خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب ـ ما هي جهود الإنتربول وبريطانيا في مكافحة “الجريمة المنظمة” في إفريقيا؟
أعلنت منظمة الشرطة الجنائية الدولية “الإنتربول” في 22 أغسطس 2025 عن نتائج واحدة من أكبر عملياتها ضد الجرائم الإلكترونية في إفريقيا، والتي أُطلق عليها اسم “سيرينجيتي2″، في إشارة إلى السهول الشهيرة في شرق القارة والتي ترمز في هذه الحالة إلى ساحة صيد إلكتروني للإيقاع بالمجرمين الرقميين. الحملة نُفذت بالتعاون مع محققين من 18 دولة إفريقية إلى جانب المملكة المتحدة، وأسفرت عن اعتقال أكثر من 1200 شخص متورطين في أنشطة إجرامية عبر الإنترنت.
أوضحت المنظمة في بيان رسمي أن هذه العملية التي جرت بين شهري يونيو وأغسطس 2025، تم خلالها التعرف على نحو 88 ألف ضحية لجرائم احتيال رقمي وشبكات عملات مشفرة غير قانونية. كما تم استرداد مبالغ ضخمة بلغت نحو 97.4 مليون دولار أمريكي، وهو ما يعادل 83.2 مليون يورو، في خطوة اعتبرها العديد من الخبراء تقدمًا غير مسبوق في مجال مكافحة الجرائم الإلكترونية في القارة.
وبحسب بيانات الإنتربول، فإن الجرائم الإلكترونية باتت تمثل أكثر من 30% من إجمالي الجرائم المبلغ عنها في كلٍّ من غرب وشرق إفريقيا، مما يبرز مدى خطورة هذا التهديد الذي يتنامى عامًا بعد عام، ويطال الأفراد والمؤسسات على حدٍّ سواء.
تفاصيل الحملة ونتائجها البارزة
الحملة التي استمرت عدة أسابيع شهدت تنسيقًا واسع النطاق بين أجهزة الأمن والسلطات القضائية وخبراء التقنية الجنائية. ومن بين أبرز نتائجها:
اعتقال 1,209 مشتبه بهم بتهم تتراوح بين الاحتيال المالي، وتبييض الأموال، وتشغيل شبكات احتيال رقمي، وإدارة منصات مشبوهة لتداول العملات المشفرة.
تفكيك 11,432 بنية تحتية، تشمل خوادم إلكترونية وأدوات اختراق وبرمجيات خبيثة كانت تُستخدم لشن هجمات تصيّد وسرقة معلومات.
استرداد قرابة 100 مليون دولار من العائدات غير المشروعة، تم تحويلها في الغالب عبر قنوات مصرفية وشبكات تحويل أموال غير نظامية.
أمثلة على العمليات النوعية داخل الحملة
من أبرز العمليات التي نُفّذت ضمن “سيرينجيتي2″، كانت المداهمة الواسعة في أنغولا، حيث فكّكت السلطات 25 مركزًا لتعدين العملات المشفرة تُدار من قبل مشغلين صينيين. وتمت مصادرة معدات إلكترونية تُقدّر قيمتها بنحو 37 مليون دولار، وهي معدات عالية التقنية تُستخدم في تعدين العملات الرقمية، مثل البيتكوين، وتتطلب طاقة كهربائية ضخمة. وذكرت الإنتربول أن هذه المعدات ستُعاد توجيهها لاستخدامها في دعم شبكة الكهرباء الوطنية، خاصة في المناطق الفقيرة والهشة.
أما في ساحل العاج، فقد كشفت العملية عن تفكيك واحدة من أقدم طرق الاحتيال عبر الإنترنت، والتي تعتمد على خداع الضحايا بأنهم ورثة مفترضون لأموال ضخمة في الخارج. وتمكنت العصابات من استدراج الضحايا لدفع “رسوم إدارية” أو “ضرائب انتقال الميراث”، قبل أن يتضح أنهم وقعوا ضحية خداع. وقد بلغت خسائر الضحايا في هذه القضية وحدها 1.6 مليون دولار، وجرى توقيف عدد من الأشخاص المشتبه بتورطهم في هذه الشبكة.
وفي زامبيا، تم الكشف عن شبكة احتيال استثماري إلكتروني ضخمة، أوهمت عشرات الآلاف من المستخدمين بتحقيق أرباح خيالية مقابل استثمارات بسيطة عبر الإنترنت. هذه الشبكة كانت مسؤولة عن استدراج أكثر من 65 ألف ضحية، وأدّت إلى خسائر تُقدّر بنحو 300 مليون دولار، وهي من أكبر عمليات الاحتيال المالي في تاريخ البلاد.
الجرائم الإلكترونية خطر عالمي متزايد
حذرت الإنتربول من أن الجرائم الرقمية في إفريقيا باتت ترتبط بشبكات إجرامية عابرة للحدود لا سيما أوروب، وأن العديد من العمليات التي تم تفكيكها تُدار من خارج القارة، خاصة عبر “الدارك ويب” ومناطق الإنترنت المظلم، ما يستلزم تعاونًا دوليًا مكثفًا وتعزيز قدرات الدول الإفريقية في مجال الأمن السيبراني.
يقول الأمين العام للمنظمة: “نتائج هذه الحملة تُظهر أن الجريمة الإلكترونية لم تعد مجرد نشاط فردي، بل أصبحت عملًا منظمًا ومتعدد الجنسيات. وهذا ما يجعل مكافحتها تتطلب تعاونًا عالميًا لا يقل عن تعاوننا في مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات”.
النتائج
تعكس حملة “سيرينجيتي2” إدراكًا متزايدًا لخطر الجريمة الإلكترونية، ليس فقط من حيث حجم الأموال المسروقة، بل في تأثيرها على الأمن القومي للدول، وثقة المواطنين في المنصات الرقمية.
تشير الحملة إلى تحولًا نوعيًا في نهج مكافحة الجرائم الإلكترونية داخل إفريقيا، إذ أبرزت للمرة الأولى قدرة تنسيقية إقليمية ودولية فعالة أسفرت عن نتائج ملموسة على الأرض.
ما يميز هذه الحملة ليس فقط حجمها واتساع نطاقها، بل شموليتها، إذ استهدفت مجالات معقدة مثل العملات المشفرة، والاحتيال المالي، وشبكات عابرة للحدود.
المستقبل يحمل اتجاهين محتملين، من جهة قد تشجع هذه النجاحات دولًا أخرى على توسيع التعاون مع الإنتربول وتخصيص موارد أكبر للأمن السيبراني؛ ومن جهة أخرى،
ومن جهة أخري، قد تطور الجماعات الإجرامية بالتعاون مع الجماعات المتطرفة أدواتها وهياكلها لمواجهة هذا الضغط الأمني.
إن استدامة هذا النجاحات الاستباقية في مكافحة جماعات الجريمة المنظمة تتطلب استثمارًا طويل الأمد في القدرات التقنية، وتدريب المحققين، وتعزيز أطر التعاون القانوني والاستخباراتي بين الدول.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107996
