل إلى (7000) معتقل من داعش من سوريا إلى منشآت خاضعة للسيطرة العراقية. من المرجح أن يكون هذا النقل دليلاً على مخاوف واشنطن من احتمال هروب المزيد من معتقلي داعش.
يقول “أندرو جيه تابلر”، المدير السابق لشؤون سوريا في مجلس الأمن القومي الأمريكي عام 2019 وكبير مستشاري الممثل الخاص لسوريا في وزارة الخارجية من عام 2020 إلى عام 2021، “هذا يدل على أنهم لا يثقون بأي شخص يحتجزهم بسبب الوضع”. أوضح دبلوماسي أوروبي فضل عدم الكشف عن هويته: “إن النقل المتسرع والمحفوف بالمخاطر للسجناء يدل على عدم وجود ثقة في استقرار هذه المرافق. ومن الواضح أن وضع الاحتجاز ليس تحت سيطرة أي جهة”. أمن دولي ـ الترويكا الأوروبية والملف النووي ـ قراءة في السياق الراهن
توصيات
ينبغي على المجتمع الدولي إدارة الحالات بشكل متزن داخل مراكز الاحتجاز، والمساعدة القانونية، فضلًا عن دعم التماسك الاجتماعي، والخدمات الأساسية والاجتماعية الأخرى تشمل جهود إعادة التأهيل والإدماج، وتقديم المساعدة القانونية، ودعم التماسك الاجتماعي، وتوفير الخدمات الأساسية والاجتماعية الضرورية لضمان إعادة إدماج المحتجزين وسكان المخيمات بشكل فعال وآمن. يجب تفعيل خطط الطوارئ لإعادة التوطين، حيث با متوقعًا أن يظل نحو (20000ـ 25000) من النازحين وحوالي (6000 ـ 7000) من المقاتلين المحتجزين غير قادرين على مغادرة شمال شرق سوريا في المستقبل المنظور، لذلك يجب على المنظمات الدولية ذات الخبرة في إدارة السكان النازحين، مثل وكالات الأمم المتحدة، وتحمل دور أكبر في إدارة المرافق والمخيمات وضمان استدامتها.
2 ـ مكافحة الإرهاب ـ معتقلو داعش بين الفرار والنقل إلى العراق والتحديات الأمنية المستقبلية
يشكّل ملف معتقلي تنظيم “داعش” في شمال شرق سوريا أحد أكثر التحديات الأمنية تعقيدًا في سياق التحولات الميدانية والسياسية التي تشهدها البلاد منذ سنوات. فمع استمرار حالة عدم الاستقرار وتغيّر موازين السيطرة على الأرض، باتت مراكز الاحتجاز التي تضم آلاف المقاتلين المشتبه بانتمائهم إلى التنظيم عرضة لضغوط متزايدة ناجمة عن هشاشة البنية الأمنية، وتراجع الدعم الدولي، وانسحاب أو إعادة تموضع القوى المحلية التي كانت تتولى إدارتها. برز خيار نقل أعداد من المعتقلين من سوريا إلى العراق كإجراء استباقي يهدف إلى الحد من مخاطر الهروب والانفلات الأمني، خاصة مع تزايد المخاوف من استغلال تنظيم “داعش” لحالة عدم الاستقرار الأمني في شمال شرق سوريا. غير أن نقل المعتقلين لا يُمثّل حلًا نهائيًا بقدر ما يعكس محاولة لإدارة الملف في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، وسط تحديات حول قدرة السجون العراقية على الاستيعاب، وأمن عمليات النقل، فضلًا عن احتمالات انتقال التهديد من الساحة السورية إلى الداخل العراقي.
أعداد المعتقلين وأماكن احتجازهم
يُقدَّر عدد المحتجزين في شمال شرق سوريا بنحو (35) ألف معتقل، موزعين على ما يقارب (27) موقعًا، تخضع لإدارة جهات فاعلة متعددة، تشمل قوات سوريا الديمقراطية والقوات الأمنية التابعة لها، إضافة إلى جناحها المدني المتمثل في الإدارة الديمقراطية الذاتية لشمال وشرق سوريا. ويعكس هذا التعدد في الجهات المشرفة تعقيد البنية الإدارية والأمنية لملف الاحتجاز في المنطقة. ووفقًا لآخر بيانات أُتيحت حول هذه المواقع ونشرت في أواخر العام 2024، كان ما يقارب (9000) مقاتل من عناصر “داعش”، غالبيتهم من الذكور، محتجزين في (25) مركز احتجاز.
تدير قوات سوريا الديمقراطية وقوات الأمن التابعة لها، بما في ذلك وحدات حماية المرأة وقوات الأمن الداخلي، عدد (15) مركزًا، في حين تتولى إدارة الشؤون الخارجية والداخلية والإسكان الإشراف على (10) مراكز أخرى، من بينها مركزان مخصّصان لإعادة تأهيل الشباب في “حوري وأوركيش”. وتشير المعطيات إلى أن الغالبية العظمى من المحتجزين في هذه المراكز هم من الرجال البالغين، إلى جانب نحو (1000) فتى مراهق أو شاب صُنِّفوا في الأصل كقاصرين، إضافة إلى (100) امرأة، بعضهن محتجزات مع أطفالهن، وهو ما أثار انتقادات حقوقية واسعة لسياسة احتجاز القاصرين في مرافق من هذا النوع. يشكل السوريون أغلبية عدد المحتجزين، إلى جانب بضع مئات من العراقيين ونحو (2000) شخص من جنسيات أخرى. وقد سُجّل تراجع ملحوظ في أعداد العراقيين المحتجزين منذ عام 2021، نتيجة الجهود المتواصلة التي تبذلها الحكومة العراقية لإعادتهم إلى أراضيها. الجهاديون ـ مراكز احتجاز “داعش” في سوريا، المخاطر والتحديات
الدوافع الأمنية والسياسية للفرار من السجون
تعدد العوامل المؤثرة في حوادث هروب السجناء من مراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا، بدءًا من الهشاشة الأمنية واللوجستية، وصولًا إلى التغيرات الميدانية والسياسية المتسارعة في المنطقة.
انهيار السيطرة الأمنية بعد تغيّر السيطرة الميدانية: فقدت قوات قسد بعض مراكز الاحتجاز ووحدات الحراسة المنظمة، مع الانسحاب الجزئي أو إعادة تموضع قسد نتيجة تقدم القوات السورية المدعومة من الدولة السورية في مناطق سيطرتها، ما وفّر بيئة مناسبة لاحتمالات فرار أو احتجاجات داخل السجون. تمكن الجيش السوري في يناير 2026 من طرد القوات الكردية من مساحات شاسعة من شمال شرق سوريا كانت قوات سوريا الديمقراطية تسيطر عليها لأكثر من عقد من الزمان. أعلنت وزارة الداخلية السورية في 19 يناير 2026 أن نحو (120) معتقلًا فرّوا من سجن الشدادي الذي كان خاضعًا لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. وأضافت الوزارة أنه تم القبض على (81) منهم.
اتهمت قوات سوريا الديمقراطية التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بالتقاعس عن تقديم المساعدة لها بعد طردها من معظم الأراضي التي كانت تسيطر عليها. أعلنت قوات قسد في 20 يناير 2026 أنها انسحبت من مخيم الهول، بسبب “اللامبالاة الدولية” تجاه “داعش” و”فشل المجتمع الدولي في تحمّل مسؤولياته في معالجة هذه المسألة الخطيرة”. تشعر قوات سوريا الديمقراطية الكردية بأن الولايات المتحدة تخلت عنها في الوقت الذي تعزز فيه واشنطن علاقاتها مع الحكومة السورية، التي تعهدت بإعادة فرض سيطرتها المركزية على سوريا بأكملها وتعارض الحكم الذاتي الإقليمي للأقليات الدينية أو العرقية. وقد صرّح المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك أن واشنطن لم تعد بحاجة إلى الاعتماد على قوات سوريا الديمقراطية كحليف رئيسي لها في محاربة “داعش”.
الضعف اللوجستي في إدارة السجون: كشفت البيانات الرسمية، وبتقديرات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية في السنوات الأخيرة، عن أبعاد الضعف اللوجستي الحاد الذي تعاني منه قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في إدارة السجون ومرافق الاحتجاز التي تضم عناصر “داعش”، مما ساهم في زيادة مخاطر الهروب والفراغ الأمني. إذ تعتمد قوات الحماية على بنى احتجاز غالبًا ما تكون منشآت معاد استخدامها “مدارس ومستودعات” لا تفي بالمعايير الدولية للحماية والأمن، وتفتقر إلى تجهيزات متقدمة لمراقبة السجناء وإدارة الطوارئ، مما يضعف السيطرة اللوجستية ويجعل هذه المرافق عُرضة لحدوث ثغرات أمنية. كما أدّى تراجع الدعم الدولي والتمويل المخصص لإدارة السجون والمعسكرات إلى تقلص الخدمات الأساسية والإمكانات الأمنية، مما أثر بشكل مباشر على قدرة قسد على توفير جدران احتجاز قوية، وتأمين خطوط الإمداد، وتدريب الكوادر على إدارة معتقلين ذوي خبرات قتالية.
أشارت منظمة هيومن رايتس في فبراير 2025 إلى أن منظمة بلومونت، المسؤولة عن إدارة مخيمي الهول والروج، تلقت أمرًا بوقف العمل من مكتب السكان واللاجئين والهجرة التابع لوزارة الخارجية الأمريكية مساء يوم 24 يناير 2025. وقد علّقت بلومونت أنشطتها وسحبت جميع موظفي إدارة المخيم، بمن فيهم الحراس المسؤولون عن تأمين المواقع والخدمات والمرافق ومخزونات المستودعات للمنظمات غير الحكومية. ونتيجة لذلك، أوقفت عدة منظمات أخرى جميع أنشطتها في المخيمات.
عدم إعادة مقاتلي “داعش” الأجانب إلى بلدانهم: أصدر مجلس الأمن في 2017 قرارًا يدعو إلى إعادة رعايا الدول الأجنبية الذين انضموا للتنظيم في المخيمات إلى بلدانهم، ومحاكمتهم ودمجهم في مجتمعاتهم الأصلية، مشددًا على عدم ترك المقاتلين الأجانب في مناطق نزاع غير مستقرة، لأن ذلك يشكّل تهديدًا مباشرًا للسلم والأمن الدوليين. ورغم صدور هذا القرار، فإن العديد من الدول لم تطبّقه بالشكل المطلوب، مما أدى إلى تراكم المشاكل القانونية والإنسانية المتعلقة بمصير هؤلاء الأفراد. وفقًا لبيانات إدارة شمال وشرق سوريا، فإن نسبة إعادة الأجانب المُنجزة صغيرة جدًا مقارنة بعددهم الكلي، وهي أقل من (5%) من إجمالي المقاتلين الأجانب المحتجزين في سوريا، إذ تمّت إعادة ما يقارب (6000) شخص من الأجانب إلى بلدانهم أو إلى العراق منذ 2019. من هؤلاء، تم نقل نحو (659) شخصًا إلى العراق، و(17) إلى أستراليا، و(58) إلى فرنسا، و(12) إلى ألمانيا، و(40) إلى هولندا، و(38) إلى روسيا، و(2) إلى المملكة المتحدة.
يُعدّ تقييم المخاطر الأمنية أحد أبرز العقبات التي تحول دون إعادة المقاتلين الأجانب من معسكرات الاعتقال في سوريا، إذ تخشى الحكومات من أن يُشكّل المواطنون العائدون، والذين تربط الكثير منهم صلات ما بتنظيم “داعش”، تهديدات إرهابية مستمرة في حال عدم مراقبتهم أو مقاضاتهم بشكل كافٍ. ويزيد الأمر تعقيدًا التحدي القانوني، حيث تفتقر العديد من الدول إلى أدلة كافية ومقبولة لمحاكمة المحتجزين بموجب القانون المحلي، لا سيما عن الجرائم المرتكبة في الخارج، مما يترك أمامها خيارات محدودة تتجاوز المراقبة أو برامج مكافحة التطرف. ورغم توفر أدلة من ساحة المعركة أحيانًا، إلا أن هذا المفهوم لا يزال في مراحله الأولى، ولا يزال العديد من المدّعين العامين مترددين في محاولة دمجه في إجراءات المحاكم.
استراتيجية “هدم الأسوار” : لم يكن الفرار من السجون حدثًا عفويًا أو ناتجًا فقط عن انهيارات أمنية، بل جاء نتيجة تفاعل بين دعم التنظيم، والظروف السياسية والعسكرية الهشّة، والبنية غير المستقرة لمراكز الاحتجاز. تُعدّ استراتيجية “هدم الأسوار” إحدى الركائز العملياتية المبكرة لتنظيم “داعش”، والتي بدأت بسلسلة من الهجمات المنسقة على السجون التي نفذها التنظيم في العراق بين يوليو 2012 ويوليو 2013. أعلن التنظيم عن الحملة بهدف تحرير أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب المسجونين، وتعزيز صفوف التنظيم، وإظهار قدرته على العمل بقوة رغم سنوات من الضغوط الأمريكية لمكافحة الإرهاب.
تجلّت آثار حملة “هدم الأسوار” في يناير 2022، عندما شنّ عناصر “داعش” أكبر عملية له منذ انهيار خلافته المزعومة مطلع عام 2019: هجوم واسع النطاق على سجن غويران (السيناء) في الحسكة، شمال شرق سوريا، والذي كان يضم نحو (3500) من مقاتلي التنظيم المشتبه بانتمائهم إليه. بدأ الهجوم بتفجير سيارة مفخخة منسق وكمين متزامن، أعقبه انتفاضة داخل السجن. استمرت المعارك قرابة (10) أيام، حيث سيطر التنظيم على أجزاء من السجن والأحياء المجاورة، مستخدمين المعتقلين كدروع بشرية. استعادت قوات سوريا الديمقراطية، بدعم من غارات جوية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ومستشارين ميدانيين، السيطرة في نهاية المطاف. ورغم إعادة القبض على معظم المعتقلين، تمكن المئات من الفرار، مما يدل على قدرة تنظيم “داعش” التنظيمية المستمرة وضعف الوضع الأمني في مراكز الاحتجاز بشمال شرق سوريا. مكافحة الإرهاب ـ واقع هروب مقاتلي داعش من سجون قسد في شمال شرق سوريا
ترحيل معتقلي “داعش” من سوريا إلى العراق، الدوافع والتحديات
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” في 21 يناير 2026 أن القوات الأمريكية نقلت (150) مقاتلًا من تنظيم “داعش” من مركز احتجاز في الحسكة إلى “موقع آمن” في العراق. وبموجب هذه المهمة الجديدة، قد يتم نقل ما يصل إلى (7000) معتقل من “داعش” من سوريا إلى منشآت خاضعة للسيطرة العراقية. ووفقًا للأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، فإن تسهيل النقل المنظم والآمن لمعتقلي “داعش” أمر بالغ الأهمية لمنع حدوث عملية هروب من شأنها أن تشكّل “تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة والأمن الإقليمي”. ترتبط هذه الخطوة بالتطورات الميدانية في سوريا، حيث أدّى انسحاب قوات سوريا الديمقراطية قسد أو تراجعها من بعض المناطق إثر اتفاقات وقف إطلاق النار إلى زيادة مخاوف بشأن قدرة تلك القوى المحلية على ضمان أمن مراكز الاحتجاز التي تضم آلافًا من عناصر التنظيم.
كشف مجلس القضاء الأعلى في العراق، في الثاني من فبراير 2026، أن عدد عناصر تنظيم “داعش” الذين تسلّمتهم السلطات العراقية من السجون السورية بلغ (1387) عنصرًا، وتمت المباشرة بالتحقيق معهم عبر عدد من القضاة المختصين في مكافحة الإرهاب. وسبق أن أعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” في أغسطس 2025 أن العراق نجح في إعادة أكثر من (25) ألف مواطن عراقي، أي ما يقارب (80%)، من معسكري احتجاز الهول والروج في شمال شرق سوريا. وتعكس هذه الزيادة في عمليات إعادة المواطنين العراقيين من المعسكرات الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، والتي تضم آلافًا من أفراد عائلات مقاتلي “داعش”، الالتزامات التي سبق أن أعلنتها الحكومة العراقية.
وصف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الجهود العراقية بـ”مبادرة نموذجية”، وعرض تقديم مساعدات الأمم المتحدة لبرامج إعادة المواطنين، لا سيما تلك التي تستهدف الأطفال دون سن الثامنة عشرة. وبدعم من الصندوق العالمي للمشاركة المجتمعية والمقاومة “GCERF”، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف”، ومكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب “UNOCT”، طوّر العراق البنية التحتية اللازمة لإعادة مواطنيه بأعداد كبيرة. وقدّم مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب معدات أساسية لتسجيل وتتبع العائدين البالغين، فضلًا عن التدريب على ممارسات المقابلات المراعية للصدمات النفسية. كما طوّر العراق، بدعم من الصندوق العالمي للمشاركة المجتمعية والمقاومة، مبادرة شاملة ومتعددة المراحل لإعادة المواطنين، قد تُشكّل نموذجًا يُحتذى به لجيرانه. ومع ذلك، لا تزال استجابات الدول على نطاق أوسع متقطعة.
دوافع نقل السجناء من سوريا إلى العراق: كان مسؤولو بغداد واضحين في تبرير نقل المعتقلين كخطوة استباقية لحماية الأمن القومي، وأشار المتحدث باسم الحكومة العراقية إلى أن قرار النقل لم يُتخذ إلا بعد دراسة مستفيضة، وأن العملية تهدف إلى منع أي تهديد مباشر للمجتمع العراقي وللدول المجاورة. كما أعلن العراق تشكيل لجنة أمنية خاصة للإشراف على عملية النقل والتعامل مع عناصر التنظيم وصولًا إلى تقديمهم للعدالة في مؤسسات عراقية مناسبة. تتضمن الأسباب القانونية أن العراق، كدولة متضررة بشكل مباشر من هجمات “داعش”، يمتلك إطارًا قضائيًا مؤسسًا لمعالجة قضايا الإرهاب. وقد أعلن المجلس الأعلى القضائي العراقي أن جميع المتهمين، بغض النظر عن جنسيتهم أو موقعهم التنظيمي، سيخضعون للسلطة القضائية العراقية لإجراءات قانونية عادلة في مؤسسات إصلاحية متخصصة. وإزاء ذلك، برز العراق كخيار عملي تكون فيه المحاكمة والمراقبة الأمنية أكثر قدرة على منع تكرار الهجمات أو إعادة تنظيم خلايا إرهابية تهدد الاستقرار في المنطقة.
يرى خبراء الأمن أن نقل هذا العدد الكبير من المعتقلين يندرج ضمن رؤية تهدف إلى منع سيناريو أكثر تكلفة بكثير، “هروب آلاف من عناصر داعش من سجون قوات سوريا الديمقراطية”. ويشيرون إلى أن مثل هذه النتيجة كانت ستكلف العراق أضعافًا مضاعفة من الناحية الأمنية والعسكرية والاقتصادية مقارنة باحتجازهم على أراضيه، لا سيما وأن التنظيم قد يستغل جغرافية العراق كبيئة هشّة مواتية لإعادة التسلل وتجدد النشاط. يُتيح نقل المحتجزين إلى العراق ووضعهم تحت سلطة دولة معترف بها دوليًا فرصًا قانونية لم تكن متاحة سابقًا. ويُشار إلى أن قوات سوريا الديمقراطية تفتقر إلى صلاحية إجراء المحاكمات أو عمليات الترحيل، بينما يمتلك العراق، كدولة، صلاحية القيام بكليهما. ومع ذلك، أوضحت الحكومة العراقية أن استقبال المحتجزين حلّ مؤقت، وأن إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية تبقى أولوية.
مخاطر نقل سجناء “داعش” إلى العراق: تتزايد المخاوف في العراق بشأن التداعيات الأمنية لهذه الخطوة في بلد عانى طويلًا من هجمات داعش. وقد عبّر عن هذه المخاوف خبراء أمنيون ونواب في البرلمان، معتبرين أن النقل بحد ذاته لا يخلو من ثغرات أمنية حساسة. فمن الناحية العملياتية، تمثل مراحل النقل، سواء البرية أو الجوية، نقاط ضعف محتملة، إذ يتطلب تحريك مئات السجناء شديدي الخطورة تنسيقًا عالي المستوى بين القوات الأمريكية والعراقية، وأي خلل في الاستخبارات أو الحماية قد يفتح المجال لمحاولات هجوم أو تهريب، خاصة في بيئة إقليمية ما زالت تشهد نشاطًا لخلايا “داعش” النائمة. وقد حذّرت تقارير أمنية من أن التنظيم يمتلك خبرة سابقة في استهداف القوافل والسجون، ما يجعل عمليات النقل نفسها هدفًا مغريًا لإعادة إحياء استراتيجية “هدم الأسوار” بأساليب غير مباشرة.
يواجه العراق تحديًا لا يقل خطورة يتمثل في مخاطر هروب السجناء بعد نقلهم إلى الداخل العراقي، إذ تشير بيانات رسمية إلى أن السجون العراقية تضم أصلًا آلاف المدانين بقضايا إرهاب، وتعمل في بعض الحالات فوق طاقتها الاستيعابية، ما يرفع من احتمالات التمرد أو التنسيق الداخلي بين المعتقلين، خصوصًا إذا لم تُعزَّز إجراءات العزل والحراسة والتأهيل. وفي هذا السياق، حذّر خبراء أمنيون من أن أي اختراق أمني داخل السجون قد يؤدي إلى إعادة تدوير عناصر “داعش” داخل المشهد العراقي بدل تحييدهم.
يرى منتقدو سياسة النقل أن نجاحها يظل مرهونًا بقدرة العراق على سد الثغرات الأمنية أثناء النقل، وتشديد السيطرة على السجون، ومنع تحولها إلى مراكز استقطاب جديدة، وإلا فإن هذه الخطوة قد تخفف الضغط عن الساحة السورية، لكنها تنقل جزءًا من التهديد بشكل مباشر إلى الداخل العراقي. مكافحة الإرهاب ـ تداعيات هروب سجناء داعش في سوريا والتدابير الواجب اتخاذها.
3 ـ مكافحة الإرهاب ـ تبعات هروب مقاتلي داعش من سجون شمال شرق سوريا
عاد ملف المقاتلين الأجانب ضمن صفوف تنظيم “داعش” إلى الواجهة مرة أخرى، عقب الاشتباكات التي وقعت بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في مناطق شمال شرق سوريا خلال الفترة (ديسمبر 2025 ـ يناير 2026)، والتي أدت إلى هروب أعداد من هؤلاء المقاتلين من سجون سوريا، الأمر الذي يثير المخاوف مجددًا بشأن استغلال التنظيم حالة الفوضى الأمنية والارتباك السياسي في سوريا، وتكثيف هجماته وإعادة ترتيب صفوفه، ما يطرح تساؤلات حول مصير المقاتلين الأجانب وإمكانية أن تستعيد دول أوروبا مواطنيها الذين التحقوا بداعش.
المخاوف الأوروبية من عودة المقاتلين الأجانب
كانت هزيمة تنظيم داعش في معركة “الباغوز” بسوريا في 23 مارس 2019 خطوةً للقضاء على ما عُرف باسم “الخلافة المكانية”، ولم تؤدِّ إلى انتهاء خطر التنظيم تمامًا، إذ ظل داعش طوال هذه السنوات نشطًا في المناطق الحدودية بين سوريا والعراق، إلى جانب توسيع نفوذه في دول أفريقيا وآسيا، وشن هجمات ضد أوروبا. وتشير التقديرات الأمريكية في 2024 إلى بقاء نحو (2500) مقاتل نشط في سوريا والعراق، بينما ذكر تقرير لمجلس الأمن الدولي بقاء (3000) مقاتل نشط في سوريا والعراق حتى أغسطس 2025. رغم فقدان التنظيم قياداته وضعف العناصر المتبقية، إلا أنهم يتمتعون بالقدرة على الحركة، وتحديدًا في سوريا وعلى الحدود السورية ـ العراقية. ويتواجد أكثر من (10) آلاف مقاتل من داعش في (28) مركز احتجاز كانت تابعة لقوات سوريا الديمقراطية، ومن بينهم أخطر قيادات التنظيم؛ إذ إن (64%) منهم سوريون، و(19%) عراقيون، و(17%) أجانب من أكثر من (50) دولة.
يضم سجن “غويران”، المعروف باسم “سجن الصناعة”، أحد أكبر السجون التي يتواجد بها عناصر داعش، ما بين (3 ـ 5) آلاف معتقل، ويقع في حي “غويران” بمنطقة “الحسكة” شمال شرقي سوريا، وقد شهد هجومًا عنيفًا في يناير 2022، دارت خلاله معارك كبيرة لإحباط محاولة هروب جماعي لعناصر التنظيم. وكان يتواجد نحو (60) ألفًا من عائلات وأطفال داعش في المخيمات، إلا أن هذا العدد انخفض نتيجة عمليات الإعادة إلى أوطانهم، وتحديدًا إلى العراق، على مدار سنوات. ووفقًا لتقديرات العام 2025، يضم مخيما الهول وروج نحو (28) ألف شخص، بينهم ما يقارب (15) ألف سوري، و(4) آلاف عراقي، ونحو (6300) امرأة وطفل أجنبي من (42) جنسية في الهول، ونحو (2500) آخرين في روج، وترفض معظم بلدانهم استعادتهم.
تسببت الاشتباكات الأخيرة بين الحكومة السورية وقوات قسد في فرار أعداد من مقاتلي داعش من سجن “الشدادي” بالحسكة في 20 يناير 2026؛ إذ أشارت الحكومة السورية إلى فرار نحو (120) معتقلًا، بينما تحدثت “قسد” عن ما يصل إلى (1500) معتقل، وذكرت الحكومة السورية أنها ألقت القبض على نحو (80) مقاتلًا مرة أخرى. وأوضحت تقارير هروب بعض المقاتلين إلى البادية السورية ومناطق حدودية بين محافظات “دير الزور والحسكة” والحدود العراقية، لكونها مناطق جبلية ذات تضاريس وعرة. كما أشارت تقارير أممية إلى مخاوف من احتمالية فرار بعض المقاتلين الأجانب وعودتهم إلى بلدانهم في أوروبا، أو انتقالهم إلى دول مثل ليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي وأفغانستان، حيث تتواجد مجموعات مرتبطة بداعش في هذه الدول.
تهديدات العودة إلى أوروبا
تزداد المخاطر بشأن عودة مقاتلي داعش الأجانب إلى أوروبا، نظرًا لتغير الأوضاع السياسية والأمنية في مناطق شمال شرق سوريا، وفرار أعداد عبر الحدود السورية ـ العراقية، ما يرجح إعادة تجمّع الخلايا النائمة والتنقل عبر الحدود، واستغلال الذكاء الاصطناعي في الدعاية المتطرفة، والتكنولوجيا الحديثة مثل الطائرات المسيّرة لتنفيذ هجمات عابرة للحدود. ويتخوف مسؤولو الاتحاد الأوروبي من عودة المقاتلين الأكثر خبرة قتالية وتنظيمية، وتوجيه “الذئاب المنفردة” عبر قنوات الاتصال المشفّرة. كما تثير الاضطرابات التي تشهدها السجون والمخيمات شمال سوريا قلقًا بشأن احتمالات الوصول إلى أوروبا عبر مسارات تقليدية، من خلال الهروب عبر شرق المتوسط والاتجاه إلى اليونان ودول البلقان ووسط أوروبا. وقد يلجأ بعض المقاتلين العائدين إلى الانضمام لموجات الهجرة غير الشرعية عبر وثائق مزورة، أو التحرك عبر مسارات غير تقليدية مرورًا بدولة ثالثة، من سوريا أو العراق عبر تركيا، أو دول القوقاز، أو شمال أفريقيا، ثم الانتقال إلى أوروبا.
تكمن الإشكالية في تفاوت قدرات دول أوروبا، مثل “اليونان وإيطاليا وإسبانيا وبلغاريا”، في مراقبة الحدود والتعامل مع المهاجرين غير الشرعيين، رغم توسيع قواعد مراقبة الحدود عبر بصمات الوجه والبيانات البيومترية. كما تتباين درجة الرقابة وتصنيف الأفراد بين دول أوروبا، ما يؤثر على دقة التتبع عند العبور عبر منطقة “شنغن”، ويؤخر تحديث قوائم الأفراد الذين يمثلون خطورة على الأمن القومي الأوروبي، ما يدفع الدول إلى الاعتماد على العمل الاستخباراتي أكثر من ضبط الحدود. يتسبب تعدد الأنظمة الاستخباراتية الوطنية في فجوة تكامل بين دول الاتحاد، نتيجة تجزئة قواعد البيانات، إلى جانب تردد بعض الأجهزة في مشاركة تفاصيل تشغيلية، واختلاف الأطر القانونية بشأن التعامل مع العائدين من داعش، بين قوانين الاحتجاز وسحب الجنسية، وإعادة التأهيل والدمج في المجتمع. المقاتلون الأجانب ـ العائدون من داعش في ألمانيا، تحديات أمنية واستراتيجية مستقبلية
سياسات الدول الأوروبية تجاه مقاتلي داعش
طالبت فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، في 30 يناير 2026، بتجنب حدوث فراغ أمني واستمرار جهود محاربة داعش في سوريا والعراق، محذّرةً من تكرار حالات هروب المقاتلين. وتطبّق فرنسا سياسات مشددة في استعادة مقاتلي داعش من مخيمات وسجون سوريا، مع إعادة عدد محدود من الأطفال والنساء. وفي 13 مارس 2025 قضت محكمة إدارية في فرنسا بضرورة إعادة النظر في رفض طلبات استعادة عدد من النساء والأطفال. وتُولي فرنسا مسؤولية المحاكمات والتحقيقات للعائدين من داعش وعائلاتهم إلى نيابة مكافحة الإرهاب، كوسيلة لمواجهة المقاتلين العائدين في حال توافر أدلة، كما تقدّم الدعم لصندوق “FIPD” المسؤول عن تمويل مشاريع إعادة الدمج وبرامج الوقاية المجتمعية.
تركّز ألمانيا على الملاحقة الأمنية الداخلية للعائدين حين تتوفر أدلة، وترحيل مواطنين أجانب في حال عدم الموافقة على حق اللجوء، وقد شهد عاما 2024 و2025 ترحيل أعداد كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين. ويتعاون المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية والمكتب الاتحادي لحماية الدستور في برامج الوقاية وإعادة التأهيل للعائدين، وغالبًا ما تكون على مستوى الولايات. وتعتمد بريطانيا على نهج أمني وقانوني متكامل، لا سيما أن السياسة البريطانية تميل إلى استعادة أطفال ونساء داعش عندما يكون ذلك ممكنًا، وملاحقة مقاتلي داعش العائدين إذا توفرت أدلة جنائية، مع تدابير مثل أوامر منع السفر حين لا تتوافر الأدلة للمحاكمة. وقد توسعت بريطانيا في برامج الدعم لإعادة الدمج خلال عامي 2024 و2025، كما تركّز أيضًا على السياسة الوقائية عبر برنامج “بريفنت Prevent” لمكافحة التطرف.
دور التحالف الدولي
تولّى التحالف الدولي ضد داعش مهامّ معقّدة للتعامل مع الأزمة الأمنية التي تشهدها مناطق شمال شرق سوريا، وبدأت القيادة المركزية الأمريكية “CENTCOM”، في 21 يناير 2026، عملية نقل منظّمة لنحو (7) آلاف معتقل من سجون سوريا إلى العراق، لضمان بقائهم في أماكن احتجاز آمنة. وضمت الدفعة الأولى (150) عنصرًا، بينهم قياديون بارزون في التنظيم ومقاتلون أوروبيون. وفي 24 يناير 2026، نُقل مئات المعتقلين في الدفعة الثانية، وُزِّعوا على (3) سجون في العراق. ويُنسّق التحالف مع السلطات العراقية لتسهيل عملية النقل عبر الحدود إلى مرافق أمنية عالية المستوى في العراق. كما ركّز التحالف على تنسيق أمني ودبلوماسي مع القوات الحكومية السورية في مناطق الاحتجاز والمخيمات التي يتواجد بها مقاتلو داعش وعائلاتهم، لا سيما أن الحكومة السورية انضمّت إلى جهود التحالف في 11 نوفمبر 2025.
أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 24 يناير 2026، اتصالًا هاتفيًا مع نظيره السوري “أحمد الشرع”، للتأكيد على أهمية التعاون الدولي لمنع عودة الإرهاب إلى سوريا. ويقول مدير مشروع السلام والأمن الإقليميين في الشرق الأوسط، لدى فرع مؤسسة “فريدريش إيبرت” الألمانية في بيروت “ماركوس شنايدر”: “إن قوات سوريا الديمقراطية كانت تسيطر على الجهاديين بالمنطقة، لذا يجب دعمها دوليًا”. لا سيما أن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا “توم باراك” أعلن أن واشنطن تدعم الحكومة السورية، ما يرجّح مواصلة الضغط على قوات قسد، وانعدام الأمن في المناطق التي انسحبت منها. ورغم التباطؤ في نقل مقاتلي داعش إلى العراق، عقب دعوات من بغداد لدول أخرى لاستعادة مواطنيها من المقاتلين، فإنه تم نقل ما يقارب (1300) مقاتل من داعش حتى 3 فبراير 2026. أكد وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو”: “أن المقاتلين الأجانب سيبقون في العراق بشكل مؤقت، وستحث واشنطن الدول على تحمّل مسؤوليتها وإعادة مواطنيها للمحاكمة”. كما دعمت واشنطن اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية و”قسد”، في 30 يناير 2026، الذي يوقف الاشتباكات في مناطق شمال شرق سوريا، ويمنع داعش من استغلال الوضع الأمني لنشر الفوضى وتكرار حوادث الفرار من السجون. مكافحة الإرهاب ـ كيف يستعد تنظيم داعش لتنفيذ هجمات مستقبلية بالذكاء الاصطناعي؟
قصور التحالف في منع الهروب
أخفق التحالف الدولي لمكافحة داعش في منع فرار بعض مقاتلي التنظيم من سجون شمال شرق سوريا، لعدم وضع خطة استباقية للتعامل مع تطورات الاشتباكات بين الحكومة السورية و”قسد”، وهو ما يعكس قصورًا في قراءة المشهدين السياسي والأمني، وتقدير قدرات قوات “قسد” التي انسحبت بعد الاشتباكات مع الحكومة السورية. ويتعلق الأمر بغياب البيانات المتعلقة بمواقع الاحتجاز وقوات الحراسة، ووجود فجوة في تبادل المعلومات الاستخبارية بين الشركاء الإقليميين والدوليين. لا يمتلك التحالف موارد كافية لتجهيز منشآت احتجاز بديلة لنقل المقاتلين فورًا بعد الانهيار الأمني الذي تعرضت له المنطقة، كما لا تتوافر لديه حماية جوية وبرية كافية لتنفيذ حصر شامل للهاربين، إلى جانب اعتماده على موارد بشرية وأمنية محدودة، متمثلة في قوات “قسد”، لتأمين هذه السجون. تسبب امتناع دول أوروبا عن استعادة مواطنيها في زيادة الأعباء على التحالف فيما يتعلق بنقل المقاتلين. ويشكل بقاء أطفال ونساء داعش في المخيمات تحديًا إنسانيًا إضافيًا أمام تعامل التحالف الدولي مع الوضع هناك، ومنع حدوث أي تمرد أو فوضى في مناطق احتجازهم.
مستقبل دور التحالف
سيناريو الاستمرارية: تشير عملية نقل المعتقلين من سوريا إلى العراق، والتنسيق مع بغداد ودمشق لمنع انتشار خلايا داعش عبر الحدود بين البلدين، إلى استمرار التحالف في مهامه لمكافحة داعش. ويحتفظ التحالف بقوات وأصول لوجستية في مناطق شمال شرق سوريا للقيام بمهام المراقبة والضربات الجوية المحدودة ضد خلايا داعش، وتقديم الدعم اللوجستي للحكومة السورية، ودعم العراق في نقل ومحاكمة مقاتلي داعش. ويرتبط هذا السيناريو بتغير خريطة النفوذ في شمال سوريا، وارتباك الأوضاع الأمنية عقب انسحاب “قسد”، والمخاوف من تكرار حوادث هروب عناصر داعش من السجون. ويُعد هذا السيناريو الأقرب في ظل المخاوف من عودة داعش.
سيناريو التحول إلى الدور الاستشاري: تواصل دول التحالف الدولي، وفي مقدمتها ألمانيا، دورها في دعم القدرات الاستخباراتية وتبادل المعلومات مع الشركاء، وتدريب الفرق المحلية على ملاحقة الشبكات المالية لداعش والتحقيق مع عناصره. وتُعد هذه المهام بداية لتحول التحالف إلى دور استشاري وتدريبي، والانسحاب من الأدوار الميدانية المباشرة، والاكتفاء بتزويد الحكومتين السورية والعراقية بالدعم المعلوماتي والتقني والجنائي، وتعزيز قدراتهما في احتجاز ومحاكمة عناصر داعش. ويُعد هذا السيناريو وارد الحدوث، ولكن بشكل تدريجي يضمن حفظ الأمن في سوريا والعراق.
سيناريو الانسحاب التدريجي: أعلن العراق، في 17 يناير 2026، انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة “عين الأسد” الجوية، التي تضم قوات للتحالف بقيادة واشنطن غرب البلاد، وقد تولى الجيش العراقي السيطرة عليها. وجاءت هذه الخطوة قبل التطورات الراهنة في شمال سوريا، وتمثل تمهيدًا لإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق. ويرجّح هذا السيناريو الانسحاب تدريجيًا في غضون أشهر أو عامين، مع إسناد مهام المراقبة والحراسة والمحاكمة إلى القوات المحلية في سوريا والعراق. ويأتي هذا السيناريو في إطار الضغط الداخلي على دول التحالف لتقليل الوجود العسكري خارج أراضيها، في ظل انشغال دول التحالف بقضايا أمنية أخرى. ويُعد هذا السيناريو مستبعدًا في الوقت الحالي، خاصة أن عملية استعادة المقاتلين الأجانب غير واردة الحدوث.
دور حكومة الشرع
تجددت الاشتباكات رغم الاتفاق المعلن في 18 يناير 2026 بين الحكومة السورية و”قسد”، في محافظة “الحسكة” التي تضم معسكري “الهول وروج”. ومع تقدم قوات الحكومة السورية ميدانيًا، اندلعت اشتباكات حول عدة سجون تضم عناصر من داعش، وتبادل الجانبان الاتهامات بإطلاق سراح معتقلي داعش من سجن الشدادي. وفي 20 يناير 2026 حاولت وزارة الداخلية السورية السيطرة على السجن والقبض على بعض العناصر الهاربة، خاصة أنها تولت زمام الأمور في المنطقة عقب انسحاب “قسد”. وأعلن الجيش السوري، في 30 يناير 2026، منطقة “الهول”، التي تضم “مخيم الهول”، منطقةً أمنيةً مغلقة.
يوضح “أندريه بانك” أستاذ العلوم السياسية وخبير شؤون سوريا في المعهد الألماني للدراسات العالمية والإقليمية “GIGA” تخوف واشنطن من تعاطف في صفوف الجيش السوري مع تنظيم داعش. ويشكك مدير مشروع السلام والأمن الإقليميين في الشرق الأوسط، لدى فرع مؤسسة “فريدريش إيبرت” الألمانية في بيروت “ماركوس شنايدر” في قدرات الحكومة السورية، مشيرًا إلى نقل معتقلي داعش إلى العراق، ووجود نوع من عدم الثقة من جانب واشنطن تجاه دمشق. ولم يستبعد “ماركوس شنايدر” حدوث نوع من الارتباط الأيديولوجي بين داعش والجيش السوري، ما قد يؤدي إلى تراجع اهتمام بعض أفراد القوات الحكومية بمكافحة داعش.
تواجه الحكومة السورية تحديات أمنية، نظرًا لأن مخيمي الهول وروج يعدان ملاذًا آمنًا للتطرف، بسبب تواجد عائلات داعش فيهما. كما تتخوف دمشق من تكرار حوادث الهروب أو وقوع حالات تمرد داخل المخيمات والسجون. وتواجه تحديات قانونية، متمثلة في إمكانية تطبيق حكم الإعدام على مقاتلي داعش في العراق، وصعوبة إثبات الجرائم ضد المعتقلين، لادعائهم أدوارًا غير قتالية، مع عدم توافر محكمة دولية، ما يصعّب مسألة محاكمة المقاتلين الأجانب أو اتخاذ إجراءات قانونية ضدهم.
تهديدات مستقبلية
تتمثل التهديدات في إعادة تنظيم داعش صفوفه، مستغلًا الفراغ الأمني وتحول النفوذ السياسي في شمال شرق سوريا من “قسد” إلى الحكومة السورية، ما قد يزيد من الهجمات التي تستهدف كمائن أمنية وقوافل عسكرية. كما تتصاعد المخاوف من تموضع خلايا داعش في البادية السورية وعلى الحدود السورية ـ العراقية، وتوسيع عملياتها ضد البنية التحتية في البلدين باستخدام السيارات المفخخة، إلى جانب إعادة ربط شبكاته الإقليمية بالعناصر الهاربة خارج سوريا والعراق من خلال التواصل عبر القنوات ووسائل الاتصال المشفرة، الأمر الذي قد يؤدي إلى انتشار موجة إرهاب عابرة للحدود. مكافحة الإرهاب: أهمية التعاون الأمني بين العراق وسوريا في ملف عائلات داعش
توصيات
ينبغي تسريع عملية نقل المعتقلين إلى العراق، مع ضمان محاكمات وفقًا لمعايير أممية، حتى تتمكن المحاكم العراقية من إصدار أحكام بحق المقاتلين الأجانب. كما ينبغي أن يتبادل التحالف الدولي ضد داعش مع الاتحاد الأوروبي المعلومات الاستخباراتية حول حركة المقاتلين الأجانب وآليات توقيفهم. ويتعين على واشنطن ممارسة ضغوط على قوات الحكومة السورية و”قسد” لمنع تجدد الاشتباكات وإنهاء الخلافات الراهنة، وتعزيز تأمين السجون والمخيمات في شمال شرق سوريا، وتقديم برامج لإعادة تأهيل أطفال ونساء داعش. ويجب ألا يغفل التحالف الدولي التنسيق مع الدول الأجنبية لاستعادة مواطنيها ومحاكمتهم أو إعادة تأهيلهم، بحسب الأدلة المتوافرة.
**
تقييم وقراءة مستقبلية
– يشير هروب مقاتلي داعش من بعض السجون في شمال شرق سوريا إلى هشاشة الوضع الأمني، كما يكشف عن ثغرات كبيرة في آليات الاحتجاز وإدارة مراكز الاحتجاز، خاصة في ظل تراجع دعم واشنطن المباشر لـ”قسد”. فالاعتماد على الدعم الأميركي والتنسيق مع التحالف الدولي كان يشكّل العمود الفقري في السيطرة على معتقلي داعش، ومع انخفاض التمويل وتخفيض المشروعات الإنسانية، تبرز مخاطر تتعلق بالأمن والاستقرار المحلي والإقليمي والدولي.
– من المرجح أن تصبح السجون والمخيمات، مثل “الهول وروج”، “بؤرة توتر” تتجاوز البعد الأمني، إذ تمثل تحديًا إنسانيًا كبيرًا، خاصة مع العدد الكبير من الأطفال والنساء المرتبطين بتنظيم داعش. فغياب التمويل وخفض المساعدات الأميركية، رغم تدخل بعض الجهات المانحة الأوروبية، قد يؤدي إلى ضعف القدرة على تقديم الخدمات الأساسية، ويُهيئ البيئة المناسبة لنمو تأثير خلايا التنظيم النائمة.
– من المتوقع أن يمثل النقل المخطط لمقاتلي داعش إلى العراق قلقًا متزايدًا من احتمال الهروب أو الفوضى داخل المخيمات والسجون. وقد تزيد من المخاطر قصيرة المدى، خصوصًا مع تنوع الجنسيات ومستوى التدريب القتالي للقيادات الصف الأول. كما يعكس ذلك أزمة ثقة بين القوى الدولية والإقليمية فيما يتعلق بالاحتجاز المستدام، ما قد يضاعف احتمالات الاستغلال الدعائي للتنظيم إذا استمرت الهجمات الإعلامية أو التحريض على العنف داخل المخيمات.
– يظل موقف الدول الأوروبية والولايات المتحدة من إعادة مواطنيها من مقاتلي داعش قضية شائكة. فرفض بعض الدول استعادة رعاياها أو تجريدهم من الجنسية يزيد من الأعباء داخل اإدارة السجون، ويخلق فراغًا يمكن للتنظيم استغلاله في استقطاب عناصر جديدة، بما في ذلك الأطفال والمراهقين.
– من المحتمل أن تظل إدارة معتقلي داعش في سوريا تحديًا مزدوجًا، أمني وإنساني، يستدعي تكامل الجهود الدولية المبذولة، دعمًا ماليًا ولوجستيًا مستدامًا، وإستراتيجيات واضحة لإعادة الإدماج أو المحاكمات، مع تعزيز التعاون بين الأطراف الفاعلة المحلية والدولية. كما أن عدم اتخاذ خطوات جدية تجاه استعادة القوى الغربية مواطنيها من مراكز الاحتجاز، قد يؤدي إلى موجة جديدة من الهروب والتجنيد، ما يهدد الأمن الإقليمي ويُضعف القدرة على محاصرة التنظيم نهائيًا.
**
ـ لم يعد ملف معتقلي “داعش” في شمال شرق سوريا مجرّد قضية احتجاز مؤقت، بل تحوّل إلى أزمة مركّبة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والقانونية والسياسية والإنسانية. وتُبرز النتائج أن هشاشة البنية الأمنية لمراكز الاحتجاز، إلى جانب تراجع الدعم الدولي، وانسحاب أو إعادة تموضع القوى المحلية، أسهمت بشكل مباشر في زيادة مخاطر الهروب وإعادة تنشيط شبكات التنظيم.
– تؤكد الدراسة أن استمرار احتجاز آلاف المقاتلين، بمن فيهم أجانب، دون أفق قانوني واضح، وفّر بيئة خصبة لاستغلال التنظيم لهذه الثغرات ضمن استراتيجياته التاريخية، وعلى رأسها استراتيجية “هدم الأسوار”. كما شكّل الرفض الدولي في إعادة المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم الأصلية عامل ضغط إضافيًا على الجهات المحلية، وأسهم في تدويل المخاطر بدل احتوائها.
– يبرز خيار نقل السجناء من سوريا إلى العراق كحلّ أمني انتقالي تسعى من خلاله بغداد إلى تقليص احتمالات الانفلات الأمني قرب حدودها، والاستفادة من امتلاكها إطارًا قضائيًا أكثر وضوحًا لمحاكمة عناصر التنظيم. غير أن هذا الخيار، رغم ما يوفره من ضبط قانوني نسبي، لا يخلو من مخاطر جدّية تتعلق بأمن عمليات النقل، وقدرة السجون العراقية على الاستيعاب، واحتمالات إعادة تشكّل شبكات التنظيم داخل بيئة احتجاز مكتظة.
– من المرجح أن يستمر ملف معتقلي تنظيم “داعش” في شمال شرق سوريا بوصفه أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار الأمني في المدى المنظور، في ظل غياب تسوية سياسية شاملة في سوريا وتراجع مستوى الانخراط الدولي المباشر في إدارة هذا الملف. وتشير المعطيات الحالية إلى أن مراكز الاحتجاز ستبقى عرضة للاختراق، سواء عبر محاولات هروب منظمة أو اضطرابات داخلية، لا سيما إذا استمرت هشاشة البنية الأمنية واللوجستية، وتراجع التمويل والدعم الفني المخصص لإدارتها.
– من المتوقع توسيع عمليات نقل السجناء إلى العراق ودول أخرى متضررة، مع تعزيز الأطر القضائية والأمنية، ما قد يحدّ من مخاطر الانفلات قصير المدى، لكنه ينقل العبء الأمني بدل حلّه جذريًا. كما أن التعامل مع ملف معتقلي “داعش” بوصفه مسألة أمنية مؤجلة أو هامشية لم يعد خيارًا ممكنًا، وأن أي إخفاق في معالجته ضمن رؤية دولية متكاملة قد يعيد إنتاج التهديد ذاته الذي سعى المجتمع الدولي إلى احتوائه خلال العقد الماضي.
**
– أصبح المشهد الراهن في شمال شرق سوريا معقدًا، نتيجة تشابك العوامل الأمنية والسياسية، في ظل توترات غير مسبوقة تشهدها منطقة الشرق الأوسط. وتُعد مراكز الاحتجاز والمخيمات بيئة خصبة للتطرف، لضمها أعدادًا كبيرة من المقاتلين الأجانب، إضافة إلى بقاء نساء وأطفال داعش في المخيمات، ما يمنح التنظيم فرصة لبناء صفوف جديدة من المتطرفين. وتمثل هشاشة الوضع الأمني ثغرة كبيرة للتحالف الدولي في التعامل مع ملفي المقاتلين الأجانب وحوادث اختراق السجون وفرار مقاتلين إلى خارج سوريا.
– تُعد مسألة استعادة دول أوروبا للمقاتلين الأجانب أمرًا في غاية الصعوبة، بسبب مخاوفها من عدم توافر الأدلة اللازمة لمحاكمة المقاتلين، واحتمالات بناء شبكات تطرف داخل أراضيها، خاصة أن التنظيم بات يعتمد على شبكة لامركزية تسهّل عملية التواصل بين عناصره عبر شبكة الإنترنت. ويُضاف إلى ذلك انشغال أوروبا بأزمات سياسية وأمنية أخرى، في مقدمتها حرب أوكرانيا، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وأزمة غرينلاند، ما يجعل قضية المقاتلين الأجانب في آخر اهتماماتها.
– من المرجح أن تستخدم الولايات المتحدة ملف المقاتلين الأجانب كورقة ضغط على أوروبا في الملفات الخلافية الراهنة بينهما، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على جهود التحالف الدولي ضد داعش في حماية السجون والمخيمات في سوريا، وتقديم الدعم اللوجستي والتقني للحكومة السورية لمواجهة تداعيات هروب عناصر التنظيم، خاصة أن دول أوروبا تؤدي دورًا محوريًا في محاربة داعش.
– من المتوقع أن يسعى تنظيم داعش إلى توظيف الظروف الراهنة في سوريا لصالحه، من خلال الانتشار عبر الحدود السورية ـ العراقية، لاسيما أن مهمة مراقبة هذه المناطق شديدة الصعوبة. وفي الوقت نفسه، قد يستغل سيطرة القوات الحكومية على مناطق ريف الرقة والحسكة ودير الزور، وهي أقل خبرة من قوات قسد في إدارة هذه المناطق، لإحداث فوضى وتمرد داخل المخيمات والسجون، الأمر الذي قد يتطلب رقابة مشددة من قبل التحالف الدولي، وتزويد القوات المحلية بالمعلومات الاستخباراتية المهمة لإحكام السيطرة على هذه المناطق، ومنع خلايا داعش من التواصل مع المعتقلين في السجون.
– كشف حادث هروب معتقلي داعش من سجن “الشدادي” في “الحسكة” عن ثغرات في دور التحالف الدولي في سوريا، وغياب التنسيق مع قوات “قسد”، ما يستدعي إعادة ترتيب استراتيجية محاربة الإرهاب في سوريا والعراق بصورة مختلفة، تتناسب مع معطيات المرحلة، بعد تغير ميزان الشراكة بين واشنطن وقسد، وتراجع دور الأخيرة لصالح التنسيق مع الحكومة السورية في محاربة داعش، بما يعني ضرورة تأهيل الشريك الجديد، وضمان ولاء جميع عناصر الجيش السوري لهذه المهمة.
رابط نشر مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=114638
حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
هوامش
Kurds vs. Syrian government troops: What you need to know
https://tinyurl.com/3xbsh9ee
ISIS Suspects Held in Syria: Repatriation Reset under New US, Syrian Leaders?
https://tinyurl.com/22ewd38d
Why the fate of ISIS prisoners in Syria is back on the radar
https://tinyurl.com/32rk6rw2
Isis fighters escape Syrian prison after government and Kurdish forces clash
https://tinyurl.com/365ed5d8
**
Isis fighters escape Syrian prison after government and Kurdish forces clash
https://2u.pw/vsc03
Caught in the Crossfire: Islamic State Detention Sites at Risk
https://2u.pw/zJU4p
Northeast Syria: Camp Detainees Face Uncertain Future
https://2u.pw/uQiQX
US military starts transferring Islamic State detainees from Syria to Iraq
https://2u.pw/jHyEW
**
Without a Caliphate, But Far from Defeated: Why Da’esh/ISIS Remains a Threat in Syria in 2025
https://bit.ly/4aoA2Rc
Femmes et enfants de djihadistes détenus en Syrie : les refus du Quai d’Orsay de rapatrier annulés par la justice
https://bit.ly/4rKjl8T
Syrian Offensive Against Kurdish-Led SDF Risks Escape of ISIS Prisoners
https://bit.ly/4qYzUhk
US military starts transferring Islamic State detainees from Syria to Iraq
https://bit.ly/4rpvMq7
