المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب ـ ما طبيعة الروابط العابرة للحدود في سلسلة الهجمات في أوروبا؟
شهدت العديد من الدول الأوروبية سلسلة من الهجمات الإرهابية المرتبطة بالنظام الإيراني والتي استهدفت مؤسسات دينية وتعليمية عقب اندلاع حرب إيران، ما أثار مخاوف أمنية واسعة داخل عدد من الدول الأوروبية، ودفع السلطات الأوروبية إلى فتح تحقيقات موسعة بدعم دولي انتهت بالقبض على مشتبه به رئيسي في تركيا.
من روتردام إلى عواصم أوروبية: مشهد أمني متوتر
بدأت موجة الهجمات بحسب المعلومات، في هولندا خلال مارس من العام 2026، حيث أُلقيت عبوات حارقة على كنيس يهودي في روتردام، تلاها إشعال النار في مدرسة في أمستردام، ثم استهداف منظمات مدنية. كما امتدت الهجمات لاحقًا إلى دول أوروبية أخرى، ما أثار قلق الأجهزة الأمنية من وجود شبكة منظمة تقف خلف هذه العمليات. ووفقًا لنتائج تحقيق دولي جرى بدعم من وكالة التحقيقات الفيدرالية الأمريكية، تم توقيف مشتبه به يُدعى محمد السعدي، يبلغ من العمر 32 عامًا، في تركيا، ويُعتقد أنه عراقي الأصل. وتشير التحقيقات إلى احتمال ارتباطه بالحرس الثوري الإيراني وبشبكة تُعرف باسم “حركة أصحاب اليمين الإسلامية”، والتي وصفتها جهات أمنية بأنها جماعة متطرفة نشطة في أوروبا.
تحقيقات موسعة تكشف امتدادًا خطيرًا للهجمات في أوروبا
تدخل مكتب التحقيقات الفيدرالي في التحقيقات مبكرًا بسبب استهداف أحد فروع بنك أمريكي في أمستردام ضمن سلسلة الهجمات، ، وتمكن من تعقب المشتبه به، قبل أن يتم تسليمه إلى الولايات المتحدة. وأمرت محكمة في نيويورك باحتجازه رهن المحاكمة، فيما نقل عن مسؤول في مكتب التحقيقات الفيدرالي قوله إن محمد السعدي يُزعم أنه وجّه 18 هجومًا إرهابيًا في أوروبا خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر. وفي السياق ذاته، أفادت تقارير أمنية بأن سلسلة الهجمات التي وقعت في مارس وأبريل شملت أيضًا هجومًا متعمدًا على كنيس يهودي في لييج ببلجيكا قرب الحدود الألمانية، قبل أن تمتد موجة الهجمات إلى هولندا، حيث تم توقيف خمسة مشتبه بهم، معظمهم من المراهقين، بتهمة تنفيذ عمليات حرق متعمد.
التجنيد الرقمي يفتح بابًا جديدًا للتهديدات الأمنية
تشير التحقيقات إلى نمط جديد في عمليات التجنيد، إذ يُشتبه في استهداف مراهقين عبر منصات الألعاب الإلكترونية، وتجنيدهم لتنفيذ هجمات مقابل مبالغ مالية صغيرة، في ما وصفه خبراء الأمن بأنهم “عملاء يمكن التخلص منهم”، حيث يتم استخدامهم في عمليات منخفضة التكلفة وعالية المخاطر. كما يُزعم أن السعدي استخدم وسائل التواصل الاجتماعي لنشر أهداف وتحفيز الهجمات، من بينها استهداف كنيس يهودي في مقدونيا، إضافة إلى الاشتباه في تورطه في هجوم استهدف سيارات إسعاف تابعة لمنظمة إغاثة يهودية في لندن. وخلال التحقيقات الأولية، أفاد بأنه كان يدير “عدة خلايا إرهابية” داخل أوروبا.
أشار وزير العدل الهولندي ديفيد فان ويل إلى احتمال وجود صلات إيرانية بالهجمات، فيما اعتبرت اللجنة الدولية لمكافحة الإرهاب في لاهاي أن الشكوك حول تورط طهران في موجة العنف الأخيرة “ليست بلا أساس”، مشيرة إلى ما وصفته بتاريخ من العمليات الخارجية، حيث ارتبط اسم إيران بـ102 هجوم في أوروبا منذ عام 1979 وفقًا لتقديرات اللجنة.
النتائج
– تشير المعطيات إلى أن التهديدات الإرهابية في أوروبا تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها العوامل الجيوسياسية مع أدوات التجنيد الرقمي والشبكات غير المركزية. فامتداد الهجمات من دولة إلى أخرى، واعتماد أساليب منخفضة التكلفة مثل الحرق العمد والتجنيد عبر الإنترنت، يعكس تحولًا في طبيعة الفاعلين من تنظيمات هرمية إلى خلايا مرنة أو أفراد يتم تحريكهم عن بعد.
– من المرجح أن يزداد اعتماد الشبكات المتطرفة على الفضاء الرقمي، خصوصًا منصات الألعاب ووسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارها بيئة خصبة لاستقطاب الفئات الأصغر سنًا. هذا النمط من “التجنيد منخفض الكلفة” قد يجعل من الصعب على الأجهزة الأمنية تتبع سلاسل القيادة أو تفكيك البنية التنظيمية التقليدية، نظرًا لتشتت الفاعلين وتعدد مستويات التحفيز.
– تشير الاتهامات المتعلقة بوجود روابط خارجية محتملة إلى بُعد آخر أكثر حساسية، يتمثل في احتمال توظيف النزاعات الإقليمية كرافعة لتوسيع النفوذ عبر عمليات غير مباشرة. وإذا استمرت هذه الفرضية في التكرار داخل التحقيقات الأوروبية، فقد يدفع ذلك إلى إعادة صياغة سياسات الأمن والاستخبارات، ليس فقط في إطار مكافحة الإرهاب التقليدي، بل كذلك ضمن مفهوم “الحرب بالوكالة غير التقليدية”.
– من المتوقع أن تواجه أوروبا تحديًا متزايدًا في ضبط الفضاء الرقمي دون المساس بحرية التعبير، خصوصًا مع تزايد الدعوات لتشديد الرقابة على المنصات الرقمية والحد من استغلالها في عمليات الاستقطاب. هذا التوازن بين الأمن والحرية سيبقى أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة.
– على المدى البعيد، قد يؤدي استمرار هذا النمط من الهجمات إلى تعزيز التعاون الأمني الدولي، لا سيما بين أوروبا والولايات المتحدة، في مجالات تتعلق بتتبع التمويل الرقمي، ومراقبة الشبكات العابرة للحدود، وتطوير أدوات ذكاء اصطناعي لرصد أنماط التطرف المبكر.
– في حال استمرار هذا التصعيد، فإن المشهد الأمني الأوروبي قد يتجه نحو “تفكك تهديدي” لا يعتمد على تنظيم مركزي واضح، بل على موجات متقطعة من العنف منخفض التنظيم وعالي التأثير، ما يفرض إعادة تعريف شاملة لمفهوم الإرهاب في البيئة الأوروبية الحديثة.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=118563
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
